كتب : هاني عسل | الأحد، 19 يونيو 2005 - 22:01

مافيش راجل يفكني؟!!

بمناسبة مباراة كوت ديفوار ومصر .. وبمناسبة التعليقات الصاخبة التي ستنهال على آذاننا من هنا وهناك عن الخطة الدفاعية لحسن شحاتة وعن خوف اللاعبين و"شيطنة" دروجبا .. اسمعوا معي هذه الحكاية الحقيقية التي شاهدتها بأم عيني في مقهى عام .. أنيق إلى حد ما .. في مكان ما على أرض مصر.

شاب مسكين شاهد المباراة بالكامل واقفا وسط الزحام متكئا على سور حديدي .. حضر إلى المكان متفائلا بفوز مصر .. أو هكذا قيل له .. لاحظت أنه كان يتابع المباراة على فترات .. يشاهد خمس دقائق ثم يجلس القرفصاء دقيقة للراحة .. اكتشفت أنه بقدم واحدة .. وأن القدم الأخرى صناعية .. تحمل عبء ثمن المشروب الإجباري في المقهى لكي يشاهد المباراة .. مظهره لم يكن يدل على أنه من الأثرياء ، بل قل ممن ينطبق عليهم قانون الضرائب الجديد!

مع صفارة البداية ، ظهرت ملامح الخوف على وجوه عشرات الجالسين في المقهى ، وكانوا من أعمار وفئات اجتماعية متباينة ، تجاذب الشاب أطراف الحديث مع بعض الحاضرين ، علت الأصوات بالتوقعات والآمال ، واختتمها صاحبنا بقوله بكل ثقة : "إن شاء الله نكسب اتنين النهاردة"!

أحرزت كوت ديفوار هدفها الأول مبكرا ، فبدت ملامح الحزن على صاحبنا ، ولكنه بعد دقيقة واحدة قال بكل هدوء لمن حوله : "جول فطيس .. إن شاء الله ها نعوض .. عملناها مع ليبيا"!

المنتخب المصري ما زال خائفا .. لا يريد الهجوم .. قال صاحبنا "دي تعليمات المدرب يا جماعة .. الهجوم في الشوط الثاني بعد نزول ميدو ، هوة محوشه ليه ، خليكوا ناصحين"!

شاب آخر كاد أن يحرق بنطلون زميله بنار الشيشة عندما قام بحركة عصبية في نهاية الشوط الثاني عندما تباطأ محمد شوقي في إلقاء رمية تماس فاضطر الحكم إلى إنهاء الشوط ليضيع علينا فرصة ، ولكن صاحبنا قال لهم بكل ثقة : "يا جماعة اهدوا لسة فيه شوط كامل".

مع بداية الشوط الثاني ، أحرز الأفيال هدفهم الثاني ، فصفق الحاضرون شماتة وربما استياءً ، وعلت أصوات النرفزة والعصبية ، خاصة وأن صاحب المقهى بدأ "يلم الحساب من الناس إللي قاعدين وإللي واقفين كمان" .. "الأسعار نار" .. "صاحب القهوة ده راجل استغلالي فعلا" ، كانت هذه تعليقات الحاضرين ، وأحدهم خرج من بعد الهدف الثاني غاضبا وهو يسب ويلعن قائلا : "خسارة فيهم كباية الشاي" .. طبعا يقصد لاعبي المنتخب!

صاحبنا ما زال عند وعده لنفسه ، فهكذا تعلم ، وهكذا قرأ ، وهكذا شاهد ، وعندما أحرز ميدو هدفا ، طار صاحبنا من الفرح مع جميع الحاضرين : "جول .. الله أكبر .. كدة نجيب جون كمان نتعادل .. وجون تالت نكسب"!

وصدرت التعليقات من هنا وهناك ، ومضت دقيقة كاملة قبل أن يدرك الحاضرين أن علو أصواتهم أثناء الاحتفال بالهدف الوهمي لم يجعلهم يسمعون صفارة الحكم الذي ألغى الهدف بداعي التسلل!

الصدمة كانت عنيفة على الشاب إياه .. وعنفها زاد عندما شاهد الجميع لاعبي الأفيال يتلاعبون بمنتخبنا في الشوط الثاني ، في الوقت الذي قيل فيه إننا بدأنا نهاجم!

صاحبنا أفاق لنفسه الآن ، والحمد لله أنه أفاق من الصدمة قبل نهاية المباراة ، فبدأ يجلس أكثر مما يقف ، قدمه غير السليمة بدأت تؤلمه أكثر ، وبعد صفارة النهاية فوجئت به يبكي من الحزن وهو يسير في شارع وآخر ، ودفعني الفضول لأرى المكان الذي سيستقر عنده لأعلم ما وراءه .. فكانت صدمتي عنيفة عندما وجدته يجلس على أحد الأرصفة لكي .. "يشوي الذرة"!

وجدته يشعل الفحم ويبدأ في التهوية بعنف ممزوج بالأسى على كيزان الذرة كرجل ينفث سيجاره من الغيظ ، وكأنه - أي صاحبنا - يريد أن يلوم نفسه على الساعتين اللتين أضاعهما في مشاهدة المباراة على حساب "أكل عيشه"!

يا جماعة .. نحن الشعب الوحيد الذي يتعامل مع الرياضة أو مع كرة القدم على أنها مكسب فقط ، الهزيمة عندنا تعني نهاية العالم دائما ، ولكننا يجب أن نكسب سواء كنا الأضعف أو الأقوى .. بالذوق بالعافية لازم نكسب .. نحن الفريق الوحيد في العالم الذي يدخل كل مباراة في كرة القدم في أي مكان على وجه الأرض ونحن نثق في الفوز ، بغض النظر عن حسابات القوة والخسارة ، فالحسابات عندنا لا تعتد بحسابات الملعب ، بقدر ما ما تعتمد على حسابات التاريخ والحضارة ولأن عندنا الأهلي والزمالك!

على مدى الأسبوعين الماضيين فقط شاهدنا مصر وهي مطالبة بالفوز على ألمانيا .. وبالفوز على الأرجنتين .. وبالفوز على الولايات المتحدة .. ثم بالفوز خارج ملعبنا على فريق هزمنا على أرضنا ، أقصد كوت ديفوار!

نعم حسن شحاتة أخطأ لأنه لعب بتشكيل دفاعي "جبان" منذ البداية ، وفي المقال السابق قلت له نصيحة : "إلعب لكي تفوز من الدقيقة الأولى ، وإذا خسرت بعشرة أهداف فلن يلومك أحد ، ولن يغضب أحد" ، ولكنه لم يفعل وخذلني ، ولعب بطريقة كووووووووول المدربين الذي

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات