محمد صلاح.. الأمر أكبر من كرة القدم

يعيش العالم – وأوروبا تحديدا - تغييرات اجتماعية وسياسية واسعة. جزء كبير من تلك التغييرات بسبب المنطقة الأكثر اشتعالا في القرن الحالي، الشرق الأوسط.

كتب : فادي أشرف

الإثنين، 15 يونيو 2020 - 11:53
محمد صلاح

يعيش العالم – وأوروبا تحديدا - تغييرات اجتماعية وسياسية واسعة. جزء كبير من تلك التغييرات بسبب المنطقة الأكثر اشتعالا في القرن الحالي، الشرق الأوسط.

في زمن ما قبل كورونا، يعرف المتابع غير الملم بالسياسة بالضرورة سبب تفوق دونالد ترامب ذو التوجهات اليمينية المحافظة على هيلاري كلينتون الأكثر ليبرالية، أو سبب ميل البريطانيين للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي. الدعاية اليمينية والقومية التي تنفخ كثيرا في نار أزمة المهاجرين لتحقيق مكاسب سياسية.

في أوروبا عموما تصعد الأحزاب اليمينية لمقاعد السلطة أو مقاعد المعارضة الرئيسية بشكل منتظم. تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC يفسر الأمر بأنه "انتقام من الهيئات السياسية الحاكمة في ظل أزمات الاقتصاد والمهاجرين، والخوف من العولمة وفقدان الهوية القومية".

على المستوى السياسي والاجتماعي، الموقف المعادي للقادمين من خارج أوروبا صار موقفا شبه رسمي في القارة العجوز.

--

بالتأكيد لم يتوقع ستيف روثيرام عمدة مدينة ليفربول أن يكون الحل للعنف الديني في مدينته نابع من مدرجات آنفيلد رود، أو أن يكون السبب في هذا الحل من قرية نائية في مستعمرة بريطانية قديمة.

6000 كيلومتر يفصلون بين نجريج وليفربول. لكن رحلة صلاح بينهما لم تكن مستقيمة كما يظهر تطبيق Google Maps هذه المسافة، بل مليئة بالعثرات والعرق والدموع والإنجازات. لكن صلاح لم يكتف بالوصول إلى ليفربول، لكنه وصل إلى قمة العالم.

ملك مصر، محمد صلاح، يحتفل اليوم بعيد ميلاده الـ28. الكل يعلم عبقرية صلاح الكروية، رحلة صعوده إلى القمة وحفاظه عليها، ومهاراته وأهدافه، أمور أُسهب فيها الحديث، لكن لصلاح وجه ربما قد يكون أهم، وجه أكبر من كرة القدم.

قال ضياء السيد الذي وصفه صلاح أكثر من مرة بـ"والده الروحي" إن "أي مدرب يريد أن (يتفلسف) أو يصف نفسه بالعبقرية، سيقول لك إنه كان يتوقع لمحمد صلاح أن يصبح هدافا للدوري الإنجليزي. صلاح كان لاعبا جيدا، لم أكن أملك شكا في ذلك. كنت واثقا من أنه سيكون لاعبا رائعا في الدوري الممتاز.. في مصر!".

لم تكن التوقعات لصلاح تتخطى ذلك. بعد احترافه كان الأمل أن يحصل على مسيرة احترافية موفقة كتلك التي حصل عليها أحمد حسن أو محمد زيدان، ولكن ما حققه صلاح في الموسم الماضي فاق ربما كل ما قدمه المحترفون المصريون مجتمعين.

في بلد مثل مصر يختلف فيها الناس على كل شيء.. يتفقون على محمد صلاح.

بداية من الأمور الأكثر الأهمية التي تخص الحياة اليومية للمواطن ووصولا إلى كرة القدم، ينقسم المصريون بين أحمر وأبيض.

ولكن عندما يصل الأمر إلى محمد صلاح، يقف الجميع على مسافة واحدة، والأمر أكبر من كرة القدم.

--

بحسب إحصائيات شرطة ميرسيسايد، كانت المنطقة صاحبة أكثر نسبة جرائم عنف ضد المساجد بعد لندن ومنطقة مانشستر الكبرى.

“If he’s good enough for you/He’s good enough for me/If he scores another few/Then I’ll be Muslim too,”

ولكن الآن "إذا كان مناسبا لي، وإذا كان مناسبا لك.. إذا سجل أهدافا أخرى سأكون مسلما مثله"، مثلما تشدو مدرجات آنفيلد عندما يقوم بطلها بتسجيل الأهداف.

يقول عمدة ليفربول إن "قيام شخص واحد بتحطيم الخوف المرضي من الإسلام (إسلاموفوبيا) أمر أسطوري. إنه يحطم الحدود بين الجميع، الأمر يتعدى مرحلة كرة القدم".

أما مؤمن خان إمام أحد أكبر مساجد ليفربول فيقول "هتاف جمهور ليفربول غير الكثير من المفاهيم حول الإسلام. لقد فعل الكثير ليدمر الكراهية والخوف، وأن يظهر بأن بريطانيا بلد واحد متوحد".

في 6 مايو الماضي، تجمع أكثر من 3000 شخص أمام مقر الحكومة البريطانية. "يوم الحرية" كما أسمته المنظمات اليمينية المتشددة المنظمة للمظاهرة. ضرب مصور فيديو لأنه اتضح أنه مسلم قد يكون أقل فعل ينم عن الكراهية ضد "الغرباء" حدث أثناء تلك التظاهرة.

تلك المظاهرة جاءت على خلفية حملة "عاقب مسلم" التي تسببت في الهجوم على عدد كبير من المسلمين في بريطانيا خلال العام قبل الماضي.

بعدها بأيام، تجمعت أعداد أكبر حول فندق لاندمارك في لندن لمشاهدة فوز محمد صلاح بجائزة رابطة كتاب كرة القدم.

يقول عمر صلاح، وهو باحث في تأثير الرياضة على تأقلم المسلمين في المجتمع في إنجلترا، "لاعبو كرة القدم يظهرون شكلا محببا للمسلمين ويمنحون المسلمين مساحة أكبر ليتم فهمهم. هذا يكسر من الصورة النمطية ضدهم".

وأضاف الباحث لـ "ميدل إيست آي" أن الأداء الرائع لمحمد صلاح يقلل من النظرة السلبية تجاه الإسلام، وإن ما يفعله "مفيدا أكثر مما كان سيفعله أي باحث أو محاضر".

أما ريملا أخطار، عضو إدارة منظمة "كيك إت آوت" التي تعمل ضد العنصرية في الرياضة فتقول:"الحديث في المؤتمرات أو الإعلام ليس بقوة ما يفعله اللاعب في حياته اليومية".

وأضافت أثناء تعليقها على صلاح "الكثير من الرياضيين يتعاملون بشكل يعكس هويتهم وحياتهم كمسلمين، مثل الصلاة قبل المباريات مثل ميسوت أوزيل أو السجود عند التهديف مثل صلاح".

تضيف أخطار بأن ما يفعله صلاح يقنع الشباب المسلم بأنه ينتمي لبريطانيا وأوروبا عموما، في ظل دعاية مضادة تقنعهم وتقنع البقية بأن "هؤلاء الغرباء" لا ينتمون إلى أوروبا.

صلاح لاعب كرة قدم رائع ولا شك في ذلك، ولكن دور صلاح أصبح أكبر من كرة القدم. في عالم تحكم الكراهية والخوف اختياراته، يحطم صلاح الحدود بين البشر بفضل روعته في ممارسة كرة القدم. أمر حقا أكبر من كرة القدم.

طالع أيضا

11 عاما على أداء مصر الخرافي أمام البرازيل

كيف يفكر مصر المقاصة في سوق الانتقالات

عصام مرعي يحكي موقفا يبرز شخصية ميتشو

المجلس الأعلى للإعلام يوضح لماذا لم يتخذ قرارا صارما بحق قناتي الأهلي والزمالك

طلائع الجيش يستنكر التفكير في استئناف الدوري

حازم إمام يكشف اقتراب تجديد عقده مع الزمالك