إسبانيا وفرنسا... سؤال لن تستطيع كرة القدم الإجابة عنه

الثلاثاء، 14 يوليه 2026 - 19:25

كتب : عمر مختار

إسبانيا ضد فرنسا

لم تكن كرة القدم يومًا أكثر تنظيمًا مما هي عليه الآن.

كل شيء أصبح قابلًا للقياس.

عدد مرات الضغط، ارتفاع الخط الدفاعي، سرعة تدوير الكرة، زوايا التمرير، المسافات بين الخطوط، وحتى عدد الثواني التي يحتاجها الفريق لاستعادة الكرة بعد فقدانها.

لم تعد المباريات تُقرأ بالعين فقط، بل تُفكك بواسطة آلاف نقاط البيانات التي تحاول تفسير كل قرار، وكل تحرك، وكل متر يقطعه اللاعبون فوق العشب.

وبينما كانت كرة القدم تزداد دقة عامًا بعد آخر، كانت فكرة أخرى تكبر معها بصمت، ربما، لم تعد البطولات تُحسم باللاعبين، بل بالمنظومات.

منظومات قادرة على إنتاج السلوك نفسه، حتى عندما تتغير الأسماء. فرق لا تعتمد على لاعب بعينه، بل على لغة مشتركة يفهمها الجميع.

إذا خرج أحدهم، دخل آخر ليؤدي الوظيفة نفسها دون أن يتغير شكل الفريق أو إيقاعه أو مبادئه. وكأن اللاعبين أصبحوا أجزاءً قابلة للاستبدال داخل آلة أكبر منهم جميعًا.

ولعل المنتخب الإسباني يمثل اليوم أقرب صورة لهذا الكمال.

ليس لأنه يملك أفضل اللاعبين في العالم، ولا لأنه الأكثر استحواذًا على الكرة، بل لأنه يمتلك شيئًا أكثر ندرة في كرة القدم الدولية؛ الاستمرارية.

ثمانية لاعبين من تشكيلته ينتمون إلى برشلونة، أحد أكثر الأندية تمسكًا بفلسفة اللعب الموضعية، بينما عمل نصف عناصر القائمة الحالية مع لويس دي لا فوينتي منذ منتخبات الناشئين، وبعضهم منذ منتخب تحت 19 عامًا.

سنوات طويلة تم خلالها بناء المهارات الفردية مع لغة كاملة، يفهم فيها كل لاعب أين يجب أن يقف، ومتى يتحرك، وكيف يفسر حركة زميله قبل أن ينظر إليه.

في معظم المنتخبات، يجتمع اللاعبون لأسابيع قليلة كل عدة أشهر، ويحاول المدرب خلالها اختصار سنوات من العمل داخل وحدات تدريبية محدودة.

أما منتخب إسبانيا، فيبدو وكأنه نادٍ يخوض بطولة للمنتخبات. اللاعب الذي يغيب لا يترك فراغًا كبيرًا، لأن القادم يعرف الجملة نفسها، ويتحدث اللغة نفسها، ويحفظ القواعد نفسها.

ولهذا، يبدو الفريق واحد من أكثر الفرق مرونة في البطولة. يمكنك أن تستبدل لاعب وسط بآخر، أو جناحًا بجناح، دون أن يتغير البناء العام للفريق.

فالمنظومة لا تعتمد على الأشخاص بقدر اعتمادها على فهم جماعي تشكل عبر سنوات طويلة من العمل المشترك، مدعومًا بإرث كروي يمتد لعقود داخل الأكاديميات الإسبانية، حيث تُدرَّس مبادئ التموضع والتحرك كما تُدرَّس قواعد اللغة.

لكن، البطولات الكبرى لا تكافئ الفريق الذي يعرف نفسه أكثر، بل الفريق الذي يعرف أين تنتهي معرفته بنفسه.

فكل منظومة، مهما بدت مكتملة، تحمل داخلها سؤالًا مؤجلًا، والسؤال الذي أخفته إسبانيا لسنوات، لم يكن يحتاج سوى خصم واحد يرفض أن يمنحها الإجابة.

وقد بدا أن إسبانيا، رغم كل هذا الانسجام، تحمل داخلها سؤالًا مؤجلًا.

ظهر هذا السؤال في افتتاح البطولة، حين بدت أقل إقناعًا أمام الرأس الأخضر مما توقع الجميع، في المباراة التي لم تكن مجرد تعادل مفاجئ، بل تجربة تكتيكية كشفت الحدود الطبيعية حتى لأكثر المنظومات اكتمالًا.

فكل منظومة، مهما بلغت درجة تعقيدها، تقوم على افتراض بسيط؛ أن الخصم سيتخذ قرارًا خاطئًا. وإذا لم يفعل؟ هنا تبدأ الحكاية.

الآلة التي لا تعتمد على أحد... حتى احتاجت إلى شخص واحد

هناك عبارة تتكرر كثيرًا،"المنظومات الجيدة تقلل اعتمادها على الأفراد."، لكن قليلين يتوقفون أمام معناها الحقيقي.

المنظومة لا تعني أن اللاعب يصبح أقل أهمية، بل تعني أن الفريق لا ينهار إذا غاب لاعب واحد. وهذه ربما أعظم ميزة بناها منتخب الاروخا خلال العقدين الماضيين.

عندما نتحدث عن "اللعب الموضعي"، يظن كثيرون أننا نتحدث عن الاستحواذ فقط، أو عن التمريرات القصيرة التي اشتهرت بها مدارس برشلونة ومنتخب إسبانيا. لكن الحقيقة أن جوهر هذه الفلسفة مختلف تمامًا.

لا يحاول هذا الأسلوب أن يعلم اللاعب ماذا يفعل، بل يعلمه لماذا يقف هنا أصلًا.

1

2

كل لاعب داخل المنظومة يشغل مساحة قبل أن يشغل مركزًا. لذلك، إذا غادر تلك المساحة، يعرف زميله تلقائيًا أنه يجب أن يملأها. لا أحد ينتظر تعليمات من المدرب، لأن القرارات اتُّخذت منذ سنوات داخل الأكاديميات، وتحولت مع الوقت إلى ردود فعل غريزية.

3

4

ولهذا تبدو مباريات إسبانيا أحيانًا وكأنها تُلعب دون كلام.

الكرة تتحرك، واللاعبون يتحركون معها كما لو أنهم يقرأون الصفحة نفسها من كتاب واحد.

وفق تقارير "FIFA Technical Study Group" ، فإن المنتخب الإسباني يُعد واحدة من أكثر المنتخبات استقرارًا في مواقع الاستلام والتمرير طوال البطولة. لم يكن الفارق في جودة التمريرات، بل في انتظام الشبكة التي تتحرك بها الكرة بين الخطوط.

ففي كل مباراة تقريبًا، تجاوز الفريق حاجز 130 عملية كسر للخطوط، ووصل أمام بلجيكا إلى ما يقارب 160 كسرًا ناجحًا للخطوط، وهو أعلى رقم بين جميع المنتخبات في الأدوار الإقصائية.

لكن، هذه الأرقام قد تخدعك، لأن كسر الخطوط لا يعني بالضرورة كسر الدفاع. وهنا يكمن الفارق.

المنظومات لا تخلق الفرص

بل تنتظر أن يمنحها الخصم فرصة.

لقد اعتدنا القول إن الفرق الكبيرة "تصنع" المساحات، لكن الحقيقة أكثر دقة.

الفرق الكبيرة لا تصنع المساحات، بل تجبرك على صنعها بنفسك.

خذ مثالًا بسيطًا.

حين يتحرك لاعب من نصف المساحة إلى العمق، لا يكون هدفه الأول استلام الكرة.

5

بل إجبار قلب الدفاع أو لاعب الوسط على اتخاذ قرار. هل أخرج معه؟ أم أبقى في موقعي؟

5

إذا خرج، تظهر مساحة خلفه. إذا بقي، يستلم اللاعب بحرية.

6

أي أن المنظومة لا تربح لأنها وجدت الحل. بل لأنها جعلتك تختار بين حلين كلاهما سيئ.

8

ولهذا تعتمد كرة القدم الموضعية على شيء واحد أكثر من أي شيء آخر؛ رد فعل الخصم.

إذا ضغط مبكرًا، تعاقبه. إذا تأخر، تعاقبه. إذا تحرك نحو الكرة، تذهب إلى المساحة. إذا بقي في مكانه، تمنح الكرة لمن أصبح حرًا.

كل شيء داخل المنظومة مبني على قرار يتخذه المنافس. وهنا تحديدًا ظهرت المشكلة.

ماذا يحدث عندما يرفض الخصم اتخاذ أي قرار؟

هذا هو السؤال الذي طرحه منتخب الرأس الأخضر على إسبانيا.

بالطبع لم يكن الرأس الأخضر أفضل من إسبانيا، ولم يكن يمتلك لاعبين بجودة لاعبيه. لكنه امتلك شيئًا آخر؛ الصبر.

9

لم يندفع للضغط. لم يطارد الكرة. لم تخرج قلوب الدفاع خلف المهاجمين عندما نزلوا بين الخطوط. ولم يسمح لإسبانيا بإجباره على اتخاذ القرار الذي ينتظره.

دافعوا بمزيج بين أربعة وخمسة في الخلف. وتحرك الخط كله كوحدة واحدة.

الكرة تنتقل من اليمين إلى اليسار؟ يتحرك الجميع معًا. لا أحد يقفز. لا أحد ينكسر. لا أحد يترك مكانه.

10

كانت المباراة، في حقيقتها، تجربة نادرة. منظومة كاملة تحاول أن تستخرج خطأ، أمام خصم قرر ألا يرتكب أي خطأ. ولهذا رأينا مشهدًا غير معتاد.

11

منتخب إسبانيا يستحوذ. يمرر. يكسر الخطوط. يصل إلى أنصاف المساحات. لكنه لا يصل إلى الفرصة التي ينتظرها. ليس لأنه لعب بصورة سيئة. بل لأن الخصم لم يمنحه المادة الخام التي يعمل بها.

وهنا ظهر اللاعب الذي لا تستطيع المنظومة أن تصنعه

كل ما تحدثنا عنه حتى الآن يمكن تدريسه. يمكن تدريبه. يمكن تكراره. لكن هناك شيء واحد لا تستطيع أي منظومة في العالم أن تصنعه؛ اللاعب الذي يخلق الحل قبل أن تخلقه المنظومة نفسها.

طوال تسعين دقيقة، فعل المنتخب الإسباني كل شيء كما يجب. تحرك. تمركز. مرر. كسر الخطوط. لكنه اكتشف، للمرة الأولى تقريبًا، أن المنظومة تستطيع أن توصلك إلى باب الحل، لكنها لا تستطيع أن تدخله نيابةً عنك.

وهنا، لم تعد تحتاج إلى لاعب يفهم المنظومة، بل إلى لاعب لا يحتاج إليها أصلًا. ليس لأنه جناح رائع فقط، لكن أيضًا لأنه يمثل شيئًا لا تستطيع المدرسة الإسبانية، رغم كل عظمتها، أن تنتجه بالتمرين وحده.

لأن هناك فرقًا بين لاعب يقرأ المساحة، ولاعب يرى مساحة لم تولد بعد.

اللاعب الذي لا تستطيع أي منظومة أن تصنعه

هناك لحظة تصل إليها كل منظومة في كرة القدم. لحظة تكون فيها قد أجابت عن كل الأسئلة الممكنة.

كيف تبني اللعب. كيف تكسر الضغط. كيف تخلق الرجل الحر. كيف تدافع بعد فقدان الكرة. كيف تتحكم في الإيقاع. ثم.. تتوقف.

ليس لأنها أصبحت سيئة، بل لأنها وصلت إلى حدود المنطق، وهنا يبدأ دور اللاعب.

لو دققت في كل ما فعله رجال دي لافوينتي أمام الرأس الأخضر، ستجد أن المنظومة عملت كما ينبغي.

زوايا التمرير كانت موجودة. الاستحواذ تجاوز ستين بالمئة. الكرة وصلت إلى أنصاف المساحات. خطوط الخصم انكسرت عشرات المرات. لكن شيئًا واحدًا لم يحدث. لم يخرج أي مدافع من مكانه.

هذه جملة تبدو بسيطة، لكنها، تكتيكيًا، تعني أن كل ما بُنيت عليه المنظومة الإسبانية قد توقفن لأن اللعب الموضعي لا يبحث عن المساحة، بل يصنعها من قرار يتخذه الخصم.

إذا خرج قلب الدفاع، ظهرت مساحة. إذا ضغط لاعب الوسط، تحرر لاعب آخر. إذا انزلق الخط كله نحو الكرة، ولد الجانب الضعيف. كل شيء يبدأ من رد فعل.

لكن ماذا لو لم يحدث رد الفعل أصلًا؟

هنا، لأول مرة، لم يعد منتخب إسبانيا بحاجة إلى لاعب يفهم المنظومة. بل إلى لاعب… لا يحتاج إليها أصلًا.

هناك لاعبون ينتظرون أن تمنحهم المباراة الحل.

وهناك لاعبون يصنعون الحل بأنفسهم. وهنا يكمن الفارق بين لاعب رائع، ولاعب استثنائي.

لامين يامال لا ينتظر أن يخرج الظهير من مكانه، بل يجبره على الخروج. لا ينتظر أن تظهر المساحة.، بل يجعل المدافع يخلقها وهو يحاول إيقافه.

إنه لا يقرأ الفراغ. بل يخلق الفراغ.

في المثال التالي، يضع يامال نفسه عمدًا في موقف تسلل، لماذا؟ لأنه يشتت انتباه الخط الدفاعي ويجعل الظهير يسأل نفسه عدة أسئلة قبل أن يجد نفسه بعيدًا عن قلب الدفاع القريب.

Yamal 1

بمجرد أن يبدأ قلب الدفاع الإسباني كوبارسي في التمرير نحو بيدرو بورو، يبدأ يامال في التراجع قليلا خلف ظهير المنافس، ومجرد أن يستلم بورو الكرة ويبدأ في رفع رأسه، يبدأ يامال في تصحيح تمركزه.

Yamal 2

مجرد أن يقوم بورو بالتمرير البيني، يكون يامال قد وضع نفسه في موقف غير متسلل، هذه الحركة تحدث من وقت للثاني عند مواجهة فريق يتحول بين كتلة متوسطة وعميقة، ونتيجة لذلك يجد يامال نفسه في مواقف واعدة نتيجة لوعيه بالمساحة المحيطة.

Yamal 3

عندما عدت إلى تقارير "FIFA Technical Study Group"طوال البطولة، وجدت ملاحظة تكررت أكثر من مرة، وإن اختلفت صياغتها؛ الفرق الكبرى أصبحت قادرة على التحكم في كل شيء تقريبًا، إلا لحظة التفوق الفردي.

ولهذا، رغم كل التطور الذي شهدته كرة القدم الحديثة، ما زالت أغلب البطولات تُحسم بلاعب يستطيع أن يفعل شيئًا لا يستطيع النظام تفسيره.

لماذا يبدو يامال مختلفًا؟

لأن أغلب الأجنحة في كرة القدم الحديثة تتخذ قرارها بعد أن ترى المدافع. أما يامال، فيتخذ قراره قبل أن يتحرك المدافع أصلًا.

إنه لا يراوغ رد الفعل، بل يراوغ التوقع نفسه، ولهذا يصعب الدفاع ضده.

ليس لأنه أسرع. ولا لأنه أكثر مهارة. بل لأن دماغه يسبق الحدث بجزء صغير من الثانية. وهو الجزء الذي لا تستطيع أي خوارزمية أن تتنبأ به.

أما نيكو ويليامز، فيمثل الوجه الآخر للفكرة نفسها.

إذا كان يامال يهزمك بالإدراك، فإن نيكو يهزمك بالتنفيذ. كل شيء عنده أكثر مباشرة. أقل تعقيدًا. وأسرع.

لا يبحث عن اللاعب الثالث. ولا عن زوايا التمرير. بل عن الظهير. ثم يبدأ الصراع.

واحد ضد واحد.

ولهذا، فإن قيمته لا تكمن في عدد أهدافه أو تمريراته الحاسمة، بل في أنه يعيد المباراة إلى أبسط أشكالها. أنت… ضدي.

في بطولة يورو 2024، لم يكن منتخب إسبانيا في الجانب الدفاعي بالفعالية نفسها التي ظهر بها هجومياً، إذ سمح لمنافسيه بصناعة عدد كبير من الفرص، كما تفوق عليه الخصوم في الأهداف المتوقعة في ثلاث من أصل سبع مباريات خاضتها.

لكن ذلك لم يكن مؤثراً، لأن قوته الهجومية كانت كفيلة بتعويض أي قصور دفاعي خاصة في وجود يامال ونيكو ويليامز اللذان كانا يعيشان أفضل مستوياتهما في ذلك الوقت.

12

سعيًا من أجل الكمال ولكن

تصدر الفريق في بطولة يورو 2024، وبفارق كبير قائمة المنتخبات الأكثر استعادةً للكرة على بُعد 40 متراً أو أقل من خط مرمى المنافس، بعدما حقق 76 استعادة للكرة، كما جاءت في المركز الثاني من حيث المعدل لكل مباراة (10 استعادة)، خلف منتخب كرواتيا الذي اكتفى بخوض مباريات دور المجموعات.

ولم يتوقف تميز اللاروخا عند استعادة الكرة فقط، بل تصدر أيضاً عدد مرات استعادة الكرة التي انتهت بتسديدة (15 مرة)، وكذلك عدد مرات استعادة الكرة التي تحول مباشرة إلى أهداف (مرتان).

13

هذا حقًا جعل الفريق من أفضل الفرق التي طبقت الضغط العكسي واستعادة الكرة سريعًا، لكن رغم ذلك، استقبل الفريق تسديدات بلغ مجموع قيمتها 1.09 هدف متوقع في المباراة الواحدة خلال يورو 2024، وهو رقم يضعه في منتصف ترتيب المنتخبات الـ24 المشاركة في البطولة، حيث يُعد ثاني أسوأ رقم بين جميع المنتخبات التي بلغت الدور ربع النهائي.

14

لكن يبدو أن الأمور تحسنت كثيرًا خلال كأس العالم 2026، حيث تلقى الفريق بعد نهاية دور المجموعات مجموع 14 تسديدة و0.5 هدف متوقع، وواصل إلى دور الـ8 بدون استقبال أي هدف من المنافسين في البطولة حتى استقبل مرماه أول هدف من البلجيكيين.

14

ومن اللعب المفتوح، استقبل الفريق فقط 1.5 هدف متوقع خلال رحلة وصوله إلى الدور نصف النهائي، أي خلال ست مباريات، مع تلقي 27 تسديدة بمعدل 0.06 هدف متوقع لكل تسديدة وهو رقم مذهل.

لاحظ هنا أن الدوائر تصبح أكبر في الحجم كلما أصبحت التسديدة أكثر خطورة وبالتالي تزداد معها نسبة الأهداف المتوقعة.

15

إلى جانب ذلك، يقدم قائد المنتخب الإسباني، رودري، أفضل مستوياته منذ تعافيه من إصابة الرباط الصليبي الأمامي. فقد قام بـ 18 تدخلًا دفاعيًا، ولا يتفوق عليه في هذا الرقم سوى ثلاثة لاعبين فقط في كأس العالم، كما استعاد الاستحواذ على الكرة في 32 مناسبة، وهو رقم لم يتجاوزه سوى أربعة لاعبين فقط في البطولة.

16

وعلى الجانب الهجومي، يوفر رودري حلولاً هائلة لزملائه، مانحًا إياهم المساحة والوقت بفضل قرائته الممتازة للعبة وقراراته التي دائمًا ما تجعل فريقه أفضل.

18

19

20

21

وهنا تبدأ المفارقة.

حاول دي لا فوينتي طوال عشر سنوات، تقليل اعتماد الفريق على الأفراد.

لكن عندما وصلت البطولة إلى أول لحظة معقدة، اكتشف الجميع أن سقف المنظومة لا يمكن رفعه إلا بواسطة فرد، وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة في كرة القدم الحديثة.

كلما أصبحت المنظومة أكثر كمالًا، ازدادت حاجتها إلى اللاعب الذي لا يشبهها. هذه ليست مشكلة تخص إسبانيا وحدها، بل تكاد تكون قانونًا في كرة القدم.

بيب جوارديولا، أكثر المدربين إيمانًا بالمنظومات، احتاج إلى دي بروين، ثم إلى هالاند.

يورجن كلوب احتاج إلى صلاح.

وسكالوني، رغم كل التنظيم الذي صنعه مع الأرجنتين، ظل يعرف أن ميسي هو اللاعب الذي يعيش خارج قواعد اللعبة.

كأن كرة القدم، مهما بلغت درجة تنظيمها، تحتفظ دائمًا بمقعد شاغر للفوضى.

وربما لهذا السبب...

لم يكن تعادل الرأس الأخضر مجرد نتيجة مفاجئة، بل كان سؤالًا فلسفيًا؛ إلى أي مدى تستطيع المنظومة أن تستغني عن العبقرية؟ وهل يمكن حقًا أن تبني فريقًا لا يحتاج، في اللحظة الحاسمة، إلى لاعب يخرج عن النص؟

أعتقد أن هذا هو السؤال الذي خرج به أصدقاء يامال من تلك المباراة. وليس سؤال التشكيل. ولا سؤال التبديلات. ولا حتى سؤال النتيجة.

لكن المفارقة أن المنتخب الذي وقف في الجهة الأخرى من البطولة، لم يكن يحاول حل المشكلة نفسها.

بينما كانت المنتخب إسبانيا يبحث عن الطريقة المثالية لامتلاك المباراة، كان منتخب فرنسا يبحث عن الطريقة المثالية لتركها؛ ليس لأنه لا يستطيع السيطرة. بل لأنه اكتشف شيئًا آخر.

أحيانًا… أفضل طريقة للتحكم في المباراة، أن تجعل خصمك يشعر أنه هو من يتحكم بها.

عندما تصبح الكرة في قدمك... تبدأ مباراة فرنسا

لا يترك المنتخب الفرنسي الكرة لأنه لا يريدها، بل لأنه يريدك أنت أن تريدها.

لا يخوض ديدي ديشان معركة الاستحواذ أصلًا، هو يخوض معركة مختلفة تمامًا.

معركة… أين ستفقد الكرة؟

إذا كانت منتخب إسبانيا يقضي المباراة كلها محاولاً إجبارك على اتخاذ قرار، فإن منتخب فرنسا ينتظر قرارًا واحدًا فقط، القرار الخاطئ. ثم تنتهي المباراة.

لهذا السبب...

يصعب جدًا قراءة فرنسا بالأرقام التقليدية.

لن تجد الفريق دائمًا صاحب أعلى استحواذ. ولا أكثر الفرق تمريرًا. ولا الأكثر تقدمًا في متوسط المواقع.

لكنه، في المقابل، دخل الأدوار الإقصائية وهو يصنع 2.78 هدفًا متوقعًا في المباراة الواحدة. وهو أعلى معدل بين جميع المنتخبات المتأهلة إلى نصف النهائي.

22

والأغرب… أنهم حققوا هذا الرقم، دون البحث عن الكرة أصلًا.

السؤال الذي واجه كل خصوم فرنسا

كانت تقارير FIFA بعد كل مباراة تقريبًا تطرح السؤال نفسه بصورة مختلفة.

"ماذا ستفعل بالكرة... إذا كان المنتخب الفرنسي يريدك أن يمتلكها؟"

وهذا السؤال يبدو غريبًا. لأننا تعودنا أن الفريق الأفضل يحاول الاستحواذ، لكن الديوك قلبوا المعادلة.

لا يريد الفريق أن يمنعك من اللعب. يريدك أن تلعب في المكان الذي اختارت هو.

فبالمقارنة بين الفترة الممتدة من كأس العالم 2022 إلى بطولة أوروبا 2024، والفترة التي تلتها خلال العامين الماضيين، لم يطرأ أي تغيير يُذكر على متوسط نقطة بداية سلاسل استحواذ المنتخب الفرنسي، إذ بقي عند 44.8 مترًا من مرماه، مقارنة بـ44.5 مترًا في الفترة السابقة بين البطولتين.

كما حافظ على معدلات شبه متطابقة في استعادة الكرة عبر الضغط العالي، حيث ارتفع متوسط حالات افتكاك الكرة في مناطق متقدمة قليلًا من 9.6 إلى 9.8 مرة في المباراة، بينما زادت مرات استعادة الاستحواذ في الثلث الأخير من الملعب من 5.7 إلى 5.9 مرة في المباراة.

لكن هناك اختلافًا واحدًا لافتًا.

فمع تطور الجودة الهجومية لفرنسا، بات المنافسون مجبرين على التراجع بشكل أكبر داخل نصف ملعبهم. ففي السابق، كانت الفرق المنافسة قادرة على الاحتفاظ بالكرة لفترات أطول داخل منطقة جزائها وفي المساحات المركزية المحيطة بها، أما اليوم، فأصبح المنتخب الفرنسي يضغط بقوة حتى في تلك المناطق، وينافس خصومه على الاستحواذ فيها.

23

ونتيجة لذلك، تراجع عدد التمريرات التي ينجح منافسو فرنسا في إكمالها داخل نصف ملعبهم بشكل ملحوظ، من متوسط 246 تمريرة في المباراة إلى 194 تمريرة فقط عند مقارنة الفترتين.

وهذا ما جعل مباريات فرنسا تبدو متشابهة، رغم اختلاف منافسيها تمامًا.

24

السنغال. باراجواي. السويد. المغرب.

أربع مدارس مختلفة. وأربع إجابات مختلفة. لكن السؤال بقي واحدًا.

السنغال... أفضل من فهم الامتحان

إذا اكتفينا بالنتيجة، سنقول إن أصدقاء مبابي فازوا بثلاثة أهداف مقابل هدف. لكن الأرقام تحكي شيئًا آخر.

المنتخب السنغالي لم يستحوذ سوى على 44.5٪ من الكرة. ولم يحاول منافسة فرنسا عليه. بل لعب بكتلة متوسطة، واعتمد على التحولات. والنتيجة؟

خرج منتخب فرنسا من المباراة صانعًا 1.62 هدف متوقع فقط. وهو أقل رقم هجومي له أمام أي منافس في البطولة حتى تلك اللحظة.

لكن المشكلة أن أصدقاء ماني لم يصنعوا سوى 0.39 هدف متوقع.

لقد نجحوا في إبطاء فرنسا، لكنهم لم يستطيعوا تهديدها. ولهذا خسروا.

باراجواي... عندما يتحول الدفاع إلى استسلام

اختار منتخب باراجواي طريقًا آخر. تراجع بكتلة منخفضة جدًا. وترك الكرة بالكامل تقريبًا.

الاستحواذ هبط إلى 22.5٪ فقط. وبالفعل، انخفض إنتاج فرنسا إلى 1.93 هدف متوقع.

لكن، منتخب باراجواي أنهى المباراة بـ 0.13 هدف متوقع فقط. ثلاثة عشر جزءًا من الهدف.

ببساطة… لم يكن الفريق يلعب لتفوز، لكن لتأجيل الخسارة الخسارة. وفي مباريات الإقصاء، هذا لا يكفي.

لكن لقطة وحدة كانت كافية للفرنسيين لتغيير الأمور.

لاحظ هنا تجمع لاعبي باراجواي حول ديمبلي، لكن ذلك لم يمنعه من تمريرة كرة أرضية في العمق من أجل نقل الكرة إلى الجانب الآخر.

https://ibb.co/bRCDdp6W

ضع عينك هنا على لاعب الوسط رابيو، قبل استلام جناح الفريق ديزري دوي الكرة. سيحاول رابيو هنا إبعاد أقرب لاعب من باراجواي عن دوي من أجل السماح له بالاقتراب من منطقة العمليات أكثر ومن ثم الارتجال هناك.

26

27

السويد... دفعت الثمن لأنها حاولت

كان المنتخب السويدي أكثر شجاعة.

استحوذ على حوالي 38٪. وضغطت في لحظات. وصنع 0.71 هدف متوقع. وهو أعلى رقم هجومي حققه أي منافس أمام فرنسا في الأدوار الإقصائية، لكنه، في المقابل، منح فرنسا مساحات أكبر.

فرد منتخب فرنسا بإنتاج هجومي وصل إلى 2.90 هدف متوقع. وكأن المباراة تقول شيئًا واضحًا؛ كل خطوة للأمام...تدفع ثمنها مرتين.

ثم جاءت المغرب...

وأعطت الإجابة الأسوأ.

امتلك المنتخب المغربي الكرة. مرر كثيرًا. وصل إلى 539 تمريرة. لكنه صنع فقط 0.16 هدف متوقع.

أي أن الكرة كانت تتحرك… لكنه لم يكن يتقدم.

استحواذ معقم. استحواذ بلا اختراق. استحواذ منح المنتخب الفرنسي كل ما يريده.

لأن كل تمريرة لا تكسر الخطوط، تعني أن اللاعبين الفرنسيين يعودون إلى أماكنهم. وكل فقدان للكرة، يعني مساحة جديدة أمام مبابي. وهنا تبدأ فلسفة ديشان.

ديشامب لا يدافع عن المرمى...

بل يدافع عن المساحة التي ستهاجم منها. وهذه جملة أعتقد أنها تلخص شخصية هذا المنتخب.

راقب تمركزهم عندما يمتلك الخصم الكرة. لن تجد اندفاعًا جنونيًا. ولا ضغطًا عاليًا مستمرًا. بل ستجد خطوطًا هادئة. صامتة.

كأن الفريق لا يريد الكرة. لكن الحقيقة أنهم ينتظرون المكان الذي سيستعيدونها فيه.

وهذا المكان… ليس عشوائيًا أبدًا.

ولهذا، عندما يتم استعادة الكرة، لا تبدأ الهجمة. بل تكون قد بدأت بالفعل.

لأن مبابي لم يكن يدافع أصلًا. كان ينتظر. وديمبيلي كان يقوم بتثبيت العرض. والظهير يعرف مسبقًا أين ستكون أول مساحة.

كل شيء يبدو مرتجلًا، لكنه في الحقيقة مرتب قبل استعادة الكرة بثوانٍ، بفضل العلائقية في اللعبة.

إذا كان المنتخب الإسباني يؤمن أن ربح المباراة يكمن عبر السيطرة على كل دقيقة، فإن المنتخب الفرنسي يؤمن أن البطولة قد تُحسم في ثلاث ثوانٍ فقط.

وهنا... اصطدمت الفكرتان، ليبدأ فصل المواجهة.

عندما يريد الفريقان الشيء نفسه... لكن لأسباب مختلفة

أعتقد أن الفريقين سيحصلا، منذ الدقيقة الأولى، على الشيء الذي يريده كل منهما.

المنتخب الإسباني سيريد الكرة. ومنتخب فرنسا سيريد أن يمنحه الكرة.

الاستحواذ... ليس هدفًا

منذ سنوات طويلة، ارتبط الاستحواذ في أذهان الناس بالسيطرة.

لكن كرة القدم الحديثة بدأت تنظر إليه بطريقة مختلفة.

الاستحواذ ليس قيمة في حد ذاته. إنه مجرد وسيلة. والسؤال الحقيقي لم يعد من يملك الكرة؟ بل ماذا تفعل بها عندما تمتلكها؟

وهنا يكمن الفارق بين المغرب وإسبانيا.

المنتخب المغربي امتلك الكرة أمام فرنسا، لكنه لم يدخل بها إلى الأماكن التي تؤذي الدفاع الفرنسي. كانت الكرة تتحرك… لكنها لم تكن تُغير شيئًا.

أما إسبانيا، فستقدم نموذجًا معاكسًا تمامًا.

وفقًا لبيانات "FIFA Technical Study Group" ، أكمل المنتخب الإسباني ما بين 134 و159 كسرًا لخطوط الخصم في كل مباراة خلال البطولة، ووصل أمام بلجيكا إلى نحو 250 استقبالًا ناجحًا في الثلث الأخير، مقابل 92 فقط للمغرب أمام فرنسا.

الرقم لا يعكس كثرة التمريرات، بل يعكس نوعيتها.

الكرة كانت تصل إلى المناطق التي تُجبر الدفاع على اتخاذ قرارات. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.

لكن المنتخب الفرنسي يعرف ذلك

وهذا ما يجعل ديشان واحدًا من أكثر المدربين الذين يُساء فهمهم على الأقل خلال المونديال الحالي.

كثيرون يظنون أنه مدرب محافظ، لكن الحقيقة أنه مدرب انتقائي.

هو لا يحارب كل شيء، بل يحارب الشيء الوحيد الذي يقتل فريقه؛ التحول.

ولهذا، فإن أخطر لحظة في المباراة، بالنسبة لفرنسا، لن تكون عندما يمتلك منتخب إسبانيا الكرة.

بل عندما يفقدها.

وهنا تظهر واحدة من أهم الأفكار طوال البطولة:

الخمس ثواني الأولى بعد فقدان الكرة أصبحت أهم من الخمسين ثانية التي سبقتها.

لماذا؟

لأن أغلب الهجمات الخطيرة في كرة القدم الحديثة لا تبدأ من بناء هادئ، بل من كرة مفقودة.

إذن ماذا يحدث مباشرة بعد خسارة الكرة؟

يعتبر المنتخب الإسباني أفضل فريق في البطولة في هذه المرحلة، فأمام بلجيكا، قضى حوالي 11٪ من زمن المباراة في الضغط العكسي مستعيدًا عددًا كبيرًا من الكرات خلال ثوانٍ معدودة بعد فقدانها.

وهذا ليس رقمًا عابرًا، بل هو سبب مباشر في حرمان فرنسا من أكثر أسلحتها فتكًا.

لا يحتاج المنتخب الفرنسي إلى هجمة مرتدة طويلة، بل يكفيه أن ينجو من أول ضغط.

إذا مرت الكرة الأولى… فقد بدأت الكارثة.

هنا تصبح المباراة سباقًا زمنيًا

ليست بين الكرة والمرمى. بل بين فكرتين.

منتخب إسبانيا يسأل هل أستعيد الكرة خلال ثلاث ثوانٍ؟

ومنتخب فرنسا يسأل هل أستطيع إخراجها خلال ثلاث ثوانٍ؟

وكل ما يحدث بعد ذلك… مجرد نتيجة.

ولهذا...

لن تكون معركة مبابي ضد دفاع إسبانيا، بل معركة مبابي ضد أول تمريرة.

دعونا نشرح الأمر أكثر

هكذا في رأيي ستكون مرحلة بناء لعب منتخب فرنسا أمام ضغط إسبانيا العالي.

28

إذا نجح المنتخب الإسباني في استعادة الكرة فورًا، فلن يرى مبابي الملعب أصلًا، أما إذا خرجت الكرة من الضغط الأول، فسيتحولكل متر خلف دفاع إسبانيا إلى مساحة محتملة.

29

وهنا سنفهم لماذا سيبدو مبابي أحيانًا غائبًا عن المباراة. ولماذا، في لقطة واحدة فقط، سيستطيع أن يغيّر كل شيء.

30

31

سيستمر الأمر بعد ذلك ليصبح بهذا الشكل

32

عند الوصول إلى تلك المرحلة، سيحاول المنتخب الإسباني إغلاق أنصاف المساحات التي يركض بها مايكل أوليسي ومحاولة قتلها عند الطرف قبل أن تتحول إلى مساحة يمكن الركض فيها.

33

كرة القدم الحديثة لم تعد تقيس السرعة... بل توقيت السرعة.

ليس المهم أن يكون مبابي أسرع من المدافع، بل أن يبدأ الركض، قبل أن يبدأ المدافع في التفكير.

ولهذا لا يعيش مبابي على المساحات الموجودة، بل على المساحات التي ستكون موجودة بعد ثانيتين. وهذا هو السبب نفسه الذي جعل لامين يامال مختلفًا في الجهة الأخرى.

كلاهما يرى المستقبل… لكن كل واحد بطريقته.

ولهذا ستبدو المباراة كمباراة شطرنج

سيحاول منتخب إسبانيا منع فرنسا من رؤية المساحة. وسيحاول منتخب فرنسا منع إسبانيا من استعادة الكرة.

لسنوات طويلة، كنا نعتقد أن كرة القدم تنقسم إلى مدرستين؛ فرق تستحوذ، وفرق تدافع.

لكن كأس العالم هذا العام كشف شيئًا مختلفًا؛ لم يعد الانقسام بين من يملك الكرة ومن لا يملكها، بل بين من يبني المباراة، ومن يبني اللحظة.

يبني المنتخب الإسباني المباراة كلها، تمريرة بعد أخرى، حتى يصل إلى اللحظة المناسبة.

أما منتخب فرنسا، فلا يهمه شكل المباراة بقدر ما يهمه أن يكون جاهز عندما تأتي تلك اللحظة.

ولهذا، بدا وكأن المنتخبين يلعبان المباراة نفسها، بينما كان كل واحد منهما يعيش زمنًا مختلفًا.

عندما تصل المنظومة إلى الكمال... تبدأ كرة القدم

قبل خمسة عشر عامًا، كان السؤال الذي يشغل المدربين بسيطًا؛ كيف نصنع فريقًا أفضل؟

اليوم… أصبح السؤال مختلفًا تمامًا؛ كيف نصنع فريقًا لا يحتاج إلى لاعب استثنائي؟

ومنذ ذلك الوقت، بدأت كرة القدم تدخل سباقًا لا ينتهي.

المزيد من البيانات. المزيد من الخرائط الحرارية. المزيد من نماذج الذكاء الاصطناعي. المزيد من التفاصيل التي تحاول تفسير اللعبة حتى آخر تمريرة.

اليوم، تستطيع أن تعرف عدد المرات التي ضغط فيها لاعب خلال المباراة.

كم مترًا ركض. كم مرة استلم بين الخطوط. كم ثانية احتاج ليستعيد الكرة.

كم بلغت قيمة كل لمسة له، بل إن بعض الأندية أصبحت تقيس الزاوية التي يفتح بها اللاعب جسده قبل استلام الكرة.

كل شيء أصبح قابلًا للقياس. تقريبًا… كل شيء.

لكن بعد كل هذه السنوات، ما زالت هناك لحظة واحدة لا تستطيع البيانات تفسيرها بالكامل.

لحظة يقرر فيها لاعب أن يفعل شيئًا لم يكن موجودًا في أي نموذج.

ربما يمتلك منتخب إسبانيا أكثر منظومة جماعية اكتمالًا في العالم. منظومة تستطيع أن تبدل لاعبًا بآخر دون أن يتغير شكلها. تعرف أين تقف. وأين تتحرك. وكيف تصنع الرجل الحر. وكيف تكسر الخطوط.

لكنها، عندما وصلت إلى اللحظة التي رفض فيها الخصم أن يمنحها أي قرار تستغله، بحثت عن لامين يامال.

وفي الجهة الأخرى… فرنسا.

المنتخب الذي يبدو أقل تنظيمًا للوهلة الأولى، لكنه يعرف شيئًا واحدًا ببراعة مذهلة؛ أن المباراة قد تختصر أحيانًا في ثلاث ثوانٍ. وفي لاعب واحد. وفي مساحة واحدة.

ولهذا، ظل مبابي هو الإجابة… قبل أن يُطرح السؤال.

ربما لهذا السبب لا أؤمن بأن كرة القدم لعبة يمكن الوصول فيها إلى الكمال.

لأن الكمال يعني أن كل سؤال يملك إجابة. والبطولات الكبرى تثبت، مرة بعد أخرى، أن السؤال الأخير يبقى دائمًا بلا إجابة.

كيف توقف لاعبًا يرى ما لم يحدث بعد؟ كيف تمنع تمريرة لم تكن موجودة أصلًا؟ كيف تتوقع مراوغة لم تخطر حتى لصاحبها إلا في اللحظة نفسها؟

قد تستطيع البيانات أن تخبرك بما حدث. وقد تستطيع النماذج أن تتنبأ بما قد يحدث.

لكنها لن تستطيع أبدًا أن تفسر لماذا، في اللحظة التي تصل فيها المنظومة إلى أقصى درجات الكمال، يظل مصيرها معلقًا بقدم لاعب قرر، لثانية واحدة، ألا يتبع أي منظومة على الإطلاق.