داخل عقل دي لا فوينتي.. القصة الكاملة لهيمنة إسبانيا على فرنسا
الخميس، 16 يوليه 2026 - 16:29
كتب : عمر مختار
إسبانيا ضد فرنسا
قبل صافرة البداية، بدت مواجهة إسبانيا وفرنسا وكأنها نهائي مبكر.
أفضل هجوم في البطولة أمام المنتخب الأكثر اكتمالًا من الناحية الجماعية.
منتخب فرنسا، الذي دخل المباراة وهو يملك أكبر قدر من الجودة الفردية في الثلث الأخير، كان مطالبًا أخيرًا بإيقاف سلسلة تفوق إسبانيا المستمرة منذ صيف 2024، بعد خروجه أمام الاروخا في نصف نهائي بطولة أوروبا ثم دوري الأمم الأوروبية.
لكن ما حدث على أرض الملعب لم يكن مجرد فوز إسباني جديد. بل كان عرضًا تكتيكيًا متكاملًا.
سيطر المنتخب الإسباني على المباراة منذ الدقائق الأولى، ونجح في تحييد أخطر خط هجومي في العالم، بينما عجز الفرنسيون عن صناعة فرص حقيقية، لينهوا اللقاء بأهداف متوقعة بلغت 0.30 فقط، في حين جاءت أول تسديدة لهم على المرمى من داخل منطقة الجزاء في الدقيقة 91.
لم يكن ذلك نتيجة استحواذ أطول فحسب، بل نتيجة تفوق واضح في جميع مراحل اللعب؛ من البناء، إلى تجاوز الضغط، إلى الدفاع، وحتى إدارة إيقاع المباراة.
بناء اللعب... حيث بدأت المباراة
استحوذ المنتخب الإسباني على الكرة منذ البداية، لكنه لم يكن يبحث عن الاحتفاظ بها لمجرد الاحتفاظ. كان الهدف هو تحريك الكتلة الدفاعية الفرنسية.
عند امتلاك الكرة، حافظ منتخب لويس دي لا فوينتي على هيكل واضح 2-3-5.
تمركز قلبا الدفاع في الخلف، بينما شكّل رودري مع بيدرو بورو وكوكوريا خط الثلاثة أمامهما، مع اختلاف الأدوار بين الجهتين.
على الجانب الأيسر، دخل مارك كوكوريا باستمرار إلى نصف المساحة اليسرى، بينما حافظ أليكس بايينا على العرض الكامل للملعب. لكن هذه المواقع لم تكن ثابتة.
فعندما يتقدم كوكوريا، يتراجع فابيان رويز إلى مركز لاعب الوسط الأيسر، وإذا صعد فابيان، يعود كوكوريا إلى الخلف. وتكرر النمط نفسه في الجهة اليمنى بين بورو ورودري.
هذا التبادل المستمر في المراكز لم يكن مجرد حركة جمالية، بل كان وسيلة لإجبار فرنسا على اتخاذ قرارات دفاعية متواصلة، وهو ما شكّل الأساس الذي بُني عليه الأداء الإسباني طوال المباراة.
في المقابل، دافع منتخب فرنسا بكتلة متوسطة 4-4-2 مع مبابي وأوليس في المقدمة، بينما انكمش خط الوسط لإغلاق العمق.
لكن تمركز مبابي بالقرب من باو كوبارسي، نتيجة ميله الطبيعي للبقاء أقرب إلى الجهة اليسرى، منح إيمريك لابورت حرية أكبر في التقدم بالكرة، وهو ما جعل معظم عمليات البناء الإسبانية تبدأ عبر الجهة اليسرى.
ولمواجهة التفوق العددي الإسباني في الثلث الأخير، اضطر أدريان رابيو في كثير من الأحيان إلى التراجع بجوار قلبي الدفاع لتكوين خط دفاع خماسي مؤقت، في محاولة لمعادلة الأعداد داخل منطقة الجزاء.
إلا أن المشكلة لم تكن في عدد اللاعبين، بل في قدرتهم على التعامل مع التحركات المستمرة لإسبانيا دون كرة.
هذه التحركات هي التي صنعت الفارق الحقيقي بين المنتخبين منذ الدقائق الأولى.
كيف كسر منتخب إسبانيا الكتلة الفرنسية؟
إذا نظرنا إلى الرسم التكتيكي فقط، فقد يبدو أن منتخب فرنسا نجح في تنفيذ ما كان يخطط له.
كتلة دفاعية متوسطة بهيكل 4-4-2، خطوط متقاربة، إغلاق للممرات المركزية، ومهاجمان جاهزان للانطلاق في التحولات بمجرد استعادة الكرة.
لكن ما لا يظهر على اللوحة التكتيكية هو أن التنظيم الدفاعي لا يعتمد فقط على أماكن اللاعبين، بل على القرارات التي يُجبرون على اتخاذها. وهنا بدأ منتخب إسبانيا في فرض سيطرته.
منذ الدقائق الأولى، تعمد منتخب إسبانيا خلق زيادة عددية في العمق، ليس من خلال إرسال المزيد من اللاعبين إلى المركز، بل عبر تغيير مواقعهم باستمرار.
كان أليكس بايينا يترك الخط ويدخل إلى الداخل، بينما يتقدم مارك كوكوريا في اللحظة نفسها إلى المساحة التي أخلاها زميله. وبعد ثوانٍ، ينعكس المشهد؛ يعود كوكوريا إلى الخلف، ويتحرك فابيان رويز إلى الأمام، ليجد المدافع الفرنسي نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار جديد.
لم يكن السؤال بالنسبة لفرنسا من يملك الكرة؟ بل من يجب أن أراقب الآن؟
وهذا هو الفارق بين الاستحواذ التقليدي والاستحواذ الذي يعتمد على التفوق الموضعي.
لم يكن منتخب إسبانيا يحاول فقط تحريك الكرة، بل كان يحاول تحريك المدافعين أنفسهم.
ركلة الجزاء... لم تبدأ داخل منطقة الجزاء
الخطأ الشائع عند مشاهدة هذه اللقطة هو الاعتقاد أن الهجمة بدأت عندما تعرض لامين يامال للإعاقة، لكن الحقيقة أن الهجمة بدأت قبل ذلك بعدة تمريرات.
في تلك اللحظة، دخل بايينا إلى العمق، وهو ما أجبر لاعب الوسط الفرنسي على متابعته، بينما اندفع كوكوريا إلى المساحة الخالية على الجهة اليسرى.
فجأة، أصبح على كوندي أن يختار بين خيارين كلاهما سيئ. هل يخرج لمواجهة كوكوريا؟ أم يبقى مع اللاعب الموجود داخل المنطقة؟ لحظة التردد هذه كانت كافية.
استغل كوكوريا المساحة وأرسل كرة عرضية داخل منطقة الجزاء، لتبدأ سلسلة الأحداث التي انتهت بركلة الجزاء.
قد تبدو الحركة بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل أحد المبادئ الأساسية في كرة دي لا فوينتي؛ تحريك الخصم قبل تحريك الكرة.
ولهذا السبب يبدو المنتخب الإسباني دائمًا وكأنه يلعب في مساحات أكبر من منافسيه، رغم أن أبعاد الملعب لم تتغير.
كيف تعامل الإسبان مع ضغط فرنسا؟
كان منتخب فرنسا يعلم أن ترك منتخب إسبانيا يبني اللعب بحرية يعني فقدان السيطرة على المباراة، لذلك حاول الضغط في المرحلة الأولى من البناء، خاصة عند ركلات المرمى.
اعتمد ديشامب على ضغط رجل لرجل، مع محاولة إغلاق جميع الخيارات القريبة من حامل الكرة. لكن رجال دي لافوينتي كانوا مستعدين لهذا السيناريو.
لم يكن الهدف من التحركات المستمرة لفابيان رويز ورودري هو استلام الكرة فقط، بل سحب مراقبيهما خارج مواقعهم.
كلما خرج لاعب فرنسي لمطاردة أحدهما، ظهرت مساحة جديدة خلفه. وهنا ظهر الدور المحوري لداني أولمو وميكيل أويارزابال.
كان كلاهما يتراجع باستمرار إلى العمق، كلاعبين رقم 10 أكثر من كونهم مهاجمين، من أجل استقبال الكرة بين خطوط فرنسا.
وبمجرد نجاح أول تمريرة في كسر الضغط، كان منتخب إسبانيا ينتقل بسرعة إلى الثلث الأوسط وهو يملك تفوقًا عدديًا واضحًا.
هذه ليست مصادفة. بل واحدة من أشهر مبادئ الخروج من الضغط في الكرة الحديثة:
لا تهزم الضغط بالتمرير... بل بالحركة التي تسبق التمريرة.
ولهذا، لم يكن اللاعب الذي يستلم الكرة هو أهم لاعب في اللقطة، بل اللاعب الذي لم يستلمها أبدًا، لأنه هو من سحب المدافع وفتح المساحة.
لماذا لم ينجح الضغط الفرنسي؟
على الورق، كان ضغط فرنسا منطقيًا. لكن التطبيق كشف مشكلتين واضحتين.
الأولى، أن لاعبي الوسط الفرنسيين كانوا يُجبرون باستمرار على الخروج من مواقعهم لملاحقة تحركات رودري وفابيان، وهو ما فتح الممرات بين خط الوسط وخط الدفاع.
أما الثانية، فكانت أن الخط الأمامي الفرنسي لم يكن يتراجع إلى العمق لاستغلال المساحات التي يتركها ضغط إسبانيا.
وبالتالي، كلما نجح الديوك في افتكاك الكرة، كانوا يجدون أنفسهم محاصرين بعدد قليل جدًا من خيارات التمرير.
حتى عندما اضطر منتخب إسبانيا للعب الكرات الطويلة بسبب الضغط، وفاز رجال ديشامب بالصراع الهوائي الأول، لم يستطيعوا تحويل ذلك إلى هجمات مرتدة، لأن التنظيم الدفاعي الإسباني كان جاهزًا مسبقًا لإغلاق خطوط التمرير الثانية واستعادة السيطرة بسرعة.
وهنا ظهر مجددًا تأثير رودري.
لم يكن أكثر لاعبي إسبانيا لمسًا للكرة فحسب، بل كان اللاعب الذي يحدد إيقاع المباراة، سواء بالتمرير، أو بالتمركز، أو بقراءة الخطر قبل حدوثه.
لماذا اختفى الهجوم الفرنسي؟
عندما تنظر إلى أسماء خط الهجوم الفرنسي، فمن الطبيعي أن تتوقع مباراة مليئة بالفرص.
كيليان مبابي. مايكل أوليس. عثمان ديمبيلي. ديزيريه دوي وقبله باركولا. أربعة من أفضل اللاعبين في المواجهات الفردية في العالم.
لكن المشكلة أن المنتخب الإسباني لم يحاول إيقافهم عندما استلموا الكرة. بل منعهم من استلامها أصلًا. وهذا هو الفارق بين الدفاع التقليدي والدفاع الذي يعتمد على السيطرة على المساحات.
المنتخب الإسباني لم يدافع ضد اللاعبين
بل ضد خطوط التمرير
عندما بدأ الفرنسيون بناء اللعب، تمركزوا غالبًا بطريقة أقرب إلى 4-3-3.
كان أوليسي أو رابيو أو كوندي ينضمون أحيانًا إلى الهجوم، بينما بقي تشواميني محور البناء في العمق. في المقابل، لم يغير المنتخب الإسباني هويته.
دافع بهيكل 4-4-2 واضح. لكن الفكرة لم تكن الضغط المستمر، بل إغلاق الممرات التي يريد الفرنسيون اللعب من خلالها.
كان أولمو ويامال وبايينا يعودون باستمرار إلى الداخل لإغلاق خطوط التمرير، بينما حافظ خط الوسط على مسافات قصيرة جدًا بين لاعبيه، الأمر الذي جعل المنتخب الفرنس مضطرًا إلى تدوير الكرة أفقيًا بدلًا من التقدم بها عموديًا.
والنتيجة؟ امتلك منتخب فرنسا الكرة، لكنه لم يمتلك السيطرة.
الضغط الإسباني لم يكن عدوانيًا
بل ذكيًا
من أكثر اللقطات التي لفتت الانتباه كانت ركلات المرمى الفرنسية.
اصطف المنتخب الفرنسي في بناء أقرب إلى 4-2-1-3. ورد الإسبان بضغط 4-4-2 Diamond.
تقدم أولمو وأويارزابال للضغط على قلبي الدفاع، بينما تكفل فابيان رويز بمراقبة تشواميني.
على الورق، بدا أن هذا الضغط يترك فراغًا على جانبي رودري. وكانت هذه بالفعل المساحة التي أراد المنتخب الإسباني أن تبدو وكأنها متاحة. لكن منتخب فرنسا لم يستطع استغلالها. ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية.
أولًا، كان الضغط الإسباني منظمًا للغاية، بحيث يُغلق خيار التمريرة التالية قبل أن تُلعب الأولى.
وثانيًا، وهو الأهم، أن الخط الأمامي الفرنسي لم يكن ينزل إلى تلك المساحات لاستلام الكرة، فبقيت مفتوحة نظريًا، لكنها لم تُستخدم عمليًا.
أولًا، كان الضغط الإسباني منظمًا للغاية، بحيث يُغلق خيار التمريرة التالية قبل أن تُلعب الأولى.
وثانيًا، وهو الأهم، أن الخط الأمامي الفرنسي لم يكن ينزل إلى تلك المساحات لاستلام الكرة، فبقيت مفتوحة نظريًا، لكنها لم تُستخدم عمليًا.
وهكذا، تحولت أفضلية منتخب فرنسا العددية على الورق إلى ميزة بلا قيمة داخل الملعب.
ليطلب ديدي ديشامب بعد 10 دقائق من رابيو بالصعود إلى منطقة أعلى في الملعب خلف تشاوميني، ليجده حارس المرمى مايك ماينان المميز للغاية بقدمه.
لماذا خرج أوليسي من المباراة؟
ربما تكون هذه أكثر نقطة تلخص ما حدث.
قبل المباراة، كان كثيرون يرون أن مايكل أوليسي سيكون مفتاح فرنسا. ليس فقط لأنه أحد أفضل صناع الفرص في العالم، بل لأنه اللاعب الأكثر قدرة على استقبال الكرة بين الخطوط وربط الوسط بالهجوم.
لكن ذلك لم يحدث.
في البداية، لعب أوليسي كلاعب رقم 10 خلف مبابي. ثم تبادل المراكز مع ديمبيلي. ثم بدأ يتحرك إلى الأطراف. ثم اختفى تمامًا.
كل تغيير في مركزه لم يكن حلًا جديدًا، بل كان محاولة للهروب من المشكلة نفسها.
لم يكن منتخب إسبانيا يراقب أوليسي كلاعب. بل كانت يغلق المساحة التي يحب أن يستلم فيها.
ولهذا، لم يكن أمامه سوى خيارين، إما أن يعود بعيدًا عن مناطق الخطورة لاستلام الكرة، أو أن يبقى في الأمام معزولًا. وفي الحالتين، كان منتخب فرنسا يخسر أهم أسلحته الإبداعية.
ليس من المعتاد أن ترى أحد أفضل صناع الفرص في العالم يُستبدل لأنه لم ينجح في التأثير على مجريات اللعب. لكن هذا ما حدث.
ولم يكن بسبب سوء مستواه. بل بسبب جودة الخطة الدفاعية الإسبانية.
وماذا عن مبابي؟
قد تبدو مباراة مبابي سيئة إذا اكتفينا بالأرقام. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
في معظم فترات اللقاء، لم يكن مبابي معزولًا لأنه لم يتحرك، بل لأنه لم يجد الطريق إلى الكرة.
وعندما كان يستلم الكرة بفضل تمريرة أرضية نفذها ديمبلي بصعوبة شديدة وسط حصار إسباني، فإنه كان يجد دائمًا قلب الدفاع إما لابورت أو كوبارسي بجانبه، وهم فقط واجبهم هنا تبطيء اللعب لتحدث عملية التراجع.
ومع مرور الوقت، بدأ يغادر مركز المهاجم أكثر فأكثر، ويتراجع إلى العمق أو يتحرك نحو الجهة اليسرى، فقط ليشارك في بناء الهجمة.
وهذه كانت إشارة واضحة إلى أن منتخب فرنسا فقد قدرته على إيصال الكرة إليه في الأماكن التي يستطيع أن يصنع منها الفارق.
قبل نصف ساعة على النهاية، اضطر مبابي إلى النزول بنفسه لاستلام الكرة بعيدًا عن منطقة الجزاء، فقط ليتمكن من إنهاء هجمة بتسديدة.
وعندما يضطر أخطر مهاجم في العالم إلى القيام بهذه المهمة بنفسه، فهذه ليست مشكلة مهاجم، بل مشكلة منظومة كاملة.
الدفاع الإسباني بدأ من المهاجمين
من أكثر الأمور التي أغفلها كثيرون بعد المباراة هو حجم العمل الدفاعي الذي قدمه لاعبو الخط الأمامي لإسبانيا.
لم يكن أولمو ويامال وبايينا ينتظرون لحظة التحول فقط، بل كانوا جزءًا أساسيًا من المنظومة الدفاعية.
إغلاق خطوط التمرير. توجيه البناء الفرنسي نحو الأطراف. إجبار منتخب فرنسا على اللعب في المساحات التي يريدها الإسبان.
كل ذلك جعل مهمة خط الوسط والمدافعين أسهل بكثير. ولهذا، لم يكن أوناي سيمون مطالبًا بالتصدي لعدد كبير من الفرص.
بل كان مطالبًا فقط بالتدخل في اللحظات القليلة التي نجح فيها منتخب فرنسا في تجاوز الخط الأول، وهو ما فعله ببراعة من خلال دوره كحارس ليبرو، سواء بالخروج من مرماه أو بقطع الكرات خلف خط الدفاع.
لماذا استحق منتخب إسبانيا التأهل؟
عند انتهاء المباريات الكبرى، غالبًا ما تنحصر النقاشات في الأخطاء الفردية.
ركلة جزاء. تمريرة خاطئة. تمركز سيئ.
لكن مثل هذه المباريات لا تُحسم عادة بسبب لقطة واحدة. بل بسبب الفريق الذي يفرض سياق المباراة بالكامل. وهذا ما فعله منتخب إسبانيا.
لم ينتصروا بالاستحواذ
بل بما فعلوه أثناء الاستحواذ
قد يعتقد البعض أن سر تفوق منتخب إسبانيا كان استحواذه الطويل على الكرة، لكن الحقيقة أن الاستحواذ لم يكن سوى نتيجة. أما السبب الحقيقي، فكان الطريقة التي استخدم بها الكرة.
لم يستحوذ منتخب إسبانيا ليمنع فرنسا من لمس الكرة فقط، لكن ليجعل الفرنسيون يركضون.
وكل دقيقة إضافية تركض فيها دون أن تستعيد الكرة تعني دقيقة أقل تمتلك فيها القدرة على الهجوم.
ولهذا، لم تكن المشكلة بالنسبة لمنتخب فرنسا أنه دافع كثيرًا. بل أنه دافع دائمًا في الظروف التي اختارها منتخب إسبانيا.
عندما فقد الديوك سلاحهم الأقوى
قبل المباراة، كان الجميع يتحدث عن التحولات الفرنسية. عن سرعة مبابي. وعن قدرة ديمبيلي وأوليسي على ضرب أي دفاع في المساحات المفتوحة. لكن التحولات الهجومية لا تبدأ بعد استعادة الكرة.
بل تبدأ من المكان الذي تستعيد فيه الكرة. وهنا نجح المنتخب الإسباني بصورة استثنائية.
كانوا الإسبان يستعيدون الكرة في أماكن تجعل أول تمريرة فرنسية تمر تحت ضغط.
وأحيانًا، كانوا يمنعون فرنسا من الوصول أصلًا إلى لحظة التحول. ولهذا، بقيت أخطر أسلحة فرنسا داخل غمدها طوال اللقاء.
رودري لم يحتج إلى الركض
في مثل هذه المباريات، عادة ما تذهب الأضواء إلى أصحاب الأهداف. لكن المباراة الحقيقية كانت تدور حول رودري.
لم يكن أفضل لاعب لأنه مرر أكثر. بل لأنه كان دائمًا في المكان الذي يمنع المشكلة قبل أن تبدأ.
هنا مثلاً، كان لدى رودري خيار تمرير واضح في نصف المساحة اليمنى نحو أويارزابال، وبالتالي هناك إمكانية ليصبح موقفًا واعدًا أمام يامال في المساحة.
لكن رودري لن يقوم بالتمرير لأويارزابال، وسيختار الانتظار قليلاً ثم التمرير العرضي لبورو على الطرف، ثم استقبال الكرة منه مرة أخرى، من ثمَ اللعب مع زملائه في الوسط, لماذا؟ لأنه يرى أن وقوف الفريق وهو يمتلك الكرة أصبح أفضل عما كان عليه منذ ثانيتين.
ثانيتين كانتا كل ما احتاجه الأمر بتراجع لاعبي منتخب فرنسا للخلف أكثر والابتعاد أكثر عن مرمى إسبانيا (هذا أمر حاول لاعبو منتخب المغرب فعله أيضًا في مباراة ربع النهائي)، كما أنه سمح لزملائه بالوقوف بشكل أفضل من أجل الدفاع الوقائي والضغط العكسي الذي يمنح المنتخب الإسباني الفرصة لاستعادة الكرة وفرض الهيمنة مرة أخرى.. قرار واحد من ضمن قرارات عديدة وحده رودري يقرأها.
كلما حاول منتخب فرنسا اللعب في العمق، كان هناك. كلما ارتدت كرة ثانية كان هناك. كلما احتاج منتخب إسبانيا إلى تهدئة الإيقاع، كان هناك.
هذه هي قيمة لاعب الارتكاز الحقيقي. ليس أن يظهر كثيرًا، بل أن يجعل الآخرين لا يظهرون.
أولمو أربك فرنسا دون أن يلمس الكرة أحيانًا
إذا كان رودري قد سيطر على المباراة من خلف الكرة، فإن داني أولمو فعل ذلك أمامها.
تحركاته المستمرة بين خطوط فرنسا كانت كافية لإجبار رابيو وتشواميني وبعده كوني على اتخاذ قرارات متناقضة طوال الوقت.
هل يخرجان معه؟ أم يبقيان في موقعيهما؟
وفي كلتا الحالتين… كان منتخب إسبانيا يربح شيئًا. ولهذا لم يكن تأثير أولمو مرتبطًا بعدد لمساته. بل بعدد المرات التي غيّر فيها تمركز دفاع فرنسا.
حتى عندما تخلوا عن عادتهم...
بقيوا أفضل
من اللافت أن منتخب إسبانيا، للمرة الأولى في البطولة، لم يتجاوز هدفًا متوقعًا واحدًا من اللعب المفتوح. وهذا يعكس أن منتخب فرنسا، من الناحية الدفاعية، لم يقدم مباراة سيئة. لكن الفارق بين المنتخبات الكبرى يظهر هنا.
لم يحتج منتخب إسبانيا إلى صناعة عشر فرص واضحة، لكن اكتفى باستغلال اللحظات التي خرج فيها التنظيم الفرنسي عن إيقاعه.
خطأ من دين. تحرك لم يتتبعه دفاع فرنسا. تمريرة ثنائية مع أولمو.
وفي مباريات نصف النهائي… هذا يكفي.
قد تبدو نتيجة المباراة وكأنها انتصار طبيعي لإسبانيا. لكن ما حدث كان أكثر تعقيدًا من ذلك.
المنتخب الإسباني لم يهزم منتخب فرنسا لأنه امتلك الكرة أكثر، ولم يهزمهم لأنه امتلك لاعبين أفضل، بل لأنها نجح في السيطرة على كل مرحلة من مراحل المباراة.
من البناء. إلى تجاوز الضغط. إلى الدفاع. إلى التحولات. إلى إدارة الإيقاع.
كل سؤال طرحه منتخب فرنسا، كان منتخب إسبانيا يملك له إجابة.
وفي المقابل، كل سؤال طرحه منتخب إسبانيا، لم يجد منتخب فرنسا له حلًا.
لم يقدم الإسبان فقط مباراة تليق بنصف نهائي كأس العالم، بل قدموا درسًا جديدًا في أن السيطرة الحقيقية لا تُقاس بنسبة الاستحواذ، بل بقدرتك على جعل خصمك يلعب المباراة التي تريدها أنت، لا المباراة التي يريدها هو.
نرشح لكم
تقرير: مباراة إنجلترا وفرنسا مهددة بالتأجيل بسبب سوء الأحوال الجوية
كأس العالم - لوكاس دين: نهاية حلم طفل صغير.. وما زالت أمامنا فرصة الوصول لمنصة التتويج
كأس العالم - ديشامب: أمر مؤلم عندما لا تصل للنهائي.. ومباراة المركز الثالث ليست ودية
كأس العالم - هارت: إنجلترا فشلت في تطبيق ما فعلته مصر أمام الأرجنتين
مروان عطية يعتذر ويوضح تصريحاته بشأن تضحيات لاعبي الكرة
كأس العالم - كولينا يرد على انتقادات ديشامب: حكامنا على أعلى مستوى
كأس العالم - صراع الحذاء الذهبي مستمر بين ميسي ومبابي بملاحقة كين وبيلينجهام
كأس العالم - بينهم 95 ألف من حمزة.. برشلونة يحصد ما يقارب من 3 ملايين يورو












إسبانيا
أمريكا 2026
كأس العالم - عيسى ماندي ينضم إلى ليفانتي
في الجول يكشف موقف الأهلي من مركز حراسة المرمى