تحقيق في الجول – كيف تفقد مصر ثرواتها الكروية؟ فتش عن الطب الرياضي

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2016 - 14:54

كتب : فادي أشرف أحمد العريان

صورة مجمعة لمجموعة من مصابين الأهلي والزمالك

حتى الرابعة إلا ربع من بعد ظهر يوم 8 نوفمبر كان مصطفى فتحي مصابا بقطع في غضروف الركبة ويستعد لإجراء عملية جراحية ولكن ما حدث بعد ذلك دفعنا للبحث في هذا الملف.. الطب الرياضي في مصر.

مصطفى فتحي

النادي : الزمالك

علي فتحي

النادي : الإنتاج الحربي

"كنت في غرفة العمليات أستعد للخضوع للعملية، بل وتم تجهيز حقنة البنج لكن الطبيب رأى أن قدمي ليست متورمة، فنظر للأشعة وتعجب ثم قال لي انهض وارحل، العضروف ليس مقطوعا والأمر عبارة عن كدمة قوية فقط"، هكذا أتت تصريحات مصطفى فتحي بعدما عرف أنه ليس محتاجا لجراحة، ولكن طبيب الزمالك السابق أيمن زين وصاحب تشخيص القطع صرح بعدها أن تشخيصه للحالة "سليم، عرضنا مصطفى فتحي على أحمد عبد العزيز أكبر جراحين المناظير في مصر، وقال التشخيص ذاته وأكد حالته.. وكان النقاش دائرا حول هل يحتاج لاستئصال أم لخياطة. وجود قطع أمر مفروغ منه.. وهذا تشخيصي وتشخيص دكتور أحمد عبد العزيز، كونه ذهب لطبيب آخر فأنا لست ملزما به وغير مسؤول عنه. سواء خضع لجراحة أم لا، الأيام المقبلة ستثبت إصابته وأخشى على اللاعب من عدم خضوعه للجراحة لأنه ثروة لمصر والزمالك".

من تصريحات أيمن زين تبدأ رحلتنا للتحقيق عما يحدث، وكيف قد يتسبب التشخيص الخاطيء للإصابات في ضياع ثروات للأندية والمنتخبات.

معلومات مهمة قبل بداية قراءة التقرير

في المباريات الـ8 السابقة للأهلي في الدوري غاب عن الفريق 8 لاعبين، بسبب إصابات تتراوح بين نزلات البرد والمشاكل العضلية، والأخيرة غاب بسببها أحمد حجازي وباسم علي وعلي معلول، بجانب إصابة رامي ربيعة في غضروف الركبة دون ذكر إصابة مروان محسن الصفقة الجديدة للفريق. نحن هنا نتحدث عن الإصابات العضلية فقط وليست الناتجة عن الالتحامات مثلا. لنا فيها حديث أخر.

الأمر في الزمالك كان أكثر حدة، فغاب 12 لاعبا عن 4 مباريات للفريق بشكل متفاوت وتسببت الإصابات العضلية في غيابات لعلي جبر ومحمد مجدي وستانلي وأيمن حفني.. هذه الإحصائية لا تتضمن إصابتي محمد مسعد وعلي فتحي المنتقلان حديثا للفريق.

هل تشخيص الإصابة وتحديدها هو ما يسبب الأزمة؟

يقول عبد الله جورج أحد الأطباء المخضرمين في المجال وعمل طبيبا للزمالك لفترة طويلة: "التشخيص الصحيح لا يحتاج لكل هذه الضوضاء، الأمر أبسط كثيرا".

وأضاف معلقا على ما حدث مع مصطفى فتحي "هناك احتمالية أن الأشعة تكون قد قرأت بشكل خاطيء، ولكن على كل الأطباء أن يفكروا دائما أنهم يعالجون مريضا ولا يعالجون الأشعة".

وشدد "الأهم من الأشعة هو الكشف السليم على المريض (اللاعب)".

وكشف الطبيب المخضرم عن ميزة يحصل عليها طبيب الفريق مقارنة بأي طبيب، هو رؤيته لكيفية حدوث الإصابة خلال المران أو المباريات، وهو ما يساعده على تكوين فكرة مبدئية عن ماهية الإصابة.

في المقابل، يقول رمضان أحمد طبيب نادي الاتحاد السكندري بالنسبة لحالة مصطفى فتحي إن الفارق بين القطع في الغضروف والكدمة لا يحتمل خطأ في التشخيص.

طبيب الأهلي السابق إيهاب علي طرح وجهة نظر مختلفة حيث قال: "التشخيص الطبي يحكمه أمران، تقدير الطبيب وأشعة الرنين المغناطيسي".

ويشرح "في بعض الحالات، الأشعة لا تبين الإصابة وتستمر شكوى اللاعبين منها، بالتالي علينا كأطباء في هذه الحالة اللجوء إلى المنظار من أجل معاينة الإصابة".

ويكشف "في إصابات الرباط الصليبي للاعبين مثل أحمد حسن ومعتز إينو لم تظهر الأشعة الإصابة ولجأنا للمنظار الذي أظهر الإصابة".

ولكنه التمس العذر لأطراف أزمة مصطفى فتحي على سبيل المثال حيث قال "إصابات الغضروف أصعب في الكشف، الطب ليس 1+1=2، الأمر فيه ما هو أكثر من ذلك. الأفضل في الإصابات مثل تلك الاستفادة من كلام اللاعب حول الإصابة والرجوع للأشعة. إذا اتفق الأمران تصبح الإصابة مؤكدة، أما إذا استمرت شكوى اللاعب في حال عدم ظهور الإصابة في الأشعة علينا اللجوء للمنظار".

وأتم في حديثه عن هذه النقطة "أحيانا القطع في الغضروف يكون شق بسيط شبيه بعروة القميص لا يظهر في الأشعة".

عدنا لـ مصطفى المنيري رئيس الجهاز الطبي للزمالك حاليا، والذي تم تعيينه على إثر رحيل زين بسبب أزمة مصطفى فتحي حسب تصريحات رئيس النادي مرتضى منصور حيث قال: "في حالة مصطفى فتحي فأنا لم أتابعها سوى من وسائل الإعلام، وما قيل عن اختلاف التشخيص سواء قطع أو كدمة غير جائز بالنظر لأن الأشعة تبين ذلك بسهولة.. وكيف من الأساس أن يصل اللاعب لغرفة العمليات دون التأكد من إصابته؟".

اختلاف وجهات النظر بين الأطباء المتخصصين أنفسهم منعنا كغير متخصصين في الوصول لحقيقة الأمر، موعد عودة مصطفى فتحي للتدريبات وشكوته من عدمها من الإصابة سيكون المحك في تفسير الأمر.

إصابة مقاربة لما حدث لمصطفى فتحي تكررت مع أكرم توفيق لاعب الأهلي مع منتخب الشباب، لكن الفارق هو عدم خضوعه للكشف الطبي فور حدوث الإصابة بسبب عدم وجود طبيب للمنتخب بعد رحيل المنيري للزمالك.. معلقا عن هذه الإصابة يقول إيهاب علي: "سرعة التشخيص أمر هام جدا، لكن سرعة التدخل ليست مطلوبة دائما. الأمر يختلف حسب نوع الإصابة. هناك إصابات تستلزم التدخل الطبي السريع وأخرى تستوجب الهدوء ووضع حدود معينة للاعب من قبل الطبيب".

أما المنيري، فقال: "وجودي مع الفريق لم يكن ليفرق، فالطبيب يكون دوره هاما بالحالات الحرجة التي تستلزم التدخل للعاجل، أما في حالة أكرم توفيق فكنت سأكشف عليه ثم سأحتاج للأشعة أيضا كي أكتشف حقيقة إصابته، فبالتأكيد لن أجري له العملية بالملعب".

تصريحات الأطباء قادت مسار التحقيق لطريق أخر، الإصابات المزمنة وكيفية تفادي الإصابات من الأساس..

يقول إيهاب علي: "في التعامل مع الإصابات المزمنة علينا التعامل مع العرض والتأكد من زواله قبل التعامل مع مسببات ذلك العرض. مثلا هناك إصابة التهابات الحوض، علينا علاج الالتهابات والتأكد من تناسق المجموعات العضلية قبل علاج مسببات ذلك الالتهاب لأن في حال بقائها سيعود الالتهاب بكل تأكيد".

أما عبد الله جورج فيقول "الطبيب له دور كبير في تفادي الإصابات إذا كان (دكتور فاهم). مثلا مع المدربين كنت أنصحهم بطرق تدريبية معينة للاعب، أو عدم قابلية لاعب لأن يتدرب تدريب معين، وللحقيقة كان المدربين الأجانب يستمعون لنصائح الطبيب أكثر من نظرائهم المصريين، هذا هو دور الطبيب في تفادي الإصابات".

ويضيف "تغيير الأطباء بشكل سريع خطأ كبير، الطبيب ليس مسؤول عن حدوث الإصابة بل عن مدة العلاج وسرعة وعودة اللاعب للتدريبات.. أما الإصابات العضلية فهي مسؤولية المدرب ثم المدرب ثم المدرب".

وشدد جورج "طول مدة العلاج طبعا مسؤولية الطبيب، لابد أن يعلم ما يعمله ولا نقدر أن نخلي مسؤوليته عن ذلك الأمر. الشد يأخذ وقت معين والتمزق كذلك والتواء الكاحل والغضروف، كل إصابة لها متوسط طول غياب وإذا طال ذلك الغياب وتكرر الأمر مع أكثر من لاعب فمن المؤكد أن هناك أمر ما يتم بشكل غير سليم".

وأتم الطبيب المخضرم "كارثة أخرى هي اللاعبون الذين ينضمون للفريق مصابين.. هل تعرضوا لكشف طبي وكيف كان هذا الكشف؟ الأمر يحتاج خبرة ولكنه ليس صعبا لتلك الدرجة!".

3 حالات كانوا حديث الوسط الكروي، هي اكتشاف إصابة هيرفي نليند لاعب الاتحاد السكندري سابقا بالإيدز وإنهاء عقده، وإصابتي علي فتحي ومحمد مسعد لاعبا الزمالك التي تستمر منذ انضمامهما للفريق وحتى الآن.

يقول مصطفى المنيري: "في فترة تواجدي السابقة بالزمالك كنا نقوم بكشف طبي تفصيلي على كل اللاعبين قبل التوقيع للنادي، وحين نكتشف أي إصابة نخطر بها الإدارة لتتخذ القرار الصائب. لم أكن متواجدا خلال فترة تعاقد الزمالك مع علي فتحي ومحمد مسعد. لكني أثق أن الجهاز الطبي للنادي أجرى الكشف الطبي عليهما قبل التوقيع".

علي فتحي يغيب عن الزمالك بسبب إصابة في الوتر الردفي للركبة منذ مباراة إنيمبا في دور الثمانية لدوري أبطال إفريقيا في 15 أغسطس الماضي، أما مسعد فلم يلعب منذ انضمامه للفريق بسبب إصابة في الغضروف، وكشف مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك عن علمه السابق بإصابة مسعد قبل التوقيع معه، وأنه وافق على انضمامه للفريق على هذا النحو، أما وكيل اللاعب فقد اتهم طبيب الفريق (السابق والحالي) وليد عبد الرحمن بالتشخيص الخاطيء الذي أدى لطول مدة الإصابة. (طالع التفاصيل)

طبيب الاتحاد السكندري رمضان أحمد تحدث أيضا عن الكشف الطبي في فريقه، والذي صار أمرا مهما بعد اكتشاف إصابة نليند بالإيدز حيث قال: "مع حضور أي لاعب، نحلل الدم لكشف فيروسات A وB وC للكبد، والإيدز، بجانب رسم القلب ورسم القلب بالمجهود".

وأضاف "نجري أيضا كشفا دقيقا على الجسم، وهل أجرى عمليات سابقة أو دخل منظار في ركبته.. الكشف النظري يوضح لو هناك أي إصابة مزمنة".

ولكن الطبيب نفسه أتم موضحا المشكلة الكبرى "في الطبيعي نجري الكشف الطبي قبل التوقيع، ولكن مع نليندلم يعرض اللاعب علي سوى بعد التوقيع".

اختلاف وجهات النظر بين الأطباء جعلنا ننظر لما يفعله العالم في مجال الطب الرياضي وخاصة كرة القدم.

ديف فيفري طبيب مانشستر يونايتد السابق قال لموقع "فور فور تو":"التعاقد مع لاعب يشبه شراء سيارة مستعملة، يمكن أن تغامر وتعتمد على الشكل الخارجي وتشتريها أو قد تكون أكثر حكمة فتلجأ إلى الخبراء لتسألهم عن حالتها التي لا تستطيع أن تتأكد منها بنفسك"

ويقول جاري فليمنج طبيب فريق نوتنجام السابق وصاحب الخبرة الكبيرة في هذا المجال لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "عندما ينضم إلينا لاعب جديد نسأله إذا كان قد أحضر معه فحوصات طبية سابقة من ناديه، ويتضمن ذلك مثلا صور أشعة X-Ray وأيضا عن تاريخ عائلته صحيا".

تضيف شارلوت كوي طبيبة توتنام هوتسبير وفولام السابقة "أحيانا يأتي لاعبون بفحوصات كثيرة، وقد يأتي آخرون دون أي أوراق طبية. وهناك نوع ثالث يأتي بفحوصات بلغة بلده الأصلي ولا نفهمها".

بعدها يبدأ العمل الحقيقي من الجهاز الطبي للنادي الذي سيتمم الصفقة.

لتفاصيل أكثر عن الكشف الطبي، ينصح بقراءة تقرير في الجول - كيف يوفر الكشف الطبي مشوار إصلاح السيارة المستعملة

يتضمن الكشف الطبي فحصا خاصا لعمل عضلة القلب وسرعة النبضات من خلال جهاز التخطيط الكهربائي للقلب.

يسجل التخطيط الكهربائي للقلب النشاط الكهربائي للقلب، حيث أن القلب ينتج نبضات كهربائية صغيرة تنتشر من خلال عضلة القلب وتتسبب في حدوث انقباض، ويمكن الكشف عن تلك النبضات من خلال جهاز التخطيط الكهربائي للقلب.

هناك أيضا فحوصات طيبة يخضع لها اللاعب للكشف عن صحته بشكل عام، وتشمل جلسات تصوير بالرنين المغناطيسي وتحليلات للدم وأحيانا للبول.

يهتم الجهاز الطبي بالتأكد من القدرات العضلية للاعب، ولكن يكون التركيز أكثر على المناطق الأضعف المعتادة في الجسد مثل عضلات الظهر والحوض وأوتار الركبة.

ويحاول الأطباء التأكد من أداء العضلات لوظائفها بشكل عادي أثناء حركة اللاعب ولذلك تجد الصور التي يطلبون فيها من اللاعب الركض أو القفز أو أداء مران معين في صالة الجيمانزيوم.

الكشف الطبي يستطيع أن يكتشف أيضا الإصابات التي تعرض لها اللاعب سابقا، ولا حاجة لسؤاله.

في هذه الخطوة، يخضع اللاعب لفحص بالرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية.

تلك الفحوصات تظهر كل تفاصيل العضلات والمفاصل في جسد اللاعب، ويكون من السهل جدا اكتشاف تاريخ إصاباته.

من المنطقي أن تحاول الأندية التأكد من لياقة اللاعب ومدى حفاظه على جسده، لذلك هناك اختبار خاص لقياس حجم الدهون عن طريق جهاز صغير في الحجم ولكن نتائجه عظيمة.

يتم استخدام جهاز لقياس الدهون يرسل إشارات كهربائية من خلال الجسم، وفي العادي لا تزيد نسبة الدهون في جسد اللاعب عن 10%.

يتم قياس سرعة اللاعب، وقد يطلب منه ركض مسافة معينة خلال زمن محدد.

والشائع أن يطلب من اللاعب أن يركض 20 مترا في 3 ثوان.

ويتم وضع كاميرات لتصوير حركة اللاعب بدقة أثناء الركض.

هل نقوم بتلك الأشياء في مصر؟ كثرة وطول غياب اللاعبين المصابين تنفي ذلك نفيا قاطعا، وفي الأساس لا تمتلك الأندية بعد تلك الأجهزة التي تستخدم في هذه الكشوفات.

----------

نشكر الزملاء محمد البنا وأمير عبد الحليم وأحمد الخولي وهاني العوضي الذين أسهموا بشكل كبير في إتمام التحقيق.

نرشح لكم
التعليقات
قد ينال إعجابك