تقرير توخيل
هناك سؤال ظل يرافق كرة القدم الإنجليزية لأكثر من مئة عام.
ليس لماذا تخسر، بل لماذا تلعب بالطريقة التي تلعب بها.
ربما لأننا اعتدنا أن ننظر إلى المدارس الكروية من الخارج؛ إسبانيا هي الاستحواذ، وإيطاليا هي الدفاع، والبرازيل هي المهارة، وألمانيا هي التنظيم.
لكن إنجلترا لم تكن يومًا تُعرّف نفسها من خلال أسلوب لعب، بل من خلال فكرة بسيطة للغاية؛ افعل كل شيء بأسرع طريقة ممكنة.
لهذا السبب لم تكن كرة القدم الإنجليزية القديمة تؤمن كثيرًا بالتدوير الطويل، أو بالاحتفاظ بالكرة، أو حتى بالصبر في بناء الهجمة. كانت تؤمن بأن الكرة كلما وصلت إلى مرمى الخصم أسرع، أصبحت أقرب إلى التسجيل.
قد تبدو هذه الفكرة بديهية. لكنها تحولت، مع مرور الوقت، إلى فلسفة كاملة.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأ المحلل الإنجليزي تشارلز ريب دراسة آلاف المباريات، محاولًا اكتشاف الطريقة الأكثر كفاءة لتسجيل الأهداف.
خرج بنتيجة ستغيّر شكل كرة القدم الإنجليزية لعقود، حيث وجد أن نسبة كبيرة من الأهداف جاءت بعد ثلاث تمريرات أو أقل.
ربما كان الاستنتاج صحيحًا من الناحية الرقمية. لكن المشكلة لم تكن في الرقم. بل في تفسيره.
تحولت "الثلاث تمريرات" من ملاحظة إحصائية إلى عقيدة كروية.
لم يعد السؤال كيف نصنع الفرصة؟ بل أصبح كيف نصل إلى الثلث الأخير بأسرع وقت؟
وهكذا بدأت كرة القدم تُختزل شيئًا فشيئًا في مجموعة من المبادئ الثابتة:
اكسب الأرض، أرسل الكرة مبكرًا، اربح الكرة الثانية، اكسب الصراع البدني، واضغط على الخصم قبل أن يفكر.
لم تكن هذه مجرد تعليمات. لقد أصبحت هوية.
حتى عندما كانت بقية أوروبا تعيد اكتشاف اللعبة من خلال الاستحواذ، والمثلثات، والتمركز، كانت إنجلترا ما تزال تؤمن أن البساطة هي الطريق الأقصر إلى الفوز.
والغريب، أن هذه الفلسفة نفسها هي التي صنعت أعظم لحظة في تاريخهم.
في عام 1966، لم يفز ألف رامسي بكأس العالم لأنه امتلك أفضل اللاعبين. بل لأنه امتلك الشجاعة ليكسر أكثر فكرة كانت مقدسة في الكرة الإنجليزية؛ الجناحان.
في زمن كانت فيه كل الفرق تقريبًا تبني لعبها على الأطراف، قرر رامسي أن يلعب بدون أجنحة تقليدية. ولدت حينها نسخة "Wingless Wonders" أو عجائب بلا أجنحة، وسميت بهذا الاسم لاعتماد الفريق على طريقة 4-4-2، بوسط ملعب قوي، والاستغناء عن الأجنحة التقليدية في الهجوم، مما قادهم للفوز ببطولة كأس العالم.
وللمفارقة، لم تكن هذه الثورة خروجًا عن الهوية الإنجليزية. بل كانت محاولة لتنقيحها.
أن تحافظ على القوة، لكن داخل نظام. أن تبقى مباشرًا، لكن دون أن تصبح عشوائيًا. أن تلعب من أجل الفوز، لكن عبر فريق، لا عبر الغريزة وحدها.
كانت تلك أفضل نسخة عرفتها إنجلترا. ولم تكررها بعدها.
مرت السنوات، وتغيرت كرة القدم.
دخلت أفكار كرويف، وساكي، وجوارديولا، وأنشيلوتي، ومورينيو، وكلوب إلى الدوري الإنجليزي.
امتلأت الأندية بأفضل المدربين في العالم. لكن المنتخب، ظل عالقًا في مكان ما بين الماضي والمستقبل.
امتلك الجيل الذهبي كل شيء. بيكهام. جيرارد. لامبارد. سكولز. روني. تيري. فيرديناند.
أسماء تستطيع، على الورق، منافسة أي منتخب في العالم، لكن الورق لا يفوز بالبطولات، لأن المشكلة لم تكن في جودة اللاعبين، بل في العلاقات بينهم.
كانت إنجلترا تمتلك أحد أفضل لاعبي الوسط في العالم، لكنها لم تعرف أبدًا كيف تجعل جيرارد ولامبارد يبدوان فريقًا واحدًا. امتلكت أفضل ظهير أيمن هجومي في جيله، لكنها لم تبنِ منظومة تستفيد منه. امتلكت أسماءً أكبر من أي منافس، لكنها لم تمتلك فكرة أكبر من أسمائها.
وهنا تحديدًا تبدأ قصة توماس توخيل. لأنه لم يرث منتخبًا ينقصه اللاعبون، بل منتخبًا ينقصه شيء أكثر تعقيدًا؛ هوية واضحة.
ولهذا كانت أول جملة قالها بعد إعلان قائمته أهم من القائمة نفسها.
"منذ اليوم الأول كنا واضحين جدًا. نحن لا نحاول اختيار أفضل 26 لاعبًا، بل نحاول بناء أفضل فريق ممكن. البطولات لا يفوز بها أكثر اللاعبين موهبة... بل أكثر الفرق اكتمالًا."
قد تبدو جملة عادية. لكنها في الحقيقة إعلان حرب على أكثر من مئة عام من التفكير الكروي الإنجليزي. لأن السؤال لم يعد من الأكثر موهبة؟ بل من يجعل الآخر أفضل؟
المشكلة الحديثة
لا تُقاس الفرق الكبرى بعدد النجوم، بل بعدد الأسئلة التي تستطيع الإجابة عنها.
ولعل هذا هو الفارق بين بناء فريق، وجمع أسماء.
عندما أعلن توخيل قائمته لكأس العالم 2026، لم يكن أكثر ما لفت الانتباه هو الأسماء الموجودة، بل الأسماء الغائبة؛ فيل فودين، كول بالمر، وترينت ألكسندر-أرنولد.
ثلاثة من أكثر اللاعبين قدرة على صناعة الفرص في الثلث الأخير، وثلاثة يمثل كل واحد منهم نوعًا مختلفًا من الإبداع.
للوهلة الأولى، بدا الأمر وكأن المنتخب الإنجليزي تخلى عن جزء من موهبته، لكن ربما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.
ربما كان منتخب إنجلترا يتخلى عن نوع معين من الحلول، ليجبر نفسه على إيجاد حل جماعي. وهنا تبدأ أول معضلة تكتيكية.
ديكلان رايس.. اللاعب الذي يربح كل شيء إلا حريته
هناك لاعبون تعرف مكانهم بمجرد رؤية التشكيل، وحين يغادرونه، تشعر أن الفريق كله تغير. ديكلان رايس واحد منهم.
لكن الغريب أن أفضل صفاته لا تظهر دائمًا عندما يلعب في مركزه، فعندما يقف أمام قلبي الدفاع، يمنح إنجلترا أكثر ما تحتاج إليه؛ الاستقرار.
يغلق مسارات المرتدات، يحمي المساحات خلف الأظهرة، يفوز بالصراعات الثنائية، ويمنح اللاعبين أمامه حرية المخاطرة، لهذا يبدو، على الورق، لاعب الارتكاز المثالي.
لكن المشكلة أن هذا الدور يخفي نصف شخصيته فقط، لأن رايس ليس مجرد لاعب ارتكاز. إنه أحد أفضل لاعبي العالم في حمل الكرة لمسافات طويلة.
في يورو 2024 كان من بين أفضل لاعبي البطولة في التقدم بالكرة تحت الضغط.

كما أنهى موسم 2025-2026 مع آرسنال ضمن أفضل لاعبي الدوري الإنجليزي في عدد مرات كسر خطوط الضغط عبر الحمل، وليس التمرير.

وحين يترك مكانه ويتقدم، يتحول من لاعب يحمي الهجمة، إلى لاعب يصنعها. وهنا تظهر المعضلة.
إذا بقي رايس في الخلف، ربح منتخب الأسود الثلاثة التوازن، لكنه خسر أحد أفضل محركاته الهجومية.
وإذا أطلقه للأمام، ربح المسافات، لكنه خسر جزءًا من استقراره الدفاعي.
وهذا هو السؤال الذي ظل يطارد توخيل طوال البطولة. ليس هل يلعب رايس كرقم 6؟ أو كرقم 8؟ بل من يستطيع أن يصبح رقم 6 عندما يقرر رايس ألا يكون كذلك؟
المشكلة لم تكن أبدًا في رايس
بل في الفراغ الذي يتركه خلفه. ولهذا بدأ توخيل يفكر بطريقة مختلفة.
بدلًا من أن يسأل من هو لاعب الارتكاز؟ بدأ يسأل من يستطيع أداء وظيفة الارتكاز في هذه اللحظة؟
قد يكون إليوت أندرسون. وقد يكون ريس جيمس. وقد يكون نيكو أورايلي.
قد تتغير الإجابة ثلاث مرات خلال الهجمة نفسها. وهنا تحديدًا يبدأ أكثر أجزاء مشروع توخيل إثارة، لأنه لم يعد يبني فريقًا حول مركز، بل حول وظيفة.
غياب صانع اللعب أم غياب الوهم؟
إذا سألت أي مشجع إنجليزي عن أكثر ما ينقص المنتخب الحالي، فربما سيجيب فورًا:
فودين أو بالمر، أو حتى ترينت، والحقيقة أن هذا الشعور مفهوم.
لأن هؤلاء الثلاثة يمثلون شيئًا واحدًا. اللاعب الذي يستطيع أن يخترع فرصة من لا شيء. لكن يبدو أن توخيل ينظر إلى المسألة بطريقة مختلفة.
فهو لا يبحث عن لاعب يحل المشكلة وحده، بل عن فريق يجعل المشكلة أصغر، ولهذا أصبح العبء الإبداعي موزعًا على الجميع.
هاري كين يهبط بين الخطوط. بيلينجهام يهاجم منطقة الجزاء. ساكا ينتظر لحظة العزل 1 ضد 1. ورايس يحمل الكرة، وأندرسون أو ماينو يربط الخطوط.
لا أحد منهم هو صانع اللعب التقليدي، لكن جميعهم، معًا، يصنعون اللعب.
ولهذا ربما لا تكون المشكلة أن المنتخب الإنجليزي فقد صانع ألعاب. بل أنه يحاول للمرة الأولى أن يصبح فريقًا لا يعتمد على وجوده أصلًا.
بيلينجهام.. اللاعب الذي لا يملك مركزًا
ليس رقم 8، وليس رقم 10، وليس حتى لاعب بوكس تو بوكس بالمعنى التقليدي.
إنه لاعب يتحرك حيث تحتاجه المباراة. أحيانًا يبدأ بجوار رايس. ثم تجده بعد دقيقة داخل منطقة الجزاء. وأحيانًا يستلم الكرة من قلب الدفاع. ثم يكون أول من يضغط بعد فقدانها.
في الحقيقة، يصعب تصنيف بيلينجهام لأنه لا يؤدي دورًا واحدًا. إنه يربط كل الأدوار معًا. وهذا بالضبط ما يجعل مشروع توخيل أكثر تعقيدًا.
لأن كل لاعب تقريبًا في هذا المنتخب، يلعب أكثر من شخصية في المباراة الواحدة.
النسيج المتحرك
لو طلب منك شخصًا أن ترسم تشكيل إنجلترا، فربما ستبدأ بخط الدفاع. أربعة. ثم اثنان في الوسط. ثم ثلاثة تحت المهاجم.

لكن المشكلة أن هذا الرسم يصبح غير صحيح بعد خمس ثوانٍ فقط من بداية الهجمة، لأن منتخب إنجلترا لا يتحرك كوحدات منفصلة، بل كنسيج.
يتغير شكله باستمرار، بينما تبقى فكرته ثابتة، ولهذا لا أعتقد أن أفضل طريقة لفهم فريق توخيل هي النظر إلى التشكيل.
بل إلى السؤال التالي؛ من يحمي الفريق عندما يهاجم؟
في كرة القدم الحديثة، يشكل مصطلح "Rest Defence" محورًا هامًا، ويعني الهيكل الدفاعي الذي يبقى قائمًا حتى أثناء امتلاك الكرة.
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه ربما أهم سؤال تكتيكي في اللعبة كلها.
لأن كل لاعب يهاجم، يترك خلفه مساحة، وكل مساحة تتركها، قد تتحول بعد ثانيتين إلى هجمة مرتدة.
ولهذا فإن السؤال المهم هو كم لاعبًا سيبقى مستعدًا عندما نفقد الكرة؟
هنا تختلف إنجلترا عن نسخها القديمة. في الماضي، كان الحل بسيطًا؛ يبقى لاعب الارتكاز.
وينتهي الأمر.
أما توخيل، فلا يريد لاعبًا واحدًا يتحمل هذا العبء، يريد منظومة كاملة، ولهذا لا يوجد لاعب ثابت يحرس ظهر الفريق، بل هناك شبكة كاملة تتبادل هذه المسؤولية.
تخيل أن ديكلان رايس تقدم للأمام. في أي فريق عادي، تصبح المشكلة واضحة. من سيغطي مكانه؟
أما هنا، فالإجابة قد تكون قلب الدفاع، أو الظهير الأيمن، أو الظهير الأيسر، أو لاعب الوسط الآخر. كل واحد منهم يعرف مسبقًا متى يتحرك.
ليس لأن الكرة وصلت إليه. بل لأن رايس غادر مكانه، وهنا يتحول مركز رقم 6 من مركز إلى وظيفة يتبادلها أكثر من لاعب.
قلب الدفاع هو النسخة الأكثر هدوءًا في هذه الفكرة، عندما يتقدم إلى وسط الملعب، لا يفعل ذلك ليصنع الفرص، بل ليمنح الآخرين الحرية.
وجوده هناك يسمح لرايس بأن يتحول إلى لاعب على الطرف، أو لاعب بوكس تو بوكس. ويمنح بيلينجهام حرية البقاء بين الخطوط. بل ويمنح الظهير فرصة للصعود للممرات الداخلية دون أن ينهار الهيكل الدفاعي.
قلب الدفاع لا يغير شكل الفريق. بل يمنع الفريق من أن يفقد شكله. ولهذا يعتبر بيب جوارديولا هذا المركز، في كثير من الأحيان، لاعب وسط يرتدي قميص قلب دفاع.
أما الظهير الأيمن، لنأخذ ريس جيمس كمثال لأنه ظهير توخيل المفضل.
فهو يقدم نسخة مختلفة تمامًا. حين يدخل إلى العمق، لا يصبح مجرد لاعب إضافي في الوسط، بل يتحول إلى لاعب يستطيع أن يكسر الضغط بالجسد قبل القدم.
يمتلك القوة للخروج من الالتحامات، والقدرة على حمل الكرة لمسافات طويلة، والدقة لإرسال الكرة إلى الجهة العكسية بتمريرة واحدة.
وهنا أعود إلى حديث ظهير تشيلسي السابق، الإسباني سيزار أزبيليكويتا.
"مع توماس، لم يكن لدينا أي تدريبات مخصصة للدفاع، وهذه هي النقطة التي تجعلني أفضّل توماس المهووس بالاستحواذ على الكرة.
كان تركيزه منصبًّا على السيطرة على مجريات المباراة من خلال الاستحواذ، والاهتمام بأدق التفاصيل، والتمريرات الصحيحة، والإيقاع المناسب، مع الكثير من المواقف العددية مثل اثنين ضد واحد أو ثلاثة ضد اثنين على الأطراف.
كانت الجودة هي الأساس، كما أن الضغط العكسي بعد فقدان الكرة كان جزءًا محوريًا وأساسيًا للغاية في أسلوبه.".
وجود ريس في العمق لا يمنح إنجلترا فقط تمريرة إضافية. بل يمنحها خيارًا إضافيًا.
ثم يأتي نيكو أورايلي. وربما يكون أكثر لاعب يختصر فكرة توخيل كلها. لأن أورايلي ليس ظهيرًا تقليديًا.
في الأساس، هو لاعب وسط هجومي تعلم كيف يدافع، ولهذا حين يدخل إلى العمق، لا يفكر كمدافع. بل كلاعب وسط، يستلم بين الخطوط، يلعب تحت الضغط، ويعرف متى يهاجم منطقة الجزاء.
وجوده يمنح بيلينجهام رفاهية نادرة، أن يبقى أقرب إلى المرمى، بينما يتولى أورايلي الربط بين الخطوط.
إذا جمعت كل هذه التحركات، ستكتشف شيئًا غريبًا. التشكيل لا يتغير. لكن الفريق كله يتغير.
قد يبدأ الهجوم برباعي دفاع، ثم يتحول إلى ثلاثة. ثم إلى اثنين، ثم يعود إلى أربعة، دون أن يشعر اللاعبون أنفسهم أنهم غيروا مراكزهم. لأن الذي يتغير ليس الرسم. بل العلاقات.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين المدرب الذي يبني تشكيلًا، والمدرب الذي يبني منظومة.
ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي في مشروع توخيل ليس من يلعب في مركز رقم 6؟ بل كم لاعبًا يستطيع أن يصبح رقم 6 عندما تحتاج المباراة إلى ذلك؟
وهذا، ربما، هو أبعد ما وصل إليه المنتخب الإنجليزي، لأنه لم يعد يبحث عن الطريق الأقصر. بل عن الطريق الذي لا ينهار مهما تغيرت تضاريس المباراة.
هاري كين... اللاعب الذي يرسم اللوحة
ربما لا يوجد لاعب في العالم أسيء فهمه تكتيكيًا مثل هاري كين.
لأن المشجعين ما زالوا يسألون السؤال الخطأ. هل هو مهاجم أم صانع لعب؟ والإجابة، أنه ليس مضطرًا للاختيار.
عندما ينظر إليه المدافع، يواجه معضلة لا يمكن حلها بسهولة.
إذا تبعه إلى وسط الملعب، ترك خلفه مساحة. وإذا بقي في مكانه، ترك لكين الوقت ليرفع رأسه. وفي الحالتين، فاز كين.
ولهذا لا أعتقد أن أهم تمريرات هاري كين هي التمريرات الحاسمة، بل التمريرات التي تجعل الآخرين يبدون أفضل، لأن نزوله بين الخطوط لا يصنع فرصة واحدة فقط. بل يغيّر شكل الملعب كله.
فجأة، يتحول جود بيلينجهام إلى مهاجم ثانٍ. ويبدأ ساكا في الجري خلف الظهير. ويهاجم جوردون أو راشفورد المساحة بين قلب الدفاع والظهير. وفي الخلف، يبدأ رايس أو أندرسون في التقدم إلى المساحة التي تركها بيلينجهام.
وكأن لاعبًا واحدًا، حرّك رقعة الشطرنج كلها.
لكن هنا تظهر المعضلة الثانية. إذا هبط كين طوال الوقت، فمن يبقى داخل منطقة الجزاء؟
وهذا سؤال حقيقي، لأن أفضل من ينهي الهجمة في إنجلترا، هو نفسه اللاعب الذي يترك مكانه ليبدأها.
وهنا تظهر براعة توخيل. لأنه لا يريد من كين أن يكون صانع لعب طوال المباراة. ولا رأس حربة طوال المباراة. بل يريد الإثنين. في الوقت المناسب.
ضد الفرق التي تضغط عاليًا، يتحول كين إلى لاعب وسط إضافي. ينزل. يستلم. يدور.
ثم يرسل ساكا أو جوردون في ظهر الدفاع. هنا تصبح قيمته في التمريرة.
لكن أمام الفرق التي تدافع بعشرة لاعبين، يتغير كل شيء. لا توجد مساحات خلف الدفاع، ولا توجد خطوط يمكن كسرها بالجري.
هنا يصبح نزول كين خطرًا على إنجلترا نفسها، لأن الفريق سيستحوذ، لكن دون وجود مرجع داخل منطقة الجزاء، ولهذا يعود كين إلى شخصيته الثانية؛ الرجل الذي يشغل قلبي الدفاع، ويمنح العرضيات هدفًا، والكرات الثانية نهاية، والركنيات معنى.

إذا هبط كين، يتقدم بيلينجهام، إذا تقدم بيلينجهام، يملأ رايس مكانه. إذا خرج رايس، دخل أندرسون. إذا دخل أندرسون، تحرك جيمس إلى العمق. إذا تحرك جيمس، أصبح ساكا في موقف 1 ضد 1.
ليست سلسلة من التحركات، بل سلسلة من العلاقات.
كل حركة تخلق الحركة التالية، وكل قرار، يفرض القرار الذي بعده. ولهذا لا أعتقد أن مشروع توخيل مبني على مراكز اللاعبين، بل على من يحرر الآخر؟
ربما تكون هذه أفضل طريقة لفهم هذه النسخة من إنجلترا. ليس كفريق يمتلك أحد عشر لاعبًا، بل كمنظومة يحاول كل لاعب فيها أن يمنح زميله الحرية، حتى لو اضطر إلى التخلي عن حريته هو أولًا.
لم يعد الفريق يبحث عن الحل الأسرع، بل عن العلاقة الصحيحة.
عندما أصبحت النظرية واقعًا
كل الأفكار تبدو جميلة على الورق. لكن كرة القدم لا تُلعب على الورق.
تُختبر تحت الضغط. تُختبر عندما يقرر الخصم أن يمنعك من تنفيذها، ولهذا لم يكن مشروع توخيل يحتاج إلى مؤتمر صحفي يشرحه، بل إلى مباريات تثبته.
ومع كل مباراة في كأس العالم، بدا وكأن إنجلترا تكشف جزءًا جديدًا من هذا المشروع.
ضد كرواتيا.. كيف تربح معركة الاستحواذ دون أن تملك الكرة؟
لطالما كان منتخب كرواتيا واحد من أكثر المنتخبات راحة عندما تمتلك الكرة.
منذ جيل مودريتش وحتى النسخة الحالية، تقوم فكرتهم على شيء واحد بفضل الـ DNA؛ إذا امتلكنا الكرة... امتلكنا إيقاع المباراة.
ولهذا لم يحاول توخيل منافستهم في ملعبهم، بل غيّر السؤال بالكامل. بدلاً من كيف نستحوذ أكثر؟ سأل كيف نجعل استحواذهم أقل قيمة؟
لذلك سمح لكرواتيا بالاستحواذ في مراحل كثيرة. لكن داخل مناطق لا تؤذي.
كان الضغط يبدأ فقط عندما تدخل الكرة إلى لاعب معين، أو إلى زاوية معينة من الملعب.
ما يعرف اليوم بـ "مصائد الضغط"، فبدلاً من مطاردة الكرة، كان الفريق يطارد التمريرة التالية، ولهذا لم يكن الهدف افتكاك الكرة سريعًا. بل افتكاكها في المكان الصحيح. وهنا ظهر أندرسون متألقًا.
كان إليوت أندرسون من بين أبرز لاعبي إنجلترا في مواجهة كرواتيا، بعدما استعاد الاستحواذ على الكرة 8 مرات، وهو الرقم الأعلى بين جميع لاعبي المنتخب الإنجليزي في المباراة. ولا يُعد ذلك أمراً استثنائياً بالنسبة إلى لاعب وسط نوتنغهام فورست، بل أصبح إحدى أبرز نقاط قوته.

ففي مسيرته مع منتخب إنجلترا، يستعيد أندرسون الاستحواذ على الكرة بمعدل 9.6 مرات كل 90 دقيقة، وهو معدل يفوق بمرتين على الأقل أي لاعب آخر في المنتخب الإنجليزي خلال حقبة توماس توخيل (للاعبين الذين خاضوا 500 دقيقة أو أكثر).
بدأتم تفهمون توخيل أكثر، أليس كذلك؟
بمجرد استعادة الكرة، كانت المرحلة الثانية تبدأ فورًا. رايس يحمل الكرة. بيلينجهام ينطلق. كين يهبط. ومادويكي وجوردون يهاجمان المساحة.
أربع ثوانٍ فقط، كانت كافية لتحويل السلوك الدفاعي إلى هجمة مكتملة، ولهذا لم يكن تحول إنجلترا سريعًا فقط، بل كان منظمًا.
لكن في هذا السياق، حاول المنتخب الإنجليزي لعب الكرات الطويلة أكثر لكنها جاءت عشوائية نوعًا ما في الشوط الأول بسبب بعض قرارات اللاعبين.

لكن في الشوط الثاني تراجعت بشكل ملحوظ الكرات الطويلة العشوائية التي كانت تُرسل من الدفاع إلى الهجوم، حيث جاءت وفق نمط مختلف تمامًا عما شهدناه في الشوط الأول.

وجاءت النتيجة بهيمنة كبيرة للفريق، إلى جانب تسجيل 9 تسديدات على المرمى، وهو أعلى رقم يحققه أي منتخب في شوط واحد خلال النصف الثاني من مباريات كأس العالم 2026 خلال ذلك الوقت، رغم مواجهة منتخب كرواتيا، أحد أقوى المنتخبات في البطولة.
ضد الكونغو الديمقراطية… المباراة التي أجبرت إنجلترا على تغيير نفسها أثناء اللعب
ربما كانت هذه أول مرة يُختبر فيها مشروع توخيل فعلًا.
الكونغو لم تدافع. ولم تضغط بشكل كامل. بل لعبت مباراة تحولات مفتوحة.
وهذا النوع من المباريات هو الأخطر على أي فريق يعتمد على التوازن. لأن المباراة تتحول إلى سلسلة من المرتدات. ومن يركض أكثر، لا يفوز دائمًا.
في أول نصف ساعة، بدا المنتخب الإنجليزي غير مرتاح. تفككت المسافات بين الخطوط. وأصبحت الجهة اليمنى تحديدًا هدفًا واضحًا لهجمات الكونغو.

كان سبينس يجد نفسه في مواقف معقدة باستمرار. بينما اضطر رايس أكثر من مرة إلى الخروج من العمق لتغطية المساحات خلفه.
لكن اللافت، أن توخيل لم ينتظر نهاية الشوط، استغل فترتي توقف شرب المياه، وأعاد ترتيب الفريق مرتين داخل المباراة نفسها.
تحول رايس تدريجيًا إلى جهة اليمين في بعض مراحل البناء. وأصبح إيزي يدخل إلى أنصاف المساحات. بينما تغيرت زوايا استقبال كين للكرة.
كانت تعديلات صغيرة. لكنها غيّرت شكل المباراة بالكامل.
ومن إحدى هذه التحركات، جاءت الكرة التي مهدت لهدف التعادل. ليس لأن الحركة كانت معقدة، بل لأنها غيّرت المرجع الذي كان يدافع ضده منتخب الكونغو.
وهنا تظهر قيمة المدرب في تغيير العلاقات بينهم.
ضد المكسيك… المباراة التي أثبتت أن هذا الفريق بُني ليعاني
ربما كانت مباراة الأزتيكا هي أفضل تفسير للجملة التي قالها توخيل قبل البطولة.
"لدينا متخصصون لكل سيناريو."
لأن أصدقاء هاري كين لم يلعبوا كما لعبوا أمام كرواتيا. ولم ليس أيضًا كما لعبوا أمام الكونغو، لكنهم لعبوا مباراة مختلفة تمامًا.
ثمانون ألف متفرج. ارتفاع يتجاوز ألفي متر. منتخب صاحب الأرض. وأول أربع مباريات للمكسيك انتهت بأربعة انتصارات وشباك نظيفة.
كان واضحًا منذ البداية؛ أن هذه ليست مباراة للاستحواذ، بل للبقاء.
اعتمد المكسيك على بناء هجومي جريء للغاية. تحول إلى 3-1-6 في الاستحواذ، إريك ليرا ينزل بين قلبي الدفاع، لويس رومو أمامهم، بينما يرتفع الظهيران إلى الخط الأخير، لتصبح الجبهة الأمامية مكونة من ستة لاعبين.
الفكرة كانت واضحة؛ تثبيت أجنحة إنجلترا في الخلف، وخلق زيادة عددية بين الخطوط.
ولو نظرنا إلى الخريطة الحرارية للمباراة، سنجد أن المكسيك نجحت فعلًا في دفع ساكا وجوردون عشرات الأمتار للخلف خلال أول نصف ساعة.
لكن، توخيل كان يريد ذلك أصلًا، لأنه لم يحاول السيطرة على المباراة، بل حاول السيطرة على لحظاتها.


ترك المنتخب المكسيكي يهاجم، لكنه احتفظ دائمًا بأربعة أو خمسة لاعبين خلف الكرة.

وحين افتكها، كانت الضربة تأتي مباشرة، ليس عبر عشرين تمريرة، ولا عبر استحواذ طويل، بل عبر أفضل سلاح يملكه هذا الفريق؛ الحمل بالكرة.

ديكلان رايس، وجود بيلينجهام، هما من نقلا إنجلترا من منطقة جزائها، إلى منطقة جزاء المكسيك. في ثوانٍ معدودة.


لكن أكثر لحظة كشفت شخصية توخيل جاءت بعد الدقيقة الخامسة والسبعين، حين سحب هاري كين. وأدخل جون ستونز، ودجيد سبينس، ودان بيرن.
في تلك اللحظة، لم يكن يبحث عن هدف. بل عن شكل جديد للفريق.
تحول الإنجليز إلى 5-3-1، لكنها لم تكن خمسة مدافعين بالمعنى التقليدي. بل خمسة لاعبين يغلقون العمق. بينما يخرج سبينس أو جوردون أو روجرز للضغط على حامل الكرة في الطرف.


كان الهدف بسيطًا. اسمح للمكسيك بالعرضيات، لكن لا تسمح لها بالدخول إلى منطقة الـ18 عبر العمق. والأرقام كانت تتحدث بوضوح.

دان بيرن، رغم مشاركته في آخر ربع ساعة فقط، أنهى المباراة بستة تشتيتات، وثماني تدخلات دفاعية ناجحة، وهو أعلى رقم بين جميع مدافعي إنجلترا في تلك الفترة الزمنية.
لم تكن تبديلات دفاعية. كانت تبديلات بنيوية غيرت شكل الفريق بالكامل، وهنا بدا واضحًا أن توخيل لا يدير المباراة باللاعبين. بل بالأفكار.
ولهذا خرج المنتخب الإنجليزي من الأزتيكا بانتصار قد لا يكون الأجمل، لكنه ربما كان الأكثر تعبيرًا عن هوية هذا الفريق.
فريق لا يحتاج أن يكون الأفضل طوال الوقت، يكفيه أن يكون أكثر قدرة على التكيف.
حين توقف الإنجليز عن عدّ التمريرات
ربما لم تكن المشكلة الكبرى في كرة القدم الإنجليزية أنها كانت تؤمن باللعب المباشر. ولم تكن المشكلة أنها كانت تعتمد على القوة البدنية. ولا حتى أنها كانت تعشق الكرات العرضية والالتحامات.
كل هذه الأشياء كانت، وما زالت، جزءًا أصيلًا من هويتها. المشكلة كانت في شيء آخر.
في لحظة ما، توقف المنتخب الإنجليزي عن النظر إلى هذه الصفات باعتبارها أدوات، وأصبح ينظر إليها باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
تحولت الثلاث تمريرات إلى عقيدة. وأصبح الوصول السريع إلى المرمى غاية في حد ذاته، لا وسيلة.
ولهذا، بينما كانت بقية مدارس العالم تضيف طبقات جديدة إلى اللعبة، كان منتخب إنجلترا يحاول دائمًا العودة إلى النسخة التي يعرفها. لكن كرة القدم لا تكافئ من يتوقف عن التطور.
حين جاء توماس توخيل، لم يحاول أن يجعل إنجلترا نسخة من إسبانيا، ولم يحاول أن يقلد فرنسا، ولا حتى ألمانيا. بل فعل شيئًا أصعب بكثير. حاول أن يجعل إنجلترا...أفضل نسخة من نفسها.
أن يحتفظ بقوة الالتحامات، وسرعة التحولات، وجودة العرضيات، وشراسة الضغط. لكن دون أن تصبح هذه الصفات قيدًا تكتيكيًا، بل خيارات يمكن استخدامها أو تجاهلها بحسب ما تحتاجه المباراة.

ولهذا، حين تنظر إلى هذا المنتخب، لن ترى فكرة واحدة تتكرر. سترى أفكارًا تتغير.
أمام كرواتيا كان السلاح هو مصائد الضغط. أمام الكونغو الديمقراطية كان السلاح هو إعادة تشكيل العلاقات داخل الملعب أثناء المباراة. أمام المكسيك كان السلاح هو القدرة على المعاناة.
كل مباراة احتاجت منتخب إنجليزي مختلف، وفي كل مرة، وجدها توخيل.
وهذا ربما هو أكبر تحول شهدته الكرة الإنجليزية منذ عقود. لم تعد تبحث عن تنفيذ فكرتها، بل عن فهم فكرة المباراة أولًا.
ولهذا أيضًا، إذا وصل رجال توخيل إلى النهاية، فلن يكون السبب أنهم يمتلكون أفضل اللاعبين، ولا لأنهم سجلوا أهدافًا أكثر، بل لأنهم ربما أصبحوا أخيرًا قادرين على الإجابة عن السؤال الذي عجزوا عن الإجابة عنه لعقود.
من نحن عندما لا تسير المباراة كما نريد؟
المنتخبات العظيمة لا تُعرف عندما تكون الكرة عند أقدامها، بل عندما تُسلب منها. ولا تُعرف عندما تتقدم، بل عندما تُجبر على الدفاع. ولا عندما تفرض إيقاعها، بل عندما يُفرض عليها إيقاع مختلف.
وهذا بالضبط ما يبدو أن توخيل يحاول بناءه. فريق لا يمتلك طريقة واحدة للفوز، بل عدة طرق.
ربما لا تحمل إنجلترا الكأس في النهاية.
فالكرة، كما نعرف جميعًا، لا تعترف دائمًا بالأفكار.
لكن هناك شيئًا يبدو مختلفًا هذه المرة. لأول مرة منذ زمن طويل، لا تبدو إنجلترا أسيرة تاريخها.
ولا أسيرة شعاراتها. ولا حتى أسيرة عبارة "Football's Coming Home".
لقد استغرقت الكرة الإنجليزية أكثر من قرن حتى تدرك أن قوتها لم تكن يومًا في "الثلاث تمريرات"، بل في أنها كانت قادرة دائمًا على كتابة فصل جديد.
وربما...هذا هو الفصل الذي كانت تنتظره منذ عام 1966.
نرشح لكم
كأس العالم - "تحدث معي باحترام".. ميسي دخل في مشادة مع حكم مواجهة سويسرا
كأس العالم - مارتينيز: اعتدنا الوصول إلى هذه الأدوار.. ومواجهة إنجلترا نهائي مبكر
كأس العالم - جماهير المغرب تستقبل منتحبها بحرارة رغم تأخر الوقت
تقرير: باريس سان جيرمان يتوصل لاتفاق مع فيران توريس ويستعد لتقديم عرضه الأول
بحضور تامر حسني.. طرح تذاكر حفل تكريم منتخب مصر على استاد القاهرة
كأس العالم - توخيل: بيلينجهام ليس مخطئا لكن إنجلترا يجب أن تتحسن
كأس العالم - باريديس: لعبنا بالقلب أمام سويسرا.. ومواجهة إنجلترا خاصة بالنسبة لبلدنا
كأس العالم - ألفاريز: كانت مباراة صعبة أمام سويسرا.. ومواجهات البطولة معقدة












إنجلترا
أمريكا 2026
كأس العالم - 9 قرارات تكتيكية صنعت نتائج العرب الإيجابية
القسم الرابع - "أطمح للعمل في أوروبا".. في الجول يكشف قصة محلل أداء عمره 14 عاما