سياتل وفانكوفر.. الفراعنة يركضون فوق جراح التاريخ في المونديال
الإثنين، 18 مايو 2026 - 18:03
كتب : محمد أنور
كأس العالم
حين تطأ أقدام لاعبي منتخب مصر ملعب "لومين فيلد" بسياتل في مستهل مغامرتهم المونديالية، لن يكون أحفاد الفراعنة مجرد ضيوف على مدينة أمريكية حديثة تعيش على إيقاع التكنولوجيا وصخب كأس العالم.
فتحت العشب الأخضر الذي سيركض فوقه محمد صلاح ورفاقه، تختبئ طبقات من تاريخ أقدم بكثير من ناطحات السحاب، وأعمق من ضجيج المونديال ذاته.
ما لا تقوله الكاميرات.. الوجه الآخر لمدن المونديال
قبل قرون طويلة من ظهور اسم سياتل على الخرائط، كانت هذه الأرض موطنًا لشعوب عاشت على ضفاف المياه المالحة والأنهار المتشابكة مع المحيط الهادئ.
سكنت قبيلتا "الدواوميش" و"السوكواميش" تلك البقعة، واعتمدت على أنهارها ومسطحاتها التي كانت تغمرها مياه المد كمصدر للغذاء والهوية والطقوس.
وفي هذا الفضاء، يبرز رابط روحي يفهمه الزائر المصري تماما، فبينما كان النيل يمثل شريان الحياة في مصر عبر العصور، كانت شعوب الساحل الغربي ترى في نهر "الدواوميش" ومسطحاته المائية شريان الوجود الذي يضمن بقاءها.
لكن معالم الأرض تغيّرت في تلك البقعة التي تُعرف اليوم باسم سياتل بعد قدوم المستوطنين الأوائل، ففي مطلع القرن العشرين، جرى ردم المسطحات المائية بالكامل لتحويلها إلى منطقة صناعية تُعرف اليوم باسم "سو دو" (جنوب وسط المدينة)، حيث يقف ملعب "لومين فيلد".

ذلك الملعب الذي سيخوض عليه الفراعنة مباراتيه الأولى والثالثة في المونديال، كان يومًا ما شبكة من القنوات المائية المالحة ومناطق صيد المحار والقشريات التي اعتمدت عليها القبائل لقرون طويلة.
بمعنى آخر، سيركض لاعبو مصر فوق أرض مطمورة انتُزعت من مجرى الماء والمد، وفوق ذاكرة بيئية وثقافية تعرضت للطمر، مثلما جرى تعديل مجرى نهر الدواوميش وتضييقه لخدمة التوسع العمراني والصناعي.
لم يكن انتقال الأرض من السكان الأصليين إلى المستوطنين الأوائل عملية سلمية بالكامل، إذ شهدت المنطقة فصولا من التفاوض والتوتر والنزاع المسلح، قبل وبعد توقيع معاهدة "بوينت إليوت" عام 1855، والتي تنازلت بموجبها قبائل المنطقة عن مساحات شاسعة من أراضيها مقابل وعود بالحماية وحقوق الصيد والعيش على بعض الأراضي المخصصة لها.
![]()
لكن المفارقة التي لا تزال تثير غضب كثير من السكان الأصليين حتى اليوم، تكمن في أن المدينة التي تحمل اسم الزعيم سياتل، أو "Chief Si'ahl" - الذي وقّع تلك المعاهدة سعيًا لتجنب الصدام وحماية ما تبقى من أراضي شعبه – لا تحظى فيها قبيلته الأصلية، "الدواوميش"، باعتراف فيدرالي كامل داخل الولايات المتحدة حتى الآن، أي أن القبيلة التي منحت المدينة اسمها ما زالت تخوض معارك قانونية وسياسية من أجل الاعتراف الرسمي بهويتها وحقوقها التاريخية.
هنا تحديدًا، يكتسب مونديال 2026 بعدًا مختلفًا. فللمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، تدخل قبيلة "بويالوب"، المنتمية إلى الشعوب الأصلية في الساحل الشمالي الغربي، كشريك رسمي في استضافة الحدث داخل سياتل. وتخطط هذه القبيلة لإبراز فنونها ورموزها ولغتها "اللوشوتسيدية" في المناطق المخصصة للجمهور بمحيط الملعب، في محاولة لاستعادة السردية التي اختزلت السكان الأصليين طويلاً في كتب التاريخ كـ "شعوب منقرضة".
ربما لهذا تبدو سياتل 2026 أكثر من مجرد محطة كروية للفراعنة. فعندما تنطلق صافرة البداية في "لومين فيلد"، لن يركض لاعبو مصر فوق عشب ملعب فحسب، بل فوق طبقات من تاريخ لا يقل عمقًا عن أي حضارة عرفها العالم.
فانكوفر.. المونديال يضع كندا أمام مرآة التاريخ
وحين يتوجه المنتخب المصري لخوض مباراته الثانية في فانكوفر، التي تبعد ساعات قليلة شمالاً عن سياتل، سيكتشف الفراعنة فصلاً آخر من الحكاية نفسها.
فقبل دوي صافرة بداية مباراته أمام نيوزيلندا، ستتوقف الموسيقى في المكبرات الداخلية للملعب لتمرير رسالة استثنائية تقول: "نقرّ بأن هذه الأرض تقع فوق الأراضي التقليدية التي لم تتنازل عنها شعوب موسكيوم وسكواميش وتسليل-واتوث".
هذه الرسالة، التي تظهر بشكل دائم على الموقع الرسمي للجنة المحلية المنظمة للمونديال، والتي سيتردد صداها قبل كل مباراة على ملعب "بي سي بليس"، تعكس كيف أصبحت قضية السكان الأصليين في فانكوفر جزءًا من الهوية الرسمية للبطولة.

فذلك الاعتراف، الذي قد يبدو بروتوكوليًا بالنسبة لكثير من الزوار، يحمل في أبعاده دلالات سياسية وتاريخية عميقة. فمصطلح "الأراضي غير المتنازل عنها" يعني أن هذه الشعوب الأصلية لم توقّع تاريخيًا اتفاقيات تتخلى بموجبها عن ملكية أراضيها، وأن وجود الدولة الكندية الحديثة فوقها ما يزال، بالنسبة لكثير من أبناء السكان الأصليين، جزءًا من نزاع تاريخي لم تندمل جراحه بالكامل.
وعلى خلاف المقاربة الأمريكية في سياتل، اختارت السلطات الكندية منح السكان الأصليين دورًا مباشرًا داخل مشروع المونديال نفسه. ففي خطوة وُصفت بالتاريخية، دخلت القبائل الثلاث كشركاء رسميين ومتساوين في التخطيط لاستضافة البطولة.
وتشمل هذه الشراكة تخصيص نحو 18 مليون دولار كندي لدعم مشاريع رياضية وثقافية داخل مجتمعات القبائل الثلاث، من بينها إنشاء ملاعب وبرامج شبابية وفرص اقتصادية مرتبطة بالمونديال.

ويرى قادة تلك القبائل أن المشاركة في الحدث تمثل محاولة لتحويل مفهوم "المصالحة" من خطاب سياسي إلى واقع ملموس، خصوصًا بعد عقود من السياسات التي استهدفت السكان الأصليين، وفي مقدمتها نظام "المدارس السكنية القسرية" الذي سعت من خلاله الدولة الكندية إلى محو لغاتهم وثقافاتهم.
لكن خلف هذه الصورة الاحتفالية، تواجه فانكوفر أسئلة أكثر تعقيدًا حول الثمن الاجتماعي للمونديال.
فبموجب اشتراطات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فُرضت "منطقة نظيفة" بقطر كيلومترين حول ملعب "بي سي بليس" لضمان ظهور المدينة بأفضل صورة أمام الجمهور العالمي، وهي بقعة أقرت فيها اللجنة المنظمة قواعد صارمة تتعلق بالنظافة، واستخدام المساحات العامة، وضبط اللوحات الإعلانية.
وامتد هذا النطاق الجغرافي ليتداخل مع أجزاء من حي "داون تاون إيست سايد"، الذي يعيش ثلثا سكانه تحت خط الفقر، مما فجّر جدلاً واسعًا حول ما يُعرف بـ "منطقة التجميل"، بعدما نقلت تقارير محلية شكاوى من نشطاء ومشرّدين تحدثوا عن ضغوط لإزالة خيامهم ومواقع نومهم المؤقتة القريبة من الملعب والمسارات السياحية الرئيسية.
وتزداد القضية حساسية بالنظر إلى الحضور الكبير واللافت للسكان الأصليين بين فئات المشرّدين في فانكوفر؛ نتيجة تراكمات تاريخية ممتدة من الفقر والتمييز، والإرث الثقيل لسياسات الاستيعاب القسري، وهو تناقض دفع تقارير حقوقية إلى اعتبار هذه الإجراءات والقيود محاولة غير معلنة لإخفاء مظاهر الفقر في المدينة، وتجميل وجهها على حساب الفئات الأكثر استضعافًا.

وهكذا تبدو فانكوفر 2026 مدينة تسير على خيط دقيق بين صورتها العالمية كمدينة متعددة الثقافات، وبين واقع اجتماعي معقد تمتد جذوره لقرون، ولا يمكن إخفاؤه بالكامل خلف المدرجات الحديثة واحتفالات المونديال.
مدن كأس العالم.. خرائط حديثة فوق ذاكرة السكان الأصليين
ولا يقتصر هذا الصراع الخفي بين الحاضر والذاكرة على الملاعب التي تطأها أقدام الفراعنة فحسب، إذ تضم قائمة المدن المضيفة الأخرى في أمريكا الشمالية محطات أخرى تروي فصولاً مشابهة من تاريخ النزاع على الأرض، وإن تباينت التفاصيل السياسية والتاريخية.
تورونتو.. مسرح حديث على أنقاض ذاكرة الماضي
ففي تورونتو، ينطق المكان ذاته بذاكرته القديمة؛ فالمدينة التي تستمد اسمها من كلمة 'تيكارونتو' بلغة السكان الأصليين، والتي تعني "مكان تواجد الأشجار في الماء"، يمثل ملعبها "BMO Field" اليوم مسرحًا تتقاطع فيه الحداثة الكندية المعاصرة مع الأراضي التاريخية الموروثة من قبائل "الأنشينابي"، و"الهودينوشوني"، و"الميسيسوجا".

مكسيكو سيتي.. اللعب فوق عاصمة الأزتيك
وفي مكسيكو سيتي، لا يحتاج الأمر إلى كثير من التنقيب لاكتشاف المفارقة. فالعاصمة المكسيكية تقف حرفيًا فوق أنقاض "تينوتشيتلان"، عاصمة إمبراطورية الأزتيك التي دمرها الغزو الإسباني. وفي قلب هذه المدينة، يقف ملعب "أزتيكا" كرمز مزدوج؛ فهو من جهة أحد أشهر ملاعب العالم، ومن جهة أخرى يحمل اسم حضارة مفقودة لم تُمحَ تمامًا من الذاكرة. وبينما تُستدعى رموز الأزتيك في الهوية الوطنية المكسيكية، يظل أحفاد شعوب "الناهوا"، ورثة تلك الحضارة، على هامش الحاضر وسط تحديات الفقر والتهميش الاجتماعي.

ميامي.. إمبراطورية السيمينول الاقتصادية
وفي ميامي، تأخذ القصة منحى مختلفًا وأكثر حداثة في شكلها، لكنه لا ينفصل عن جذوره التاريخية. فملعب "هارد روك" في ولاية فلوريدا، يحمل مفارقة لافتة؛ إذ تعود ملكية العلامة التجارية العالمية الشهيرة "هارد روك" (التي يحمل الملعب اسمها بموجب عقد رعاية وضخ مالي ضخم) بالكامل لقبيلة "السيمينول". هذه القبيلة التي خاضت حروبًا ضارية ضد الجيش الأمريكي في القرن التاسع عشر، تحولت اليوم إلى قوة اقتصادية كبرى تمتلك واحدة من أبرز العلامات التجارية في عالم الترفيه، في نموذج نادر لفرض السيادة من خلال المنظومة الرأسمالية الحديثة.

كانساس سيتي.. أصحاب الاسم خارج الحدود
وفي كانساس سيتي، يبدو التناقض أكثر حدة في رمزيته. فاسم المدينة نفسه يعود إلى قبيلة "كانسا" أو "كاو" التي عاشت لقرون في سهول المنطقة قبل أن تتعرض للتهجير القسري نحو أوكلاهوما في القرن التاسع عشر. واليوم، تحمل المدينة اسم القبيلة في خرائطها وشعاراتها، بينما يعيش أصحاب الاسم التاريخيون خارج حدودها الجغرافية الأصلية، في مفارقة تعكس حضور الذاكرة وغياب أصحابها.

لوس أنجلوس.. خرسانة فوق مقدسات تاريخية
أما في لوس أنجلوس، فتفرض الحداثة حضورها الباذخ، لكن تحتها طبقة أخرى من التاريخ لا تقل ثقلًا. فملعب "سوفي" الشهير يقع على أراضٍ كانت موطنًا لشعبي "التونجفا" و"تشوماش"، قبل أن تؤدي عمليات الاستعمار الإسباني ثم التوسع الأمريكي إلى تهجيرهم من السواحل ومناطقهم المقدسة. واليوم، لا تزال مجموعات من أحفاد هذه الشعوب تناضل من أجل استعادة الاعتراف بمواقعها التاريخية، في مدينة تُبنى باستمرار فوق طبقات متراكمة من الذاكرة والخرسانة.

وهكذا، لن تبدو المدن المضيفة مجرد مسارح لكرة القدم، بل مساحات تتقاطع فيها هتافات الجماهير مع ظلال تاريخ طويل لم يختفِ تمامًا. فمن ميامي إلى سياتل، ومن فانكوفر إلى مكسيكو سيتي، سترافق المباريات روايات عن الأرض والهوية والذاكرة، حتى وإن بقيت خارج زاوية الكاميرات.
نرشح لكم
بمشاركة مصر والمغرب.. السنغال تستضيف كأس الأمم الإفريقية للكرة الشاطئية
"بين الشكل الطبيعي والمجموعتين".. في الجول يكشف ما يدور بشأن ملامح الدوري في الموسم المقبل
أمين عمر حكما لمواجهة المصري ضد الأهلي.. وناجي لمباراة بيراميدز أمام سموحة
الألماني ستيجمان حكما لمواجهة الزمالك ضد سيراميكا كليوباترا في ختام الدوري
خبر في الجول - اتفاق مبدئي بين اتحاد الكرة ورويز على التجديد.. وموعد الحسم
خبر في الجول - موعد إعلان حسام حسن لقائمة كأس العالم النهائية.. وعدد اللاعبين
مصدر من اتحاد الكرة يكشف لـ في الجول تفاصيل رحلة منتخب مصر لمواجهة البرازيل ثم المعسكر
الأهلي يعلن تعرض توروب لوعكة صحية استدعت نقله إلى المستشفى












مصر
كأس العالم