جيانلويجي بوفون.. رسالة إلى صِباي

عزيزي جيانلويجي ابن السابعة عشر.

كتب : زكي السعيد

الجمعة، 18 أكتوبر 2019 - 19:40
جيانوليجي بوفون

صحيح أنه فاز بكأس العالم، وخلّد اسمه كأحد أعظم حراس المرمى في التاريخ، وصنع ثروة هائلة، وحقق نجاحات قياسية، لكن الاكتئاب يمكنه أن يدق أي باب.. باب جيانلويجي بوفون نفسه.

حارس المرمى الأسطوري لـ يوفنتوس وإيطاليا يخاطب نسخته الشابة ويفصح له عن مفاجآت ستصيبه في حياته مستقبلًا، بعضها سعيد، وكثير منها حزين ولا يمكن توقعه.

بوفون يفتح قلبه ويسترجع كواليس اليوم الذي قرر فيه أن يكون حارس مرمى بسبب اللقطة السحرية لـ توماس نكونو، ويكشف كيف ساهم الفنان الروسي مارك شاجال في إنقاذ حياته، وجهله الذي جعله عنصريًا دون أن يدري.

كل الكلمات التالية على لسان بوفون عبر موقع The Players Tribune.

.....................................

عزيزي جيانلويجي ابن السابعة عشر.

أكتب هذا الخطاب لك الليلة وأنا رجل يبلغ 41 عاما وقد اختبرت الكثير، عشت أمورا عديدة في الحياة، وارتكبت أخطاءً عِدة.

لدي بعض الأنباء السارة لك، وأخرى سيئة. الحقيقة أنني هنا لأحدّثك عن روحك.

نعم، روحك. لديك روح، صدِّق ذلك أو لا.

دعنا نبدأ بالأنباء السيئة. أنت في السابعة عشر من عمرك، وعلى وشك أن تصير لاعب كرة قدم حقيقي، تماما كما في أحلامك.

تعتقد أنك تعرف كل شيء، لكن الحقيقة يا صديقي أنك لا تعرف شيئا البتة.

في ظرف عدة أيام، ستنال فرصة اللعب كأساسي لأول مرة في الدوري الإيطالي الممتاز رفقة بارما، وأنت لست مدركا كفاية حتى تشعر بالخوف.

من المفترض أن تكون ملازما فراشك، تشرب اللبن الدافئ، ولكن ماذا ستفعل؟ ستذهب إلى ملهى ليلي رفقة أصدقائك الصالحين.

ستشرب كأسا واحدة من البيرة، أليس كذلك؟

لكنك ستبالغ بعدها قليلا، فأنت متقمص شخصية الرجل القوي في الأفلام، هكذا تتعامل عادة مع الضغط الذي لا تعرف من الأساس أنك تشعره.

قريبا، ستكون خارج الملهى تتجادل مع بعض رجال الشرطة في الواحدة صباحا.

اذهب فقط إلى المنزل، اذهب إلى فراشك!

وأرجوك، أتوسَل إليك، لا تتبول على إطارات سيارة الشرطة، لأن الشرطيين لن يجدوا الأمر ظريفًا، وناديك لن يجد الأمر ظريفًا، ستخاطر بخسارة كل ما عملت لأجله.

هذا هو نوع الفوضى الذي تجلبه على نفسك، دون داعٍ. هناك حريق في داخلك سيدفعك إلى ارتكاب الأخطاء.

بالطبع، تعتقد أنك تُظهر لرفاقك مدى قوتك وتحررك، لكن في الواقع، هذا قناع تضعه.

في ظرف عدة أيام، ستلقى 3 هبات سامة جدا جدا، وكذلك خطرة للغاية.

المال، والشهرة، ووظيفة أحلامك.

الآن، أنت تفكر بالطبع، ماذا قد يكون خطيرا في ذلك؟

حسنا، هذه هي المفارقة.

على جانب، فصحيح أن حارس المرمى يحتاج إلى الثقة، يحتاج أن يتجرَد من الخوف. فلو خيّرت مدربا بين حارس المرمى الأعلى إمكانيات في العالم، وحارس المرمى الأقل خوفا في العالم، فأضمن لك أنه سيختار الوغد الأقل خوفا كل مرة.

وعلى الجانب الآخر، فشخص لا يخشى أي شيء يمكنه أن ينسى بسهولة أنه يمتلك عقلا.

إن عشت حياتك بطريقة عدمية، تفكر فقط في كرة القدم، فروحك ستبدأ في الذبول.

تدريجيا ستصير مكتئبا لدرجة لن تكون راغبا في مغادرة فراشك.

يمكنك أن تضحك لو تريد، لكن هذا سيحدث لك. سيحدث في قمة مسيرتك عندما تمتلك كل شيء يمكن أن يرغبه الشخص في الحياة.

ستكون في السادسة والعشرين من عمرك، ستكون حارس مرمى يوفنتوس ومنتخب إيطاليا، ستمتلك الأموال والاحترام، بل أن الناس سيدعونك "سوبرمان".

لكنك لست بطلا خارقا، أنت مجرد رجل كأي شخص آخر. والحقيقة أن ضغط هذه المهنة قادر على تحويلك إلى إنسان آلي.

الروتين قد يتحوَل إلى سجن. تذهب إلى التدريب، ثم تعود إلى المنزل وتشاهد التلفاز، ثم تذهب إلى الفراش.

تفعل الأمر عينه في اليوم التالي. تفوز، أو تخسر، والأمر يتكرر ويتكرر.

وفي صباح ما، عندما تحاول مغادرة فراشك للذهاب إلى التدريب، ستبدأ ساقك في الارتجاف لا إراديًا. ستكون ضعيفا للغاية؛ ولن تكون قادرا على قيادة سيارتك.

في البداية، ستعتقد أنه مجرد إجهاد، أو فيروس. ولكن بعدها سيزداد الأمر سوءا، وكل ما سترغب في فعله هو النوم.

في التدريب، كل تصدٍ سيكون بمثابة جهدا عملاقا. لمدة 7 أشهر، ستواجه وقتا صعبا في البحث عن البهجة بهذه الحياة.

وعند هذه اللحظة، علينا أن نتوقّف.

لأني أعرف شعورك عند قراءة هذه الكلمات في السابعة عشر.

أنت تقول: "كيف يمكن هذا؟ أنا شخص سعيد. وُلدت قائدًا. لو كنت سأصير قائدا لـ يوفنتوس وأجني الملايين، فلا بد أنني سأكون سعيدا. من المستحيل أن أكتئب".

حسنا، عليَ أن أسألك سؤالا مهما: لماذا قررت تكريس حياتك لكرة القدم يا جيجي؟ هل تذكُر؟

وأرجوك، لا تقل فقط لأجل توماس نكونو. عليك أن تتعمق أكثر من ذلك. عليك أن تتذكر كل التفاصيل.

كنت في الثانية عشر، صحيح.

كأس العالم 1990 أقيمت في إيطاليا، صحيح.

المباراة الأولى كانت بين الأرجنتين والكاميرون في سان سيرو، صحيح.

ولكن أين كنت خلال المباراة الأولى؟ أغلِق عينيك، كنت في غرفتك وحيدا تماما.

لماذا لم تكن بصحبة أصدقائك كما هي عادتك؟ لا تستطيع التذكر. جدتك كانت في المطبخ تعد الغداء، وكان يوما حارا لدرجة أنها أغلقت كل النوافذ بحثا عن بعض الانتعاش. كانت الغرفة مظلمة تماما، باستثناء الضوء الصادر من التلفاز.

ماذا ترى؟

ترى هذا الاسم الغريب: الكاميرون.

لا تعرف أين تقع الكاميرون، لم تعرف بوجود هذا المكان من الأساس قبل تلك اللحظة.

بالطبع تعرف الأرجنتين ومارادونا، ولكن هناك شيء سحري في لاعبي الكاميرون، فالمناخ حار للغاية تحت شمس الصيف الحارقة، ورغم ذلك، حارس مرماهم يرتدي زيًا شتويًا كاملَا.

سروال أسود طويل، قميص أخضر بأكمام، ياقة زهرية. الطريقة التي يتحرك بها، الطريقة التي يقف بها، الشارب المذهل... لقد أسر قلبك بشكل لا يمكن تفسيره.

إنه أكثر رجل مثير للاهتمام رأيته على الإطلاق، والمعلِق يقول إن اسمه توماس نكونو.

بعدها، وقع السحر.

ركلة ركنية للأرجنتين، وتوماس يخرج من مرماه بين الحشود ويضرب الكرة بقبضته مُرسلا إياها 30 ياردة في الهواء. تلك كانت اللحظة التي عرفت فيها ما تريد فعله في حياتك.

أنت لا تريد أن تكون مجرد حارس مرمى.

أنت تريد أن تصير هذا النوع من حراس المرمى.

تريد أن تكون جامحا، وشجاعا، ومتحررا.

دقيقة تلو الأخرى أثناء مشاهدتك المباراة، تتحوَل إلى ما أنت عليه اليوم، حياتك تُكتَب. الكاميرون تسجل، وأنت بِت متوترا للغاية من أجلهم، تريدهم أن يصمدوا، لدرجة أنك لم تعد تحتمل الأمر جسديا أكثر من ذلك.

تقفز عن الأريكة، وتقضي الشوط الثاني بأكمله ركضا حول التلفاز. وعندما تتعرض الكاميرون لبطاقة حمراء ثانية، عندها لا تكون قادرا حتى على الاستماع.

في الدقائق الخمس الأخيرة، تنحني خلف التلفاز بعد أن كتمت صوت التلفاز تماما.

تسترق نظرة خاطفة بين الفينة والأخرى لترى ما يحدث، وبعدها تتراجع.

أخيرا، تنظر ببطء نحو التلفاز وتجد لاعبي الكاميرون يحتفلون. تركض مباشرة نحو الشارع، وطفلان آخران من نفس الحي يفعلان الأمر نفسه، الجميع يصرخ: "هل رأيتم الكاميرون؟ هل رأيتم الكاميرون؟".

في ذاك اليوم، وُلدت النار في داخلك. الكاميرون مكان موجود. وتوماس نكونو شخص موجود. وأنت ستُري العالم أن بوفون موجود.

لهذا صرت لاعب كرة قدم، ليس بحثا عن المال أو الشهرة، ولكن بسبب فنيات وأسلوب هذا الرجل، توماس نكونو، بسبب روحه.

لا بد لك أن تتذكر ذلك: المال والشهرة ليسا الغاية. فلو لم تعتن بروحك، لو لم تبحث عن الإلهام في أمور خارج كرة القدم، فإنك ستتدهور.

لو استطعت أن أعطيك نصيحة واحدة، فسأقول لك عليك أن تكون فضوليا بشأن العالم من حولك بينما لا تزال شابا. ستنقذ نفسك، وخصوصا عائلتك، من حزن بالغ.

كونك حارس مرمى، فهذا يعني أنك شجاع، هذا صحيح.

ولكن أن تكون شجاعا لا يعني أن تكوني جاهلا يا جيجي.

وفي أعماق اكتئابك، سيحدث أمر غريب وجميل. في صباح ما، ستقرر كسر الروتين وستذهب إلى مطعم مختلف في تورينو لتناول الإفطار. ولذا ستقطع طريقا جديدة عبر المدينة، وستمر عبر متحف للفنون.

الملصق في الخارج مكتوب عليه شاجال.

قلت لنفسي: لقد سمعت هذا الاسم من قبلك، ولكنك لا تعرف شيئا عن الفن.

لديك أمور تقوم بها. عليك أن تُكمل طريقك.

أنت بوفون. ولكن من هو بوفون؟ من أنت حقا؟ أتعرف؟

هذا الجزء هو الأهم على الإطلاق في هذه الرسالة، لأنك يجب أن تدخل هذا المتحف، في ذاك اليوم تحديدًا. سيكون القرار الأهم في حياتك.

إن لم تدخل هذا المتحف، فستواصل حياتك كلاعب كرة قدم، كـ "سوبرمان"، وعندها ستحبس كل مشاعرك في السرداب، وروحك ستتلف.

ولكن إن دخلت المتحف، فسترى مئات اللوحات لـ شاجال. أغلبها لن يثيرك. بعضها جيد، بعضها مثير للاهتمام، وبعضها لن يلمسك إطلاقا.

لكن بعدها، سترى لوحة واحدة ستصعقك كالبرق.

إنها تُدعى التمشية.

هي أقرب لرسمة طفولية. رجل وامرأة في حديقة يتنزهان، ولكن كل شيء سحري. المرأة تطير في الهواء نحو السماء كالملاك، والرجل يقف على الأرض ممسكا يدها والابتسامة على وجهه.

اللوحة تبدو وكأنها حلم أحد الأطفال.

هذه اللوحة تنقل شيئا من عالم آخر، مشاعر الطفولة تصيبك عند رؤيتها، مشاعر السعادة المجردة.

إنها مشاعرك عندما رأيت توماس نكونو يضرب الكرة 30 ياردة في الهواء.

مشاعرك عندما نادتك جدتك من المطبخ.

مشاعرك عندما تجلس خلف التلفاز في الظلام، وتصلي.

كلما تقدّمنا في العمر، يكون أسهل علينا نسيان هذه المشاعر.

ولذا عليك العودة إلى المتحف في اليوم التالي، هذا أمر جوهري.

السيدة الجالسة في شباك التذاكر ستنظر إليك بشكل مضحك، ستقول: "ألم تكن هنا يوم أمس؟".

هذا لا يهم، ادخل المتحف، فهذا الفن سيكون أفضل مداواة لك. عندما يتفتح عقلك، فستتخلص من العبء الداخلي الذي تملكك، تماما كالسيدة المحلقة في الهواء في لوحة شاجال.

وهناك مفارقة لا تُصدَق في هذه اللحظة، فأحيانا أشعر أن هذه الحياة مُقدَرة لنا، لأن العديد من الأمور غير المتوقعة والجميلة ستحدث لنا وسيبدو أنها متصلة، وهذه إحداها.

لأنك عندما ستكون لاعبا في بارما، فستفعل شيئا نابعا من جهلك، شيء سيلتصق بك.

قبل إحدى المباريات الكبيرة، سترغب في عمل لافتة تُظهرك قائدا في نظر زملائك والجماهير، وأنك شجاعا، وأنك صاحب شخصية قوية.

ولذا ستكتب رسالة على قميصك رأيتها ذات مرة منحوتة على مكتبك في المدرسة.

ستكتب: "الموت للجبناء".

تعتقد أنها مجرد عبارة تحفيزية، ولا تدري أنه شعار للجماعات الفاشية اليمينية؟

إنها واحدة من الأخطاء التي ستُسبَب الكثير من الألم لعائلتك، لكنها أخطاء مهمة لأنها تُذكّرك أنك بشَر.

ستذكّرك مرارا وتكرارا أنك لا تعرف شيئا البتة يا صديقي. هذا مفيد، لأن كرة القدم ستقوم بعمل بارز في محاولة إقناعك أنك شخص مميز.

لكن تذكّر، أنت لست مختلفا عن النادل أو الكهربائي.

هذا ما سينتزعك من اكتئابك، ليس تذكير نفسك أنك مميز، وإنما تذكير نفسك أنك مثل الجميع.

بالطبع لن تكون قادرا على فهم ذلك الآن في السابعة عشر، لكن صدقني، الشجاعة الحقيقية هي إظهار ضعفك دون أن تشعر بالخزي.

أنت تستحق هبة الحياة يا جيجي، تماما كأي شخص آخر، تذكّر ذلك.

الأمور متصلة بطريقة يصعب عليك أيها الشاب الساذج أن تراها الآن. أسفي الوحيد أنك لم تنفتح على العالم أبكر.

ربما هذا ما أنت عليه، في الواحدة والأربعين لا تزال تشعر بهذا الاحتراق في داخلك، لم تكتف بعد، أنا آسف لإخبارك بذلك.

حتى الإمساك بكأس العالم بين ذراعيك لن يهدّئ من هذا الشعور، وإلى أن تُنهي حصة تدريبية كاملة دون استقبال أهداف فإنك لن تكون راضيا.

صحيح، لربما كنت كذلك دائما.

هل تذكر أول شتاء ذهبت فيه لزيارة عمك القاتن في جبال أوديني؟ أم أنها ذكرى لا يقدر سوى الرجل الكبير على استرجاعها؟

بلغت 4 أعوام وقتها، وقد تساقطت الثلوج طوال الليل، ولم تكن رأيت ثلوجا قط، استيقظت ونظرت عبر النافذة وقد راودك حلما، فهذا البلد بأكمله تحوّل إلى اللون الأبيض.

ركضت إلى الخارج مرتديا بيجامتك، ولم تفهم ماهية الفوز من الأساس، لكنك لم تكن مترددا، نظرت إلى التل الثلجي الأبيض، وماذا فعلت؟ هل فكرت؟ هل تساءلت؟ هل أقفلت عائدا أدراجك لارتداء المعطف؟

لا، بل قفزت متجردا من الخوف.

جدتك كانت تصرخ: "جيانلويجي!!!!!!! لا! لا! لا!".

كنت تتمرغ وملابسك رطبة، وابتسامة عريضة على وجهك.

انتهى بك الحال مع حُمى لازمتك طوال الأسبوع، ولكنك لم تعبأ البتة.

لم تتردد، قفزت فورا نحو الثلج، وهذا أنت، أنت بوفون، ستُري العالم أنك موجود.

اقرأ أيضا:

قائمة الزمالك لمواجهة المقاولون العرب

بودكاست في الجول - حكايات (2).. أعظم خدعة في تاريخ الرياضة

جدل تحكيمي في مباراة الاتحاد ووادي دجلة

أزمة كبيرة في النجم الساحلي

كلوب يتحدث عن موقف صلاح من المشاركة أمام يونايتد