المراجعة النهائية... الدليل الذي تحتاجه مصر قبل مواجهة الأرجنتين

الثلاثاء، 07 يوليه 2026 - 16:18

كتب : عمر مختار

منتخب مصر ضد نيوزيلندا

هناك قاعدة غير مكتوبة في كرة القدم، عندما تواجه فريقًا كبيرًا، لا تبدأ بدراسة أفضل مبارياته. ابدأ بالمباراة التي بدا فيها إنسانًا.

ليست المباراة التي خسرها. ولا المباراة التي استقبل فيها أهدافًا أكثر. بل المباراة التي اضطر فيها إلى التخلي، ولو للحظات، عن شخصيته المعتادة.

لأن هذه المباريات لا تكشف نقاط ضعفه فقط. بل تكشف أيضًا الأسئلة التي لا يحب الإجابة عنها.

ولهذا، إذا كنت مكان حسام حسن، فإن أول فيديو سأطلبه من المحللين هو مباراة الأرجنتين أمام الرأس الأخضر.

لأن منتخب الرأس الأخضر كان أول فريق في هذه البطولة يجبر المنتخب الأرجنتيني على لعب مباراة لا يريدها. وهذه نقطة مهمة.

قبل صافرة البداية، يتحدث الجميع عن الفارق في الجودة. أبطال العالم. أسماء تساوي أحيانًا قيمة منتخبات كاملة.

وربما كانت هذه أكبر مشكلة في قراءة المباراة.

لأن الحديث كله منصب عن الفارق بين اللاعبين. بينما ستكون المباراة، في الحقيقة، حول الفارق بين الأفكار.

لا يجب أن ندخل المباراة ونحن نسأل: "كيف سنوقف الأرجنتين؟"

لكن: "كيف نجعل المنتخب الأرجنتيني يتوقف عن أن يكون منتخب الأرجنتين؟"

وهنا يبدأ كل شيء.

منذ بداية البطولة، بنت الأرجنتين معظم تفوقها بالطريقة نفسها.

السيطرة على مركز الملعب. خلق لاعب حر بين الخطوط. إجبار المنافس على الانكماش. ثم تدوير الكرة حتى تظهر اللحظة المناسبة للاختراق.

قد تختلف الأسماء. لكن المبادئ بقيت ثابتة.

لم يحاول منتخب الرأس الأخضر إيقاف هذه المبادئ بالقوة. بل عطّل الظروف التي تسمح لها بالظهور.

ولهذا، لم يكن الإنجاز الحقيقي أنه صمد. بل أنه جعل أصدقاء ليونيل ميسي يبحثون عن حلول لم يكن يريدون استخدامها.

وهنا، لأول مرة منذ بداية البطولة، بدا بطل العالم وكأنه فريق… يجيب أكثر مما يسأل.

وهذه، في رأيي، هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها منتخب مصر. وليس من أي مكان آخر.

لا تدافع عن المساحات.. بل عن الوقت

هناك خطأ يقع فيه معظم المحللين عندما يشاهدون مباراة فريق صغير أمام منتخب بحجم الأرجنتين.

ينظرون إلى التنظيم الدفاعي. إلى عدد اللاعبين خلف الكرة. إلى شكل الخطوط.

لكن الحقيقة أن كل هذه الأشياء ليست سوى النتيجة.

أما السبب الحقيقي… فهو الوقت.

لا يجب منع منتخب الأرجنتين فقط من الوصول إلى منطقة الجزاء، لكن أيضًا من الوصول إليها بالسرعة التي يريدها.

منتخب التانجو طوال البطولة لم يكن بحاجة إلى عشرين تمريرة ليصنع فرصة. كان يحتاج إلى لحظة واحدة فقط.

لحظة يجد فيها لاعب الارتكاز زاوية تمرير. أو يتحرر أحد لاعبي الوسط بين الخطوط. أو يخرج قلب الدفاع خطوة متأخرة.

المشكلة ليست في التمريرة الأخيرة. بل في التمريرة التي تسبقها بثلاث تمريرات.

ولهذا فالحل ليس في الضغط بجنون، ولا التراجع طوال الوقت. بل تأخير الزمن.

الاستلام. الاستدارة. التمرير. حتى قرار اللاعب الأرجنتيني نفسه.

لأن كرة القدم الحديثة لا تكافئ الفريق الذي يمنع خصمه من اللعب. بل الفريق الذي يجعل خصمه يلعب متأخرًا نصف ثانية.

ونصف ثانية أمام منتخب مثل الأرجنتين... قد تعني اختفاء المساحة بالكامل.

لم تكن المشكلة في ميسي

بل في اللاعب الذي لا تنظر إليه

عندما تواجه الأرجنتين. أول سؤال يسأله الجميع:

كيف نوقف ميسي؟ لكن البداية لا يجب أن تكون من هنا.

من الذي يجعل ميسي يستلم الكرة بالشكل الذي يريده؟ وهذا سؤال أكثر ذكاءً.

هناك دائمًا لاعب قبله. لاعب يحدد زاوية الاستلام. سرعة الاستلام. واتجاه الاستلام.

لا تواجه النتيجة… واجه السبب.

لذلك لا يجب أن نطارد الكرة، بل خطوط التمرير.

دافع الرأس الأخضر بكتلة متوسطة 4-1-4-1 بهدف غلق جميع القنوات المركزية في العمق.

وهذا ما جعل الأرجنتين، للمرة الأولى تقريبًا في البطولة، مضطر إلى اللعب في أماكن لا يريدها.

أحيانًا إلى الطرف. وأحيانًا إلى الكرة الطويلة. وأحيانًا إلى تدوير بطيء لا يشبه شخصيته المعتادة.

هنا يبدأ السؤال المصري

والآن...

نصل إلى منتخبنا. وهنا لا أريد أن نقع في الفخ.

لا يفترض علينا أن نقلد الرأس الأخضر.

لقد أعطانا منتخب الرأس الأخضر الفكرة… لكن ليس بالضرورة الحل.

وأعني بذلك أن الدفاع بكتلة متوسطة ضيقة لغلق العمق كانت فكرة ممتازة لكنها ليست الحل النهائي لأنها سيتبعها العديد من السياقات الأخرى التي يجب غلقها أيضًا وكذلك تحتاج إلى التزام تام من الأجنحة ولاعبي الوسط.

الرأس الأخضر لعب من أجل البقاء داخل المباراة. أما منتخب مصر… فلديه من الجودة الهجومية ما يسمح له بإيذاء الأرجنتين أيضًا.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

إذا كان الرأس الأخضر قد أثبت أن منتخب الأرجنتين يمكن تعطيله. فكيف يمكن لمنتخب مصر أن يعطله... دون أن يتخلى عن نفسه؟

كاب فيردي كشفت الباب.. لكننا نملك المفتاح

هناك خطأ يقع فيه أي مدرب عندما يشاهد مباراة نجح فيها فريق صغير أمام فريق أكبر.

أن يحاول نسخها.

وكرة القدم لا تسير بهذه الطريقة. لأن المباراة لا تتكرر. واللاعبون لا يتكررون. وحتى الظروف النفسية لا تتكرر.

ولهذا لا أعتقد أن حسام حسن سيجلس مع لاعبيه ويقول: "سنلعب مثل الرأس الأخضر."

بل سيكون سؤاله مختلفًا.

"ما الذي جعل هذه الخطة تنجح أصلًا؟"

لأن هناك فرقًا كبيرًا بين تقليد السلوك… وفهم السبب.

دعونا نشرح الموضوع بتفاصيل أكثر.

دفاع منتخب الرأس الأخضر بكتلة متوسطة ضيقة كان يعني وضوح النية بألا يلقى منتخب الأرجنتين راحته في العمق بمعنى أدق استخدام الرجل الثالث أو اللاعب الحر

هنا بعد أن لاحظ الأرجنتينيون غلق الرأس الأخضر للمساحات المركزية، بدأ إنزو فيرنانديز في الوقوف في الطرف بجانب قلبي الدفاع، فقط من أجل عملية تثبيت لاعب وسط الخصم اليمين (8)، هذا يجعل اللاعب مجبر على الوقوف أمامه وعدم غلق التمريرة العمودية خلفه.

يبحث هنا قلب الدفاع اليساري مارتينيز عن التمريرة العمودية للجناح الساقط من أجل تفكيك الخط العرضي للرأس الأخضر، ومن ثمََ إظهار الفجوات بداخله، فإذا لم يلتزم مهاجم الرأس الأخضر بماك أليستر (الرجل الحر) ف سيجده الجناح الساقط بتمريرة من لمسة واحدة، لكن إذا التزم؟ فسيعيد الجناح الكرة مرة أخرى لمارتينيز ويبحثون مرة أخرى عن الثغرة في المركز.

لاحظ أيضًا تمركز دي باول في الجهة اليمنى بنفس الطريقة من أجل عملية التثبيت.

جناحنا كلمة السر

رغم فاعلية فكرة منتخب الرأس الأخضر ونجاحها بنسبة ليست بالقليلة، لكنه ورغم ذلك عانى من بعض القرارات الفردية للاعبيه والتي منحت المنتخب الأرجنتيني ملامح خطورة في بعض الدقائق.

وهنا في رأيي يكمن مفتاح المباراة

وعي جناحنا ومعرفته بنية الفريق هي أساس كل شيء في العملية، وأعني بالمعرفة هنا إعطاء الأولوية وتثبيت المرجعية، لذلك دعونا نوضح الأمر أكثر.

الأولوية القصوى في الدفاع بكتلة متوسطة أمام الأرجنتين هي غلق العمق أولا ثم الممرات الداخلية (أنصاف المساحات) تبعية، لذلك لنلقي الضوء على المثال القادم.

هنا يقف جناح الرأس الأخضر بزاوية هدفها إغلاق التمرير العمودي، لأننا لا نريد أن تصل الكرة إلى اللاعب الساقط، لكن جزء من الثانية في التفكير في التحرك يعني أنك ستسمح لمارتينيز بالتمرير بالتالي وصول الأرجنتين إلى مبتغاه، لذلك الهدف هنا هو دفع مارتينيز إلى التمرير الجانبي للظهير ، لماذا؟

لأن سيجعل الأرجنتين تخرج للطرف وسيكسبنا أجزاء من الثانية للترحيل الصحيح ومن ثم إعادة التمركز وغلق أي مساحات ممكنة.

هنا أيضًا يحدث نفس الشيء.

لنأخذ مثالاً آخرًا لكن في الجهة اليمنى

هنا يحاول قلب الدفاع الأيسر روميرو التمرير إلى ماك أليستر وسينجح بالفعل في ذلك، لماذا؟

لأن المهاجم لن يقوم بتغطية ماك أليستر بالشكل الكافي وإغلاق مسار التمرير عليه وكذلك انشغل الجناح الأيسر بغلق دي باول خلفه مما سمح بالتمرير.

هدف روميرو من هذه التمريرة ليست فقط اختراق العمق لكن أيضًا نقل فريقه بعض الأمتار للأمام لأن ذلك سيدفع الرأس الأخضر للتراجع قليلا ثم قليلا إلى لحظة الوصول إلى الدفاع بكتلة أعمق وهذا شيء يريده الأرجنتينيون.

وعند حدوث الأمر وتراجع الكتلة قليلا إلى الخلف يتمركز رباعي أرجنتيني في المساحات المركزية مع وقوف الأظهرة على الخطوط لتوسيع العرض وإبقاء مساحة بين الظهير وقلب الدفاع يمكن اللعب من خلالها.

بعد أن نجح الرأس الأخضر في غلق العمق وإجبار الأرجنتين على الذهاب إلى الطرف، فقد جاهد أصدقاء فوسينها في التعامل مع الطرف لكنهم رغم كذلك أزعجوا الأرجنتين كثيرًا، ليضطر الأخير إلى استخدام الكرات الطويلة عند دفع كتلة الرأس الأخضر إلى التراجع قليلا للخلف.

المشكلة في مواجهة الأرجنتين أن الفريق أصبح يجد سياقات كثيرة للتهديد، بفضل تناغم المجموعة أولاً، ولأنهم وجدوا أنفسهم في تلك المواقف مئات المرات، وقد كانوا قادرين على التعامل معها في كل مرة.

المشكلة ليست في ذلك فقط، لكن لأن كل حل يجده الخصم يقوده إلى مشكلة أصعب غير معتاد على التعامل معها وهذا ما يجعل مواجهتهم كابوس.

إذا استحوذنا.. هل سيكون ذلك خطأ كبير؟

قد يبدو السؤال غريبًا. لكنني أعتقد أن هذه ستكون أول معركة تكتيكية.

هناك من سيقول إننا يجب أن نترك الكرة للأرجنتين.

لكن هل هذا فعلًا أفضل سيناريو؟ لست مقتنعًا. لأن الاستحواذ ليس قيمة في حد ذاته.

السؤال الحقيقي هو: أين يتم هذا الاستحواذ؟

إذا أصبح استحواذ مصر أمام خط الضغط الأول للأرجنتين، فسيكون عبئًا.

أما إذا استطعنا جعل الكرة تتحرك أفقيًا، وإجبار وسط الأرجنتين على تغيير اتجاهه باستمرار، فستبدأ المباراة في استنزاف أهم نقطة قوة لدى سكالوني؛ الانسجام.

الأرجنتين ليس منتخبًا يحب الفوضى. إنه من أكثر المنتخبات تنظيمًا في التحولات الدفاعية.

كل لاعب يعرف أين يقف. ومتى يتحرك. ومتى يغلق الزوايا.

لكن ماذا يحدث عندما تضطر هذه المنظومة إلى تغيير اتجاهها خمس أو ست مرات داخل الهجمة الواحدة؟

هنا يبدأ الإرهاق الذهني. وليس البدني.

وهذا بالضبط ما نجح منتخب مصر في فعله أمام أستراليا عندما كان ينقل الكرة باستمرار من اليمين إلى اليسار، ليس بحثًا عن اختراق مباشر، بل بحثًا عن لحظة يتأخر فيها أحد المدافعين نصف ثانية.

هذه الفكرة قد تكون أكثر أهمية أمام الأرجنتين منها أمام أستراليا.

لأن منتخب الأرجنتين لا يمنحك المساحات… لكنه، مثل أي فريق منظم، يمكن أن يمنحك التوقيت الخطأ.

الرأس الأخضر دخل كل مباراة وهو يعلم أن لحظاته مع الكرة لن تكون كثيرة.

أما منتخب مصر… فقد أثبت طوال البطولة أنه لا يعيش على رد الفعل فقط.

بل يستطيع أن يفرض إيقاعًا طويلًا بالكرة. ربما لأنه واجه منتخبات متوسطة المستوى أو في نفس المستوى.

رأينا ذلك أمام أستراليا. ورأيناه في أكثر من مباراة عندما نجح في تدوير اللعب، وجذب المنافس إلى جهة، ثم ضربه في الجهة الأخرى.

وهذا فارق جوهري. لأن منتخب الأرجنتين، على عكس أستراليا، لا ينزعج عندما يدافع قليلًا.

لكنه ينزعج عندما يضطر إلى الجري بلا كرة.

وهنا تبدأ المباراة الحقيقية.

هنا يدافع منتخب الأرجنتين بشكل 4-4-2، لكن الضغط هنا ليس كثيف، بمعنى أنه هادئ أو سلبي لأنهم يريدون أن يمرر الظهير نحو لاعب الوسط (8) الساقط.

لماذا؟ لأننا نريد محاصرته بمصيدة الضغط هنا في تلك المساحة ومن ثم افتكاك الكرة في منطقة خطيرة تساعدنا على التحول والمباغتة.

الفكرة هنا تكمن في مدى جودة لاعب وسط الرأس الأخضر الذي يستلم، لأنه لو يمتلك جودة عالية في الحفاظ على الكرة أو المراوغة فإن ذلك سيكسر انضغاط تلك المجموعة المتجمعة في تلك البقعة، مما يجعل الجهة الأخرى خالية تمامًا، من ثم يمكن إرسال الكرة القطرية ووضع الجناح الآخر في موقف 1 ضد 1

بنفس الجهة كذلك ولكن هنا في مرحلة مختلفة؛ مرحلة التراجع.

هنا يحاول الجناح الأرجنتيني التراجع وإعادة تمركزه قبل أن يذهب للضغط على ظهير الرأس الأخضر وهنا تأتي الخطورة، لماذا؟ لأن أي تمريرة جانبية جيدة من الخارج ستضع زميله الجناح الذي يركض خلف الظهير الأرجنتيني في موقف خطير خلف خط الدفاع.

ما أود قوله هنا هو أن دور ظهيرنا الأيمن وكذلك الجناح الساقط في نفس الجهة هام للغاية إذا أردنا حقًا مباغتة الأرجنتين

المباراة قد تحسم هنا

إذا سألتني الآن:

ما أول شيء سأراقبه في أول عشر دقائق؟

لن أقول عدد الفرص. ولا نسبة الاستحواذ. ولا حتى عدد التسديدات.

سأراقب شيئًا واحدًا.

كم مرة يضطر دي بول أو إنزو أو لاعب الارتكاز الأرجنتيني إلى الالتفات قبل استلام الكرة؟

لأن هذه نصف الثانية… هي التي صنعت الفارق في مباراة الرأس الأخضر.

وإذا نجح أصدقاء محمد صلاح في صناعتها أيضًا، فسيكونوا قد بدأوا في كتابة المباراة التي يريدونها.

لكن هنا يكمن الفخ

لو حاول منتخب مصر أن يلعب بنسخة مطابقة من الرأس الأخضر، فقد يقع في الخطأ نفسه الذي تقع فيه منتخبات كثيرة أمام الأرجنتين.

كلما نجحت في إغلاق العمق… تراجعت أكثر.

وكلما تراجعت أكثر… زادت جودة العرضيات، والكرات الثانية، والضغط العكسي بعد فقدان الكرة.

وهنا تصبح المباراة معركة بقاء.

ومنتخب مصر لا يجب أن يلعب مباراة بقاء. بل مباراة اختيار اللحظة.

وهذا، في رأيي، هو الفارق بين منتخب يريد أن يخسر بصعوبة… ومنتخب يؤمن أنه يستطيع الفوز.

المباراة لن تبدأ عندما يطلق الحكم صافرته

ستبدأ… عندما يقرر أول لاعب أرجنتيني أين سيلعب تمريرته الأولى.

قد تبدو ذلك تفصيلة صغيرة. لكنها في الحقيقة ستحدد شكل أول نصف ساعة.

لأن أصدقاء ليونيل ميسي ليسوا منتخبًا يبدأ المباراة بسرعة. بل يبدأها… بجمع المعلومات.

سكالوني لا يريد تسجيل هدف في الدقيقة الخامسة.

هو يريد أن يعرف أولًا: أين يضغط منتخب مصر؟ أين لا يضغط؟ من يخرج من مكانه؟ من يبقى؟ أين يمكن خلق اللاعب الحر؟ ولهذا لا تستغرب أن كانت أول عشر دقائق هادئة.

فالهدوء هنا ليس حذرًا. بل… استطلاع.

أول سؤال سيطرحه منتخب الأرجنتين

هل سيخرج منتخب مصر إلى دي بول؟ أم سيغلق المسار؟

إذا خرج أحد لاعبي الوسط المصريين إليه… سيبدأ منتخب الأرجنتين في تدوير الكرة حوله.

أما إذا بقي في مكانه… فستبدأ الكرة تتحرك نحو الطرف. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي.

هل سيخرج الظهير المصري؟ أم سيبقى مع جناحه؟

هذه ليست تفاصيل. هذه هي المباراة.

لماذا أعتقد أن مرموش سيكون أهم من صلاح؟

أعرف أن هذه الجملة ستفاجئ كثيرين. لكنني مقتنع بها.

إذا سألت أي مدافع: من اللاعب الذي تخافه أكثر؟ سيقول صلاح.

لكن إذا سألت أي مدرب: من اللاعب الذي يفسد تنظيمك أكثر؟

فقد تكون الإجابة… مرموش.

لأن صلاح غالبًا ما يجبرك على مراقبته.

أما مرموش… فيجبرك على تغيير شكل خطك الدفاعي.

الرأس الأخضر لم يكن لديها لاعب بخصائص مرموش. وهذا هو الفارق الأول.

مرموش لا ينتظر الكرة. هو يطارد المساحة. ويغير زاوية استلامه باستمرار.

وأمام فريق يعتمد على الانضباط الدفاعي مثل الأرجنتين، فإن اللاعب الذي يتحرك خارج النمط المعتاد أخطر من اللاعب الذي ينتظرها على الخط.

ولهذا، إذا أراد منتخب مصر أن يكرر ما فعله الرأس الأخضر، فعليه ألا يكرر تمركزه.

بل يستفيد من شيء لم يكن متاحًا للرأس الأخضر أصلًا.

وصلاح؟

هنا أعتقد أن المباراة ستحتاج إلى شجاعة. وأقصد شجاعة تكتيكية.

لأن معظم المنتخبات تحاول أن تجعل صلاح يستلم الكرة كثيرًا.

أما أنا… فلو كنت مكان حسام حسن، لفعلت العكس.

سأجعل صلاح… يسحب المباراة نحوه. وليس الكرة. هناك فرق.

إذا بقي صلاح ثابتًا، ستعرف منتخب الأرجنتين أين يدافع.

لكن إذا بدأ يتحرك إلى الداخل، ثم يعود،، فإن المشكلة لن تكون في صلاح نفسه.

بل في السؤال الذي سيواجهه الظهير الأيسر الأرجنتيني: هل أتبعه؟ أم أقوم بتسليمه؟

وهنا تبدأ نصف الثانية التي أتحدث عنها.

عاشور عاشور عاشور عاشور

إمام عاشور، هو اللاعب الأكثر قدرة على كسر النسق.

المنتخب الأرجنتيني يحب أن يعرف أين يقف لاعبو الوسط.

إمام لا يمنحك هذه الرفاهية. قد تجده بجوار مروان. ثم بين الخطوط. ثم في نصف المساحة. ثم داخل منطقة الجزاء. وهذا النوع من اللاعبين هو أكثر ما يزعج الفرق المنظمة.

ليس لأنه يلمس الكرة أكثر. بل لأنه يجبر الآخرين على اتخاذ قرارات أكثر.

السيناريو الذي نخشاه

لكن هناك شيء واحد… إذا حدث… فسينهار كل ما كتبناه حتى الآن.

وهو أن تتحول المباراة إلى مطاردة.

إذا تأخر منتخب مصر بهدف مبكر، واضطر إلى فتح خطوطه منذ الشوط الأول، فإن كل الأفكار التي تحدثنا عنها ستصبح أقل قيمة.

لأن الأرجنتين، أكثر من أي منتخب آخر في البطولة، يعشق المساحات المفتوحة.

هم لا يريدون مهاجمة كتلة منظمة. بل مهاجمة فريقًا خرج من توازنه.

ولهذا، ربما تكون أول عشرين دقيقة هي الأكثر أهمية في المباراة كلها.

ليس لأنها ستحدد الفائز. بل لأنها ستحدد… نوع المباراة التي سنشاهدها.

لكن بقي سؤال أخير...

كيف ستعرف أن المباراة بدأت في الميل إلينا؟

عندما تبدأ المباراة، سيتجه معظم الناس إلى لوحة النتيجة. ثم إلى نسبة الاستحواذ. ثم إلى عدد التسديدات.

لكن إذا كنت تريد أن تعرف إلى أين تتجه المباراة فعلًا… فانسَ كل ذلك.

راقب خمسة أشياء فقط. لأنها، في رأيي، ستخبرك بما لا تستطيع لوحة النتيجة أن تقوله.

أولا

هل يلعب منتخب الأرجنتين داخل الملعب... أم حوله؟

إذا بدأ منتخب الأرجنتين يبني معظم هجماته عبر العمق… فاعرف أن المباراة تسير كما يريدها سكالوني.

أما إذا وجدت الكرة تنتقل باستمرار إلى الأطراف، ويضطر الظهيران إلى إرسال العرضيات أو إعادة الكرة إلى الخلف… فاعرف أن الأمور لا تسير كما خطط لها سكالوني.

وهذا بالضبط ما نجح منتخب الرأس الأخضر في فرضه.

ليس بمنع منتخب الأرجنتين من الوصول. بل بإجباره على الوصول من الطريق الذي لا يفضله.

إذا كرر منتخب مصر هذا السيناريو، فسيكون قد ربح أول معركة في المباراة.

ثانيا

كم مرة يلتفت لاعبو وسط الأرجنتين قبل استلام الكرة؟

قد يبدو سؤالًا غريبًا. لكنه في الحقيقة أكثر أهمية من عدد التمريرات.

الفريق المرتاح لا يلتفت. لأنه يعرف أين زملاؤه.

أما عندما يبدأ لاعب الوسط في النظر يمينًا ويسارًا قبل كل استلام… فاعلم أن الضغط لم يعد ضغطًا بدنيًا. بل أصبح ضغطًا ذهنيًا.

وهنا تبدأ الأخطاء. ليست أخطاء التمرير. بل أخطاء القرار.

ثالثا

هل صلاح يلمس الكرة كثيرًا؟

وربما هنا سأفاجئك. إذا كان صلاح أكثر لاعب يلمس الكرة لدينا… فقد لا تكون هذه أخبارًا جيدة.

لأن هذا يعني أن المنتخب الأرجنتين يعرف أين تنتهي كل هجمة. لكن إذا شعرت أن صلاح يختفي أحيانًا...

ثم يظهر فجأة في مكان مختلف… فاعلم أنه يؤدي الدور الذي يجب أن يؤديه.

ليس أن يكون نهاية كل هجمة. بل أن يكون اللاعب الذي يغيّر شكل الدفاع.

وهذا أهم بكثير.

رابعا

هل بدأ منتخب الأرجنتين في تغيير شكل ضغطه؟

إذا بقي ضغط الأرجنتين كما بدأ… فهذا يعني أن الفريق مرتاح.

لكن إذا لاحظت أن أحد لاعبي الوسط بدأ يخرج أكثر إلى الطرف. أو أن أحد قلوب الدفاع بدأ يغادر مكانه باستمرار. أو أن المسافات بين الخطوط أصبحت أكبر.

فاعلم أن منتخب مصر بدأ يفرض أسئلته. وهذه، في رأيي، أهم علامة في المباراة كلها.

خامسا

هل بدأ سكالوني يغيّر خصائص لاعبيه... لا أسماءهم؟

كل مدرب يستطيع إجراء تبديل. لكن السؤال هو: لماذا؟

إذا كان التبديل مجرد إنعاش بدني… فمنتخب الأرجنتين ما زال يسيطر.

أما إذا بدأ سكالوني يبحث عن لاعب مختلف في خصائصه...

أسرع. أكثر مباشرة. أفضل في الواحد ضد واحد.

فهذا يعني أنه لم يعد يبحث عن لاعب أفضل. بل عن سؤال جديد.

وهنا نكون قد نجحنا في أهم شيء يمكن أن تنجح فيه أمام بطل العالم.

أن تجعل المدرب المنافس… يفكر.

وربما بعد كل ما كتبته، أستطيع أن أقول شيئًا واحدًا فقط.

هذه المباراة لن تكون مواجهة بين منتخب يملك أسماءً أكبر، ومنتخب يحاول الدفاع.

وليست مواجهة بين صلاح وميسي. ولا بين حسام حسن وسكالوني.

إنها مواجهة بين فكرتين.

الفكرة الأولى تقول إن أفضل طريقة للفوز هي أن تفرض شخصيتك على المباراة.

أما الفكرة الثانية… فتقول إن الفوز يبدأ عندما تنجح في تغيير شخصية خصمك.

منتخب الرأس الأخضر لم يُقصِ الأرجنتين. لكنه كشف شيئًا مهمًا جدًا.

كشف أن بطل العالم، مثل أي فريق آخر، يملك مناطق راحة... ويملك أسئلة لا يحب أن يجيب عنها.

وهنا تبدأ مهمة منتخب مصر. ليس في تقليد الرأس الأخضر.

بل في أن يأخذ الدرس الذي تركه، ثم يضيف إليه ما يملكه هو وحده.