جاري سبيد.. والخلود إلى النوم دون استيقاظ

الجمعة، 11 أكتوبر 2019 - 20:58

كتب : زكي السعيد

جاري سبيد

في حفل عيد مولدها الثالث عشر وقعت لويز في حب جاري، وبعد 30 عاما، ستضطر إلى إنزال جسده المشنوق المتدلي.

قد يترك المُنتحِر رسالة لأحبائه لعدة أسباب، منها تخفيف آلامهم، أو حتى زيادتها عبر إشعارهم بالذنب.

قد يترك المُنتحِر رسالة ليوضح سبب فعلته، أو لكشف بعض المشاعر التي حُرم من التعبير عنها في حياته، أو للإفصاح عن ذنب فادح ارتكبه ودفعه لإنهاء حياته.

أما جاري سبيد، فلم يمتلك أيا من الأسباب السابقة أو غيرها، سبيد أنهى حياته دون أن يخبر أي شخص بالسبب، وبعد 8 سنوات من رحيله، لا يزال انتحار جاري سبيد لغزا يخنق أفراد عائلته يوميا.

تقول لويز سبيد، أرملة جاري، وأم طفليه، وزوجته لـ15 عاما حتى انتحاره في 27 نوفمبر 2011، والتي اكتشفت الحادثة بنفسها:

"لا يمر يوم دون أن تحبس هذه الذكرى أنفاسي، إنها مشهد من فيلم رعب".

"أتمنى أن يبتكروا عملية جراحية قادرة على استخراج هذه الذكرى من رأسي وطمسها".

"إنه أمر سأواجه صعوبة في مسامحة جاري عليه. نحن من توجب علينا جمع الأشلاء، ما فعله كان شنيعا".

"عندما وصل المسعفون، كنت واقفة في المرأب أرتعش كالطفل الصغير، لا أعرف ماذا يجب أن أفعل".

"اضطررت إلى إبلاغ أبي وأمي، وأبيه وأمه، أبلغتهم بالأمر هاتفيا بشكل مباشر، وكان من المفزع سماع صرخات الهلع في الهاتف".

"استلقيت على الأريكة بقية اليوم، كان الناس يأتون ويغادرون، ولا أحد منهم عرف ما يمكن قوله أو فعله في ظرف مماثل".

"الكل يسأل لماذا فعل ذلك، لكني لا أمتلك أي إجابات، ولهذا لن أستطيع تجاوز الأمر أبدا".

"لو امتلكت فرصة الحديث إليه مرة إضافية، فأول ما سأخبره به: ماذا تعتقد أنك حققت الآن؟ وهل يمكنك أن تفسر ما حدث لي وللفتيين ولوالديك؟ أنا واثقة أنه لن يمتلك إجابات حينها، سيقول إنه كان مريضا".

"لكن لعله لم يلحظ أنه كان مريضا. وقتها، كيف لنا نحن أن نلاحظ مرضه أو نعرف بوجوده؟؟".

قبل أن يُبكيها بسنوات.. جعلها تضحك

لم تكن علاقة لويز بزوجها جاري محاطة بهذا القدر من الكآبة دوما بالطبع، خصوصا عندما فرض نفسه على حفل عيد مولدها الثالث عشر.

تقول لويز إن أغلب فتيات مدرسة هاواردن في مدينة فلينتشاير الويلزية، كن منجذبات إلى زميلها جاري، لكن هذا لم ينطبق عليها على حد وصفها.. حتى قرر أن يتحرك بنفسه.

أقامت لويز حفل عيد مولدها الثالث عشر في منزلها، وتعجبت عندما شاهدت جاري قادما، لأنه لم يكن مدعيا من الأساس.

جاري قرر الحضور رفقة الفتية الذين تلقوا الدعاوى، وخلال الحفل تحدث إليها لأول مرة.

تسترجع لويز: "انجذبت إلى حِس دعابته، جعلني أضحك".

اقرأ: ضحايا الحياة – القديس كاستيليو

جاري سبيد

ما بين نجاحه في إيقاع لويز في شباكه، وإكراهها على رؤية المشهد الأبشع على الإطلاق، ترك جاري سبيد إرثا أسطوريا في كرة القدم الإنجليزية.

يقول جوزيف برينان في مطلع قطعته الخلابة عن جاري سبيد عبر موقع These Football Times (وقد آثرت ترجمتها نصًا وليس بتصرف):

"في بداية الثمانينات، اعتاد كيفن راتكليف مغادرة منزله مبكرا في فلينتشاير، حتى يصل تدريب ناديه إيفرتون في الوقت المناسب.

وفي أغلب الأيام، اضطر كيفن إلى شراء الجرائد بنفسه في طريق عودته من ليفربول، لأن الفتى المنوط بتوزيع الجرائد في حيه يصل متأخرا عادةً.

المراهق جاري سبيد لم يعط أبدا إجابة لسبب تأخره في إيصال الجرائد إلى منزل قائد إيفرتون، وعلى الأرجح لم يعط تفسيرا أبدا لمُدرّسيه عند ظهوره بشكل متكرر بعد أن يرن جرس الحصة الأولى.

ربما الأبوفينيا (القدرة البشرية الغريبة على إيجاد روابط بين أمور لا صلة بينها) تظهر هنا، لأن تأخُر سبيد الدائم في دخول منطقة الجزاء على ملعب كرة القدم قبل أن يقفز ويقابل الكرة برأسه، حوّله من موزّع جرائد فاشل إلى لاعب كرة قدم لن ينساه الزمان."

صحيح، سبيد لم يترك أبدا تفسيرا لتأخره في إيصال الجرائد إلى منزل بطل طفولته الذي كان سببا مباشرا في تشجعيه لنادي إيفرتون.

ولن يوضح أبدا سبب تأخره الدائم عن يومه الدراسي، تماما كما سيرحل عن هذا العالم دون أن يترك تلميحا واحدا عن سبب هذا القرار الذي حسمه بنفسه.

وكما أوضح برينان في مقاله، فإن التأخر لم يكن أزمة كبيرة لـ سبيد على ملعب كرة القدم.

عرضية من الجهة اليمنى، ولا يفهم أحد كيف تكرر ذلك عشرات المرات، لكن سبيد الذي كان متمركزا على الجهة اليسرى بعيدا جدا عن قلب منطقة الجزاء، يظهر من العدم ويرتقي متغلبا على مدافعين يفوقونه طولا بـ10 سنتيمترات، وينجح دوما في توجيه الكرة نحو المرمى بمهارة لا تتسق أبدا مع مركزه.

لم يفهم أي شخص متابع للكرة الإنجليزية في التسعينيات ومطلع الألفية، كيف لجناح أن يمتلك هذه القدرات الهوائية التي يتفوق فيها على أبرع المهاجمين.

كيف له أن يرتقي في الهواء مُجرّدًا من الجاذبية، يقضي بضع ثوانٍ في الأعلى، وكأن شيئا ما قد تدلى من السماء حتى ينتشل رأس سبيد ويبقيها في نقطة عالية دون أن تلامس قدماه الأرض.. وهدف!

سبيد المولود في مدينة فلينتشاير الويلزية عام 1969، كان أول لاعب يصل إلى 500 مباراة في تاريخ الدوري الإنجليزي، وكان الرجل الذي حمل قميص بلاده ويلز 85 مرة طوال 14 عاما.

صحيح أنه لم يلعب أبدا في أحد أندية القمة الإنجليزية، لكنه ركن أساسي تقوم عليه هذه المسابقة التي حفر سبيد اسمه في جنباتها.

على أي حال، لم يحتج سبيد إلى التدرب تحت إمرة أليكس فيرجسون يونايتد أو أرسين فينجر أرسنال أو كيني دالجليش ليفربول حتى يحقق إنجازا تاريخيا كمعانقة لقب الدوري الإنجليزي.

بل فعل ذلك بكل بساطة بقميص ليدز يونايتد موسم 1991\1992 الأخير للدوري الإنجليزي في شكله القديم قبل الانتقال إلى حقبة الـ Premier League.

يقولون إنه لعب في 9 من أصل 11 مركزا في لعبة كرة القدم، الأعسر الويلزي احتل كل أنحاء الملعب، دافع عندما اقتدت الضرورة، وهاجم عندما عجز زملاؤه، حتى أنه سجل في 18 موسما متتاليا من القسم الأول الإنجليزي.

كان النجم الأول لـ ليدز يونايتد في التتويج التاريخي الثالث –والأخير- بلقب الدوري 1992، هذا النادي الذي شد الرحال إليه في عمر الخامسة عشر وابتعد عن بلدته بأكثر من 125 كيلومترا.

وبعد 12 عاما في قلعة ليدز يونايتد، حقق سبيد الحلم الذي طارده منذ الإدراك: اللعب لـ إيفرتون.

هذا النادي الذي سانده باستماتة في طفولته، خصوصا أنه امتلك جارا مميزا في نفس الحي يُدعى كيفن راتكليف لعب 461 مباراة بقميص إيفرتون (تذكرون الرجل الذي لم تصله جرائده).

في النادي الذي يعشقه، كان سبيد أكثر زملائه تسجيلا للأهداف في موسمه الأول، وبدأ الموسم الثاني كقائد للفريق، موسم لن يكمله أبدا، إذ سيرحل بشكل مفاجئ إلى نيوكاسل يونايتد في منتصفه.

صرّح سبيد حينها: "لا أستطيع الحديث علانية عن أسباب رحيلي، فهذا قد يدمّر الصورة الجيدة لنادي إيفرتون، وأنا غير مستعد لذلك".

مع سبيد بدأ كل شيء

"سبيدو لم يكن ويلزيًا فقط، بل أيقونة رياضية، ولكني لا أعتقد أننا في حاجة إلى مباراة كرة قدم حتى نتذكر سبيد، أنا أفكر فيه يوميًا، ليس فقط بسبب تواجدي هنا في هذه البطولة، لا أحتاج إلى كرة القدم الويلزية حتى تذكِّرني بصديقي.

دون شك، كان ممكنا أن يكون سبيد هو الشخص الجالس مكاني هنا".

هكذا تحدث كريس كولمان مدرب منتخب ويلز بعد الوصول التاريخي إلى نصف نهائي يورو 2016.

حدث هذا الإنجاز بعد 5 سنوات تقريبا من رحيل سبيد عن عالمنا، لكنه هو نفسه من وضع الأساس لهذا الإنجاز التاريخي.

بتولي سبيد تدريب منتخب ويلز في ديسمبر 2010، انحدر أفراد بلاد الغال إلى المركز رقم 117 في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، كان ذلك أسوأ مركز لـ ويلز على الإطلاق.

ليُحدِث سبيد ثورة سريعة في ظرف أشهر قليلة ويحقق عدة انتصارات مهمة في تصفيات يورو 2012.

بنهاية العام في شهر ديسمبر، حصلت ويلز على جائزة الاتحاد الدولي كأكثر منتخب تسلقا للتصنيف، إذ تقدّمت إلى المركز 45 بحصدها أعلى عدد من النقاط خلال العام 2011.

للأسف، لم يكن سبيد حاضرا وقتها ليتلقى نبأ هذه الجائزة، فقد انتحر قبلها بـ24 يوما.

اليوم الأخير لـ سبيد

في 23 نوفمبر، قبل وفاته بـ4 أيام، تلقت لويز رسائل نصية كئيبة من جاري.

الزوج طرح فكرة إنهاء حياته، لكنه استبعد ذلك سريعا في نفس الرسالة بسبب أطفاله، بل عالج كلماته وأخبر لويز أنه متحمس لمستقبلهما معا.

لويز لم تتوقف كثيرا عند هذه الرسائل بالطبع.. كان حريًا بها أن تفعل!

السبت 26 نوفمبر 2011، ستشرق آخر شمس على سماء سبيد الذي لن يرى ضوءا صباحيا آخر حتى وفاته في الساعات الأولى لليوم التالي.

المُفزع أن سبيد ظهر في التليفزيون قبل ساعات على انتحاره.

القائد الأسبق لمنتخب ويلز حل ضيفا على برنامج Fooball Focus الذي يُبَث عبر بي.بي.سي.

ظهر سبيد طبيعيا في تحليله لمباريات الدوري الإنجليزي ذاك السبت، وبعد أن فرغ، التقى بصديقه آلان شيرار الذي زامله لسنوات في نيوكاسل يونايتد.

شيرار اصطحب سبيد وتحركا صوب ملعب أولد ترافورد لمشاهدة مواجهة مانشستر يونايتد ونيوكاسل، مباراة انتهت بالتعادل 1-1 وستكون الأخيرة التي يشاهدها سبيد على الإطلاق.

في الخامسة مساءً، مع انتهاء المباراة، صافح سبيد صديقه شيرار للمرة الأخيرة، وتركه متجها إلى منزله في مدينة تشيشاير.

عند عودته لمنزله، تأنق جاري استعدادا لتناول العشاء في تجمع بمنزل أحد أصدقائه رفقة زوجته لويز.

الحفل كان مرحا للغاية، حتى أن سبيد انخرط في كثير من المزاح، ليقوم أصدقائه بإلقائه في المسبح وهو مرتديا ملابسه بالكامل.

مع انتهاء الأمسية، استقل جاري ولويز سيارة أجرة، أوصلتهما منزلهما في الواحدة صباحا.

يقول روبيرت بيتمان السائق في التحقيقات لاحقا: "الأمور كانت طبيعية عندما أوصلتهما إلى المنزل".

بمجرد دخولهما المنزل، نشب جدال بين جاري وزوجته، قالت عنه لويز لاحقا أنها لا تتذكر سببه من الأساس.

عندما بدأ جاري في الصراخ، قررت لويز مغادرة المنزل للترويح عن نفسها، أخبرته أنها ستقود سيارتها لبعض الوقت، فإذا به يقف حائلا بينها والباب، مخبرا إياها: "لن تبارحين المنزل".

كانت هذه المرة الأخيرة التي ترى لويز فيها زوجها حيا، لأنها ستصعد درجات السلم وتجلس لبضع دقائق في غرفتها، قبل أن تصمم على مغادرة المنزل وتهبط مجددا لقيادة سيارتها.

قادت لويز السيارة لفترة قصيرة، ثم أوقفتها وهاتفت جاري، لكنه لم يجبها، هاتفته مجددا دون نتيجة مختلفة.

مع عودتها إلى مدخل منزلها، اكتشفت لويز أنها نسيت المفاتيح وأنها محتجزة في الخارج، وحتى لا توقظ زوجها "النائم" أو طفليها، فإنها قررت المبيت في سيارتها.

مرت عدة ساعات حتى استيقظت لويز قبل السابعة صباحا بقليل، وهنا دفعها الفضول أو حدس لا يُعرف مصدره إلى التوجه نحو المرأب، نظرت من نافذته الزجاجية الخلفية، وما رأته في تلك اللحظة، كان جسد زوجها متدليا، رقبته معلقة في حبل، وأصابعه بالكاد تلامس السلم!

ليس من الصعب تخيُل ما قد تفعله زوجة شاهدت زوجها في هذا الوضع، تسقط مغشية عليها؟ تنهار عاجزة عن التصرف؟

أما لويز، فكانت أكثر شجاعة، صرخت أولا، ثم حاولت التصرف ثانيا.

هاتفت ابنها الأكبر إد حتى يستيقظ ويفتح لها باب المنزل، ركضت بحثا عن جهاز التحكم الخاص بفتح باب المرأب، دخلت إلى موقع الكارثة، وقطعت الحبل الكامن على رقبة جاري، قدّمت له الإسعافات الأولية، لكن الأوان قد فات.

هاتفت الإسعاف والشرطة، وصارت أرملة.

عندما وصل المسعفون بعد 8 دقائق، كانت لويز ترتعش وتنظر إلى جسد زوجها، صرخت عليهم في كمد ورعب ويأس حتى يحاولون إنقاذه، لكنها عرفت جيدا أن جاري قد فارق الحياة بالفعل.

اضطرت لويز في هذا الصباح المُظلم إلى رؤية زوجها مشنوقا، ولم تقدر حتى على حماية ابنها إدوارد من رؤية هذا المشهد.

عندما عُثر على جاري، كانت ملابسه لا تزال رطبة، لم يبدّلها أبدا بعد مِزحة المسبح.

تقول كارول والدة جاري بعد سنوات:

"لن أعيش في سلام أبدا طالما جهلت السبب. لم نعرف أن جاري يعاني من أي خطب. لا يمكن أن نتعافى من شيء مماثل، أبدا، إنها أكبر صدمة يمكن لأي شخص اختبارها".

"الحياة لا تصير أسهل مع مرور الوقت أبدا. كان من الممكن التعايش مع الأمر لو توفي مثلا في حادث سيارة، أو لو كنا نعرف أنه مريض، لكننا لا نعرف أي شيء".

"في دقيقة كان معنا هنا، وفي الدقيقة التالية كان قد رحل عنا".

"لم أعد أشاهد كرة القدم، لا أستطيع التحمل، أتخيله يلعب أمامي، ولذا لا أستطيع المشاهدة.. لا أستطيع".

جاري سبيد كان محبوبا للغاية بين كل معارفه، الكثير من أصدقائه وصفوا في فترات لاحقة كيف استقبلوا النبأ، وقد حملت كلماتهم الكثير من الكمد.

أما تيري ماكديرموت، الذي ساهم في انضمام سبيد إلى نيوكاسل يونايتد، فتحدث عن وفاة جاري بنظرة مختلفة.

يقول ماكديرموت:

"في شهر مايو من كل عام، في نهاية الموسم، اعتدت السفر مع مجموعة أصدقاء تضم سبيدو إلى مكان يملكه آلان شيرار في البرتغال".

"كنا دائما نفس الأصدقاء الثمانية نذهب للعب الجولف تحت إشعاع شمس الشروق، فعلنا ذلك 7 أو 8 سنوات متتالية، ضحكنا كما لم نضحك أبدا".

"بعد أن رحل عنا سبيدو، لم نتفق أبدا على التوقف عن السفر إلى البرتغال، بل توقف الأمر وحده. أفتقد هذا الأسبوع من العام كثيرا، ولكني أفتقد سبيدو أكثر بحق الجحيم".

لماذا انتحر جاري سبيد

لماذا شَنَق جاري سبيد نفسه في الساعات الأولى من الأحد 27 نوفمبر 2011؟ هو قرر ألا يجيب.

بحثوا في هاتفه وحاسوبه وأغراضه الشخصية عن رسالة انتحار، لكنهم فشلوا في إيجاد أي تلميح.

بل أن سبيد كان قد بدأ التخطيط حتى لقضاء إجازة أعياد الميلاد في دبي.

باري هورن زميله السابق في منتخب ويلز، ومدرّب طفله تومي في المدرسة صرّح لاحقا: "رأيت جاري في اليوم السابق لوفاته، حضر إلى المدرسة لمشاهدة ابنه تومي يلعب كرة القدم".

"تحدثت إليه قليلا، وأخبرني بخططه المستقبلية ورغبته في إجراء تعديلات على جهازه الفني في منتخب ويلز".

حتى جداله مع زوجته لويز ليلة وفاته، لا يبدو أنه كان حدثا نادرا.

يروي آلان شيرار عن خلافات زوجية سابقة أفصح له عنها جاري قبل فترة من انتحاره:

"جاري أخبرني عن بعض المشاكل التي جمعته بزوجته لويز، قلت له إن هذا طبيعي في العلاقات الطويلة".

"سبيد رد: سأعطي علاقتنا فرصة أخرى".

"لويز بدت مسترخية حينها، وأنا شعرت أن علاقتهما تحسّنت".

لكن ماذا لو كان جاري مريضا نفسيا لفترة طويلة، فترة طويلة للغاية، ماذا لو كان مريضا طوال حياته ونجح بصرامة في إخفاء هذه الحقيقة عن الجميع؟

الصحفي جون ريتشاردسون كان مقربا من سبيد، علاقتهما كانت مختلفة، حتى قررا كتابة مذكرات النجم الويلزي.

قضيا ساعات عديدة سويا، عملا على مشروع مذكرات جاري سبيد، وبعد الانتهاء من عدة فصول، قرر جاري التخلي عن المشروع، وأخبر جون أنه لا يريد مشاركة قصة حياته مع الناس.

ربما بعض الأمور التي رفض جاري الإفصاح عنها في هذا الكتاب، هي تحديدا ما دفعه إلى انتحاره المفاجئ لاحقا.

بعد وفاته، وتكريما له، أصر ريتشاردسون على استئناف المشروع بشكل مختلف بالتعاون مع لويز، ونشر كتابا بعنوان Unspoken تحدث فيه إلى الكثير من المحيطين بـ سبيد، ونبش عن الفراغ الذي تركه وفاته في حياتهم.

لكن.. في أحد الأيام، وبينما كانت لويز تفتش في أغراض جاري للعثور على ما قد يساعد ريتشاردسون في كتابه، صُعقَت بهذا الخطاب.

هذا الخطاب، أرسله جاري إليها في عمر السابعة عشر، وقتما كان يلعب في ليدز يونايتد.

يقول جاري في خطابه لرفيقته –وقتها- لويز:

"عزيزتي لويز

لا أدري ما أقول، أفكّر في ترْك ليدز، وأفكر أيضا في أمور أخرى لن أفصح عنها.

أنا مكتئب للغاية، سأخلد إلى النوم الآن وآمل ألا أستيقظ مجددا أبدا.

أحبك للغاية، وسأحبك دوما.

لا أعرف ما يمكن قوله غير إنك قد تريني أبكر مما تتوقعين، أو ربما لا.

أنتِ لا تبارحين ذهني أبدا، لم يعد أي شيء يهمني غيرك.

أحبك أكثر مما يمكنك التخيل.

جاري".

صُعقت لويز بعد أن قرأت هذه الكلمات، لأنها لا تتذكر أبدا خطابا مماثلا.

تقول لويز:

"حتى نخفف عن أنفسنا، قررنا تبادل الخطابات، كان يتشوق إلى تلقي رسائلي".

"لم تكن هناك هواتف جوالة، وبالتالي كانت الطريقة المثلى للتواصل هي كتابة الرسائل".

"نبشت في بعض الرسائل التي كتبها لي وقتما تواجد في ليدز، واكتشفت خطابا غريبا".

"مع الأخذ في الاعتبار بما حدث له مؤخرا، فإن هذا الخطاب يبرز بشدة كما يمكن لأي شخص يقرأه أن يلاحظ".

"عندما وجدت هذا الخطاب، لم أجد المظروف مختوما، ولذا لست واثقة أن جاري أرسله بالفعل، أو ربما أنه أرسله مع خطاب آخر وطلب مني ألا ألقي بالا لهذا الخطاب. على أي حال، يمكنكم أن تلاحظوا كيف كان متعلقا بي في خطاباته".

"لعله مَر بشيء في عُمر مبكر وقرر الاحتفاظ به لنفسه، لا أتذكر أنني قرأت هذا الخطاب إطلاقا. أو ربما كنت أعلم أنني سأقابله قريبا بعد أن وصلني هذا الخطاب، ولذا قد أكون فكرت في أنه خطاب سخيف أو أيا يكن".

"بكل صراحة لا أدري، ربما في عمر السابعة عشر لم أبحث عن معنى أعمق وراء هذه الرسالة".

"لكن إعادة قراءة الخطاب، فإنه يقول كل شيء عندما تضع في اعتبارك ما آلت إليه الأمور في النهاية. ربما كان جاري قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار في أي لحظة".

"العثور على هذا الخطاب الآن بمثابة لحظة تجلي لي على عدة جوانب، إنه يجيب عن الكثير حول سبب إقدامه على تلك الفعلة".

"ربما المرض نفسي أو الاكتئاب أو أيا تكن الطريقة التي تريدون وصف ما عاناه بها، فإن هذا الشيء لازمه منذ سن مبكرة للغاية، وعاوده في بعض الأوقات. يبدو أن لا أحد عرف ما يدور في ذهنه أبدا."

"الخطاب موجز للغاية، يقول الكثير دون استخدام كلمات عديدة".

"(أنا ذاهب إلى النوم وآمل ألا أستيقظ مجددا) هو شيء ليس من الطبيعي أن يكتبه شخص في السادسة عشر أو السابعة عشر من عمره، أليس كذلك؟".

"بعض الخطابات من تلك الفترة أظهرت أنني كنت كل شيء له في هذا العالم".

جاري سبيد وزوجته لويز قبل وفاته بـ7 أشهر

"من الصعب للغاية أن تتحدث عندما تتملكك الرغبة في قتل نفسك، هذا يتجاوز أي شيء آخر، والأمر لا علاقة له بحالتك الذهنية، بل الجسدية.

كما لو أنه بات صعبا عليك فتح فمك وإخراج الكلمات.

الكلمات لا تخرج بانسيابية كما يريد عقلك التعبير عنها بالطريقة التي يفعلها أغلب الناس.

بل تخرج الكلمات كالحشرجة، تتلعثم في إخراجها وتتكدس خلف شفتك السفلية، ولذا تختار الصمت".

_الكاتب الأمريكي نيد فيزيني في رسالة انتحاره عن العمر الثانية والثلاثين.

الخط الساخن لتجنب الانتحار: 0220816831 – 08008880700

مصادر:

https://bit.ly/2B2CviH

https://bit.ly/2xf7ff2

https://bbc.in/35vdBqe

https://dailym.ai/2B0BUy2

https://bit.ly/2xf7ff2

https://dailym.ai/2OEh6V6

https://dailym.ai/2MaVlLb

http://bit.ly/2kXLhtR

http://bit.ly/2kV4koL

http://bit.ly/2kskzcD

اقرأ أيضا:

بعد فشل إقامة اللقاء في القاهرة.. المنتخب يتجه لبرج العرب استعدادا لبوتسوانا

مواهب الأكاديمية الضائعة.. هل أرسنال بيئة خصبة لصناعة نجم؟

نجل زيدان الثالث يظهر في تدريبات ريال مدريد

بالأرقام - حراس مرمى بقميص صناع اللعب في الدوريات الخمس الكبرى

فيديو في الجول – طارق العشري يرد على عدم ترشحه لتدريب المنتخب

نرشح لكم

أخر الأخبار

التعليقات

قد ينال إعجابك