كتاب في البيت – أنا دروجبا (7).. رحلة العمر من مصر إلى جنوب إفريقيا.. وتوحيد الأفيال

السبت، 28 مارس 2020 - 20:52

كتب : أحمد عز الدين

دروجبا

إيمانا من FilGoal.com بدوره المجتمعي في محاربة فيروس كورونا ومساهمة في حملة (خليك في البيت)، نقدم لكم خدمة ترجمة كتب أبرز النجوم.

والآن مع الحلقة السابعة والأخيرة من كتاب ديديه دروجبا نجم منتخب كوت ديفوار وتشيلسي ومارسيليا السابق.

أمتلك جواز سفر فرنسي وآخر إيفواري. ورغم أني قضيت أغلب طفولتي وشبابي في أوروبا منذ اصطحبني عمي من إفريقيا وأنا في السادسة لكن حين حان موعد قرار تمثيل أحد المنتخبين لم أفكر كثيرا.

قلبي كان متعلقا بالأفيال منذ البداية.

عمي لعب لمنتخب كوت ديفوار لهذا كنت متحمسا لفكرة استمرار العائلة في الدفاع عن ألوان إفريقيا خاصة وأني منذ كنت طفلا وحتى اليوم أشعر بحماس غير عادي حين أستمع للنشيد الوطني لبلادي.

وفي الحقيقة كان قرار تمثيل كوت ديفوار أكثر منطقية بالنظر إلى أني لم أكن أبدا جزء من قطاعات الناشئين لمنتخبات فرنسا لأني لم ألعب بشكل احترافي حتى وصلت للعشرينات من عمري.

كذلك لو نظرتم إلى مهاجمي فرنسا آنذاك ستجدون تييري هنري ونيكولا أنيلكا وديفيد تريزيجيه، ولهذا كنت أقول لنفسي ماذا سأفعل هناك؟

أنا ديدييه دروجبا وهذه حلقة جديدة من مذكراتي والتي أنشرها تحت عنوان "الالتزام".

فلا يوجد وصف أفضل من "الالتزام والإصرار" لرحلتي وخاصة مع منتخب كوت ديفوار. واليوم وهي الحلقة الأخيرة، سأخصصها لأهم لحظات حياتي. حكايتي مع الأفيال.

مكالمة متأخرة

بدأت مسيرتي الدولية في 2002 مع مكاملة هاتفية من روبرت نوزير المدير الفني لمنتخب كوت ديفوار آنذاك يطالب مقابلتي في فرنسا.

وهذا الرجل كان مدربا في الدرجة الثانية الفرنسية مع باستيا بالتالي يعرفني من فترتي مع فريق لو مان. وبالتالي التعارف كان سهلا. قال لي: "نحتاج إليك لتشاركنا التأهل إلى كأس العالم لأول مرة في التاريخ".

حسنا أنا موافق. هكذا بمنتهى البساطة.

والمثير في تلك الحكاية أني استقبلت مكالمة من جاك سانتيني المدير الفني لمنتخب فرنسا بعد أسبوعين من اتفاقي مع كوت ديفوار.

- جاك سانتيني: ديدييه هل تريد تمثيل منتخب فرنسا؟ أظن أنك ستمنحنا إضافة كبيرة.

- دروجبا: مم، أنا أسف. أعتذر لك لكنك وصلت متأخرا بعض الشيء. سألعب لمنتخب كوت ديفوار.

مملكة الأفيال

مباراتي الأولى مع كوت ديفوار جاءت في سبتمبر 2002 ضمن التصفيات المرشحة لكأس أمم 2004 في تونس. كان الفوز ضروريا للتأهل وللأسف تعادلنا يومها 0-0 مع جنوب إفريقيا.

لكني لازلت أذكر هذا اليوم بكل تفاصيله.

منذ العاشرة صباحا وأنت ترى في كل شوارع أبيدجان ما يمكن وصفه بالكرنفال. حول الاستاد تشعر بأن الشعب كله تجمع لمشاهدة المباراة.

أما المباراة نفسها فكانت صعبة للغاية، لا بسبب الخصم بل الحرارة غير المنطقية التي تجعلك تشعر كأنك تلعب كرة القدم في غرفة بخار (ساونا)!

رأسي على وشك الانفجار وصدري على وشك التوقف وحذائي يحترق من حرارة أرض الملعب، وأفكر: كيف يركضون في هذا الجحيم لمدة 90 دقيقة؟

ولكني كنت أتمنى أن يظل الجحيم متمثلا في حرارة أرض الملعب فقط. فبعد 10 أيام من تلك المباراة اندلعت حربا أهلية في كوت ديفوار وانتقل الجحيم إلى الوطن كله :(

وفي تلك الفترة الصادمة بدأنا رحلة الوصول إلى كأس العالم 2006 وتقريبا كنت أسجل في كل مباراة أخوضها مع المنتخب.

لا لم أكن أسجل هدفا أو اثنين بل 3 و4 أهداف وبدأ حضوري في الفريق يختلف. أقود اللاعبين في التدريبات وأتحدث إليهم لتحفيزهم قبل المباريات والنتيجة أني حصلت على شارة قيادة الأفيال في 2005.

أصبحت قائدا للأفيال في فترة هامة للغاية من رحلة كوت ديفوار لتحقيق حلم الوصول إلى كأس العالم. وقد كانت رحلة صعبة للغاية مليئة بالضغوط.

البحث عن حفلة

واحدة من تلك الضغوط أن الجمهور في كوت ديفوار وربما في إفريقيا كلها يختلف تماما عن نظيره في أوروبا.

ففي إفريقيا ينتظر الجمهور حفلة كل مباراة.

لا يرضى الأفارقة عن فوز بهدف أو باثنين بل ينتظرون انتصارات من عينة 4-0 و5-0 وربما السبب في كوت ديفوار أن الشعب يبحث عن سبب لاحتفال كبير صاخب لا يصدق، لينسى به ما يحدث في البلاد.

وأنا على النقيض تماما. أرى الفوز نموذجيا لكن التعادل أفضل من الخسارة وربما وجودي في تشيلسي شكل لدي هذا الوعي.

لماذا أقول هذه الكلمات؟ لأننا كنا على وشك مواجهة الكاميرون في الـ4 من سبتمبر 2005 ونحتاج إلى نتيجة إيجابية حتى نحافظ على حظوظنا في الوصول للمونديال.

وفي المعتاد تكون مباريات كوت ديفوار ضد الكاميرون حماسية وهناك تنافسا قديما بين البلدين في كرة القدم، لكن تلك المباراة كانت مصيرية ما أضفى إليها المزيد من الشرار الكافي لاشتعال النار في الملعب.

حتى في تشيلسي كان الجميع يتحدث معي عن تلك المباراة بل ويوم اللقاء فوجئت برومان أبراموفيتش وجوزيه مورينيو في المدرجات رغم أن ظروف البلاد لا تشجع أحدا على السفر إلى كوت ديفوار.

ولكل لهذه الأسباب كنت أقاتل في الملعب وربما قدمت يومها أفضل مباراة في حياتي مع الأفيال.

بدأت المباراة بهدف كاميروني مبكر سجله أشلي ويبو قبل أن أحرز أنا هدف التعادل لكوت ديفوار بعدها بثماني دقائق.

لكن منتخب الكاميرون تقدم علينا مجددا وعن طريق أشيلي ويبو أيضا لينتهي الشوط بنتيجة 2-1.

هنا وأثناء الاستراحة انتظرت حديث هنري ميشيل المدير الفني للمنتخب حتى انتهى ثم قلت للفريق: "يا رفاق لا تقلقوا سنسجل التعادل. لكن انتبهوا".

وأكدت "علينا بعد إحراز التعادل الحفاظ على النتيجة".

وأضفت "حين نسجل حافظوا على الهدوء. لا نريد المزيد من الهجوم ولا نريد المخاطرة. دعونا نتناقل الكرة ونلعب على الخروج بنتيجة 2-2".

وطبعا ما حدث كان عكس ذلك رغم أني سجلت هدف التعادل سريعا.

بعدما أصبحت النتيجة 2-2 لم أستطع السيطرة على لاعبي كوت ديفوار وربما السبب كان الضغط الجماهيري غير العادي في المدرجات.

فكلما لمس لاعبونا الكرة ارتجت المدرجات بالهتاف تطالبنا بالهجوم وبالفوز.

وبالفعل ظل منتخب كوت ديفوار يهاجم وكما توقعت أشيلي ويبو قتلنا بهدف ثالث للكاميرون في الدقيقة 85.

وهكذا أصبحت بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2006 في يد الكاميرون.

يكفي الكاميرون الفوز على مصر في الجولة الأخيرة للتأهل أما نحن فمطالبون بانتظار سقوط رفاق صامويل إيتو مع طبعا الانتصار على السودان.

مكالمة من صديق

وحقيقة كنت عاجزا عن التفاؤل إذ دعونا نفكر بمنطقية. من السهل على الكاميرون الفوز على مصر.

لكن ما أحدث شرخا في جدار يأسي كان مكالمة هاتفية ليلة المباراة من صديق مصري قديم، وهو ميدو زميلي السابق في نادي مرسيليا.

ميدو: "أخي. فوزوا على السودان، ومصر ستهدي كوت ديفوار بطاقة التأهل إلى كأس العالم".

دروجبا: "ميدو سأكون صريحا معك. أنا واثق من الفوز على السودان لكني لا أتوقع خسارة الكاميرون".

ميدو: "ديدييه أنت لا تفهم. مصر تحقق دائما نتائجا جيدة ضد الكاميرون، نحن معتادون على مضايقتهم :)".

ميدو: "لا تقلق. بالتوفيق وأنتظر مشاهدتك في كأس العالم".

في الحقيقة لقد كانت مكالمة إيجابية للغاية.

المعجزة

أقيمت المباراتان في وقت واحد. وكان تركيز كل لاعب في كوت ديفوار طبعا ليس في مباراة السودان.

فكل لاعب فينا استخدم عينا لرؤية الملعب وأخرى لمتابعة رد فعل دكة البدلاء التي تتابع عبر الهاتف مباراة الكاميرون ومصر.

كنت مفتقدا تماما للتركيز لدرجة أني سمعت صوتا على الدكة فتوقفت عن الركض لمعرفة ما إذا كان هناك أي أخبار من مباراة مصر، توقفت عن الركض أثناء الهجمة!

صرخ هنري ميشيل "اركض. اركض ديدييه".

لم أركض بل رددت سريعا "كم النتيجة هناك؟".

علمت أن مباراة مصر والكاميرون وصلت إلى دقائقها الأخيرة والنتيجة 1-1. رباه هل تحدث المعجزة؟

وأخيرا انتهت مباراة كوت ديفوار والسودان وفزنا 3-1. وتجمع اللاعبون والجهاز الفني للاستماع إلى ما يحدث هناك، حيث يتم كتابة مصيرنا.

كنت واقفا بين اللاعبين وكلي ثقة أن الأمور لن تنتهي هناك بهذه السهولة. كنت أعرف أن الجمهور لن يترك الحكم وشأنه وأن هناك شيئا سيحدث. بالتأكيد هناك شيء سيحدث.

هنا صرخ الرجل الذي يتابع النتيجة عبر الهاتف: اللعنة. الحكم احتسب 5 دقائق وقتا بدل من ضائع.

طبعا، هكذا قلت لنفسي.

ومع مرور الثواني بدأ اللاعبون بجواري يشعرون بأننا سنتأهل وبدأت الابتسامات تعلو الوجوه والاحتفالات تكاد تنطلق وأنا أنظر لهم بمنتهى الغضب: لم تنته المباراة بعد. اصمتوا.

كنت غير مرتاح على الإطلاق وأعصابي منفلتة وأشعر بأننا سنستمع إلى أخبار غير طيبة بين لحظة وأخرى، سيحتسب الحكم ركلة جزاء للكاميرون. بالطبع سيمنحهم ركلة جزاء.

هكذا كنت أحدث نفسي بصوت عال وفي اللحظة التالية وجدت من يتابع المباراة يقول: "الحكم احتسب ركلة جزاء للكاميرون".

اللعنة.

طبعا حين شاهدنا الإعادة بعدها عرفنا أنه لا يمكن بأي حال احتساب تلك اللعبة ركلة جزاء! بالكاد حدث تلامس بين اللاعبين :(

شعرت بالإعياء لكني وجدت أحمد وتارا زميلي في المنتخب يضع يديه خلف ظهري ويهتف فينا بصوت عال: "فلنصلي إلى الله".

فجأة سمعنا صراخا حولنا. لقد ضاعت ضربة الجزاء :))))

بدأت الاحتفالات تنفجر حولنا لكن كولو توريه هو من هب واقفا في هذه المرة وقال لنا: اصمتواااا. لاتزال المباراة جارية.

وحمدا لله انتهى اللقاء بتعادل مصر مع الكاميرون. وكوت ديفوار تصل إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخها.

حمدا لله. حمدا لله.

كالمجنون أخذت أركض في الملعب أحتضن كل لاعب في طريقي حتى وصلت إلى هنري ميشيل الرجل الذي لعب دورا كبيرا في تحقيق هذا الحلم.

قال لنا أحمد واتارا فلننزل جميعا على الأرض: فلنصلي إلى الله شكرا له على هذه الهدية.

استمعوا استمعوا

وأنا أحتفل وجدت أمامي كاميرا ومايكروفون أحد القنوات الإيفوارية.

هنا ودون أن أفكر أخذت أهم قرار في حياتي.

"اعطني المايكروفون". هكذا طلبت من مراسل تلك القناة.

طلبت من كل اللاعبين الالتفاف حولي وقلت لهم: "اصمتوا ششششششششش، رجاء استمعوا استمعوا".

"شعب كوت ديفوار.. من الشمال والجنوب، من المشرق والمغرب. اليوم أثبتنا أننا نستطيع التوحد خلف هدف وأن نحققه".

"قبل مباراة اليوم اتفقنا كفريق على جلب الفخر لكوت ديفوار وجلب السعادة للبلاد وعملنا كلنا على قلب رجل واحد".

"والآن نطلب منكم أنتم أيضا...".

ونزلت على ركبتي وتبعني كل اللاعبين في تلك اللحظة قبل أن أتابع الحديث في المايكروفون.

"البلد الوحيدة في إفريقيا التي تمتلك كل هذه الأشياء الثمينة لا يمكن أن تغرق في الحرب بهذه الطريقة. أرجوكم اخفضوا أسلحتكم ونظموا انتخابات توحدكم".

وحقيقة لم أتخيل في تلك اللحظة أن تكون كلماتي مؤثرة. كل ما أعلمه أنها جاءت من قلبي في لحظة خاصة جدا لكوت ديفوار ولي.

دموع

وفي اليوم التالي كنا على الطائرة للعودة من السودان إلى أبيدجان في كوت ديفوار وكنت غارقا في أفكاري طوال تلك الرحلة.

طفولتي في كوت ديفوار وسفري إلى فرنسا ومعاناتي حتى أصبح لاعبا محترفا وحتى وصلت إلى تلك اللحظة مع منتخب بلادي.

هكذا دون أن أدري بدأت النحيب والبكاء ولم أستطع التوقف حتى وصلنا إلى أبيدجان.

وياللجنون الذي كان ينتظرنا هناك.

احتفالات لم ولن أرى لها أي مثيل في كل شبر من أرجاء البلاد. لا يمكنك مشاهدة شاشة تلفاز في أي مكان إلا ووجدت صورتي واللاعبين ونحن على الأرض نطلب من الشعب أن يتوحد.

هكذا شعرت أن رحلة هذا الجيل من الأفيال ستكون استثنائية. وبدأت أفكر في أن فريقا يضم يايا توريه وكولو توريه وإيمانويل إيبوي وبكاري كونيه يستطيع ويحتاج للفوز ببطولة لتستمر الاحتفالات في البلاد.

ولم تكن هناك مناسبة أقرب وأفضل من كأس أمم إفريقيا 2006 في مصر.

مصر تحتفل

بدأنا رحلة كأس أمم إفريقية بانتصارين على المغرب وليبيا من ثلاث مباريات في مرحلة المجموعات التي ضمت مصر منظمة البطولة.

بعد ذلك عشت دراما جديدة في رحلتي مع الأفيال وذلك مع مواجهة الكاميرون على أرض القاهرة ضمن دور الثمانية من البطولة.

فقد وصلت النتيجة إلى 11-11 في ضربات الترجيح بعد نهاية الوقتين الأصلي والإضافي بتعادل سلبي بين البلدين.

كل لاعب في الفريقين سجل ضربة الترجيح التي نفذها حتى حارسي المرمى، ومن ثم بات علينا أن نبدأ ضربات الترجيح من جديد.

وكان اللاعب الذي سينفذ الركلة الأولى للكاميرون هو صامويل إيتو دون سواه.

وأظن أن إيتو فكر في لعب الكرة بشكل مختلف أو غير رأيه وهو ينفذ الركلة لأنه توقف لحظة وهو يركض ناحية الكرة ثم ذهبت تصويبته إلى السماء.

وهكذا أصبح الطريق مفتوحا لكوت ديفوار للتأهل إلى نصف النهائي بشرط واحد، أن أسجل أنا ضربتي.

حسنا فلأتعلم مما حدث مع إيتو. لن أغير رأيي ولن ألعب الكرة بشكل مختلف عن المعتاد. فلأرسلها قوية إلى زاوية وليكن النصر حليفي.

وقد كان :)

وكما تذكرون تأهلنا في نصف النهائي دون متاعب على حساب نيجيريا لنلعب أمام مصر في المباراة الختامية.

وفي الحقيقة كنا نشعر بثقة كبيرة قبل مباراة مصر رغم الإرهاق الذي نال منا بسبب خوض شوطين إضافيين ضد الكاميرون.

وماذا حدث أمام مصر؟ أشياء كثيرة تثير الأعصاب.

بدأ اليوم بشكل سيء. تصوروا أننا احتجنا إلى ساعة ونصف حتى نصل إلى استاد القاهرة؟!!

قضينا حوالي 45 دقيقة تقريبا من الساعة ونصف حول محيط الاستاد لا نستطيع الدخول بسبب الزحام وتكدس الجماهير المصرية.

والسلطات المصرية لم تتدخل ولم تساعد حافلة كوت ديفوار ويبدو أنهم حاولوا مساعدة المنتخب بهذه الطريقة.

وهكذا وصلنا إلى الملعب متأخرين عصبيين ومنزعجين، وأثر ذلك سلبا على استعداد الفريق للمباراة.

وأثناء المباراة شعرت بالإعياء. كنت أفتقد للطاقة تماما وبدأت أشعر بأنني أعيش ظروفا صعبة.

وحين وصلنا إلى ركلات الترجيح أهدرت الكرة :(

في المعتاد لا أهدر ضربات الجزاء لكن هذه الأمور تحدث. وقد حدثت لي ولأرونا كونيه لنخسر اللقب وقد كانت خسارة محبطة جدا.

أما الإحباط الأكبر فقد جاء في كأس العالم 2006.

فبرغم قوة منتخبنا لكن الحظ لم يكن حليفنا إذ وقعنا في مجموعة واحدة مع الأرجنتين وهولندا وصربيا.

نعم خرجت ببعض الأيام الجميلة في ألمانيا إذ سجلت أول هدف لكوت ديفوار في تاريخ كأس العالم وهززت شباك الأرجنتين بقوتها وتاريخها ونجومها التاريخيين ومنهم عشق الطفولة دييجو مارادونا.

لكن في المقابل ودعنا البطولة مبكرا كما حدث بعض الشقاق داخل الفريق وأعترف هنا أني أخطأت في بعض الأشياء وهذه أمور طبيعية عموما في الحياة.

فمن منا لم يخطئ؟ أظن لا أحد.

على المسرح مع أمي

والآن ننتقل إلى واحدة من أجمل لحظات حياتي حين هبطت طائرة تقلني أنا ومايكل إيسيين في مطار أكرا عام 2007.

ففي هذا اليوم يختارون أفضل لاعب في إفريقيا لعام 2006 واللحظة التي أحدثكم عنها هي حين كنت أقف في غرفة الفندق أضحك مع والدتي التي جاءت خصيصا ومعها الرداء الذي سأرتديه في الحفل.

سأرتدي الزي الوطني الإيفواري بألوانه الزاهية ولأدعو ربي أن أكون الفائز في النهاية لأحتفل مع والدتي الليلة.

وهكذا تجدوني أقف منتظرا لحظة الإعلان عن أفضل لاعب ومعي إيسيين وصامويل إيتو وأنا حقيقة لا أعلم من سيفوز حتى قال مقدم الحفل: "أفضل لاعب في إفريقيا لعام 2006 هو ديدييه دروجبا".

وياللفخر. أصبحت أول إيفواري يفوز بتلك الجائزة وقلت لنفسي ها أنت ذا في مرتبة واحدة مع أساطير مثل جورج ويا :)

وحين انتهى الحفل سمعت أخبارا رائعة إضافية: تم اتفاق مبدئي بين المعارضين والنظام الحاكم في كوت ديفوار.

الأمل كلمة جميلة مناسبة لوصف هذا الخبر.

ولهذا اتصلت برئيس الاتحاد الإيفواري لكرة القدم وقلت له: "هل تمانع أن أحتفل بجائزة أفضل لاعب إفريقي في بواكي المدينة التي تحتضن المعارضين؟".

قال لي يمكنك أن تطلب ذلك من رئيس البلاد حين تقابله احتفالا بالجائزة :)

وتمت الموافقة على اقتراحي. وعلى متن سيارة مكشوفة ذهبت إلى هناك ومعي الجائزة وسط حشود لا تصدق من المواطنين.

الكل يبتسم ويمنحني سببا أكبر للسعادة.

مانديلا

واستمرت الرحلة حتى وصلت إلى 2010 وقد فزت بلقب هداف الدوري الإنجليزي مرتين، فزت بثنائية الدوري والكأس مع تشيلسي لأول مرة وتم اختياري أفضل لاعب في إفريقيا للمرة الثانية.

وجدت صورتي على مجلة Vanity Fair وقالوا لي إن الإفريقي الوحيد الذي سبقني لهذا الشرف كان نيلسون مانديلا شخصيا.

هكذا كل شيء يسير بشكل رائع وأنتظر كأس العالم 2010 بفارغ الصبر. أول مونديال يقام في إفريقيا وياللفخر.

لكن اللحظات الجميلة تختلط دوما بأيام صعبة وقد عشت فترة عصيبة حين خضت مباراة ودية ضد اليابان قبل 11 يوما من انطلاق المونديال.

وكنت أشعر بأن المباراة لن تمر بسهولة من البداية لأن لاعبي اليابان كانوا يلعبون بكل قوة لدرجة لا تجعلك تشعر بأننا في لقاء ودي.

وفجأة، "كراش".

شعرت بأن أحد لاعبي اليابان اخترق جسدي وهو يسقط فوقي، ولم أدر إلا وأنا ملقى على الأرض أصرخ من شدة الألم في ذراعي.

بدأت أبكي بالدموع. تبدو الإصابة قوية ولا أتخيل لحظة أن أسمع خبر غيابي عن كأس العالم، عن مونديال إفريقيا بالذات.

لم أعرف كيف أتصرف. كان معسكر كوت ديفوار يقام في سويسرا وبدأت البحث عن طبيب ينقذني هناك.

ومع انتشار الأخبار بعد المباراة عن إصابتي أرسل لي القدر الحل عن طريق واحد من اللاعبين الذين أحبهم جدا على المستوى الشخصي وهو صامويل إيتو.

فوجئت بمكالمة من إيتو يطمئن علي. قلت له باكيا يبدو أني لن ألحق بكأس العالم.

طلب مني إيتو الهدوء، وأرسل لي عنوان طبيب متخصص في تلك المشاكل يعيش في سويسرا وقال لي "اهدأ سنجد حلا".

وبعد الفحوصات قال لي الطبيب: "لا تقلق إصابتك ليست خطيرة. تحتاج فقط إلى شهرين وبعدها يمكنك العودة إلى الملاعب.

شهرين؟!! هكذا هتفت.

قلت للطبيب: "هل ترى هذا التاريخ؟ إنه تاريخ انطلاق كأس العالم. أمامي 11 يوما فقط على أول مباراة ألعبها مع كوت ديفوار في المونديال".

هز الطبيب رأسه ولم يرد. فقلت له: "أرجوك دكتور. ألا يوجد أي حل يجعلني ألعب حتى ولو بـ50% من الجاهزية؟".

فكر الطبيب قليلا ثم قال لي: "اسمع. يمكننا تركيب شريحة معدنية ومعالجة الإصابة بشكل مختلف".

ثم استدرك "لكن لو تعرضت لأي اصطدام أو عنف أو تجددت الإصابة لأي سبب ستغيب لمدة طويلة، أطول بكثير من شهرين أو ثلاثة".

وأضاف الطبيب "إنها مخاطرة كبيرة. لكنك صاحب القرار".

قرار؟ بالطبع سأجازف بأي شيء المهم أن ألعب المونديال.

وما زاد إصراري على خوض تلك المغامرة مكالمة هاتفية من نيلسون مانديلا شخصيااااا يخبرني فيها بأنه سيكون فخورا باستقبالي في جنوب إفريقيا.

وبدأت رحلة العلاج، ومن المضحك أن تلك الشريحة كانت تتسبب في جعل جهاز كشف المعادن في كل المطارات ينطلق :)

تدريبات ضغط

وقبل المباراة الأولى لكوت ديفوار بـ24 ساعة حاولت اختبار ذراعي ببعض تدريبات الضغط على الأرض.

وطبعا حين شاهدني الجهاز الطبي للمنتخب ألعب تدريبات الضغط على ذراعي اتهموني بالجنون: "توقف دروجبا. هل أنت مجنون؟". هكذا قالوا لي.

لكني كنت سعيدا للغاية وهتفت فيه: "دكتور انظر. لا أشعر بالألم. أظن أني جاهز للمونديال".

حمدا لله.

لكن المدير الفني أصر على ألا أبدأ المباراة الأولى أساسيا وهكذا شاركت كبديل ضد البرتغال. وللأسف تعادلنا 0-0 وللأسف أهدرت فرصة خطيرة لأني كنت خائفا من تفاقم الإصابة وأخذ هذا الكثير من تفكيري.

وللأسف أكثر وأكثر خسرنا المباراة الثانية ضد البرازيل بنتيجة 3-0 وهكذا ودعنا المونديال رغم الفوز في المباراة الثالثة ضد كوريا الشمالية.

كانت مشاركة ثانية غير ناجحة، لكني ورغم كل شيء كنت فخورا بوجود اسمي وبلادي في المونديال الأول للقارة السمراء.

يمكنكم على أي حال النظر إلى الألقاب في رحلتي مع كوت ديفوار كعنصر مفقود للرحلة، لكني ورغم ذلك كنت فخورا بأشياء كثيرة تحققت.

أشعر بالفخر لأننا تأهلنا بعد ذلك إلى كأس العالم 2014. في المونديال 3 مرات متتالية، أشعر بالفخر لأننا قاتلنا وجلبنا السعادة لوطني في وقت صعب من عمر البلاد.

في رحلتي مع الأفيال تعلمت الكثير وأظن أننا أثرنا بالإيجاب في مشاعر وطننا. جعلنا الجميع يدرك أن التوحد خلف هدف يجعلك تحققه وأتمنى أن الحياة التي أصبحت مستقرة في البلاد ستجعلنا مستقبلا نكمل الصورة الجميلة لكوت ديفوار.

اختياراتي

حسنا بعد نهاية استعراض الرحلة كاملة. سأقول لكم بعض الاختيارات التي أحبها.

أفضل 5 شخصيات عشت معها في تشيلسي:

1) رومان أبراموفيتش. من دونك لم أكن لأصبح ما أنا عليه الآن.

2) جوزيه. ربما هو الشخص الذي اختارني في تشيلسي ولما تغيرت حياتي لولا وجودك.

3) جون تيري وفرانك لامبارد وبتر تشك. أنتم الثلاثة وأنا رابعكم كنا بمثابة قائد واحد للبلوز.

4) كلود ماكليلي. صديقي الرائع الذي جعلني أعيش كواحد من أهل تشيلسي فور وصولي.

5) الجمهور. أنتم كل شيء.

أفضل 5 شخصيات خارج تشيلسي:

1) كارليس بويول. أنت مدافع صلد جدا وشخص محترم للغاية.

2) أرونا دنداني. منحتني الكثير من الكرات لدرجة تجعلني عاجزا عن الشكر لك.

3) ليونيل ميسي. لأنه لا يوجد سوى لاعب واحد مثلك في هذا العالم.

4) ريو فرديناند ونمنيا فيديتش. أنتما شخص واحد في نظري. حتى أسجل هدفا فيكما كنت أحتاج للاستيقاظ مبكرا لأستعد بشكل جيد جدا لأنكما كنتما تشكلان التحدي الأصعب في حياتي.

5) كل قائمة بايرن ميونيخ في عام 2012. كنتم فريقا رائعا.

أهم 3 لحظات في حياتي مع تشيلسي (ومن الصعب جدا اختيار 3 فقط):

1) طبعا الفوز بدوري أبطال أوروبا في 2012.

2) الفوز بالدوري الإنجليزي في 2010.

3) كل الأهداف التي سجلتها في ويمبلي.

كيف تحمي نفسك من فيروس كورونا.. اضغطهــــــــــنـــــــــــــــا

لمعرفة كل المصابين بفيروس كورونا من عالم كرة القدم وتطور حالاتهم، اضغطهــــــــــنـــــــــــا

لمتابعة تأثير فيروس كورونا على الأحداث الرياضية المحلية والعالميةاضغط هنا

اقرأ أيضا:

هل يفكر الإسماعيلي في ضم إكرامي

مصير الدوري الإنجليزي

نجوم 1934 - حسن رجب الذي عوقب لتوقيعه للزمالك

مصطفى محمد يختار فريقه الخماسي الناري

الأخطبوط أليسون

التعليقات