محمد صلاح - منتخب مصر
هناك لحظات في كرة القدم، لا يغير فيها المدرب الخطة، ولا يبدل الرسم، ولا يدفع بمهاجم إضافي، ومع ذلك، تتغير المباراة بالكامل.
لا لأن الفريق أصبح أفضل. بل لأن الخصم، فجأة، لم يعد يرى المباراة بالطريقة نفسها.
كرة القدم هي اثنان وعشرون عقلا، يحاول كل منها أن يدفع الآخر إلى اتخاذ القرار الخطأ.
فالمدرب لا يفوز لأنه يملك الفكرة الأكثر تعقيدًا. ولا لأن فريقه يستحوذ أكثر.
بل لأنه ينجح، للحظة واحدة، في أن يجعل خصمه يتردد. وما إن يبدأ التردد… تبدأ المباراة الحقيقية.
ولهذا، لم أشعر أن مباراة منتخب مصر أمام أستراليا كانت مباراة بين منتخبين.
كانت مباراة بين عدة أسئلة.
السؤال الأول... كان أستراليًا
دخل المنتخب الأسترالي المباراة برسم 3-4-2-1.
ثلاثة قلوب دفاع. ثنائي ارتكاز. وثنائي خلف المهاجم (عشرتين).
على الورق، بدا الأمر كأي تنظيم هجومي معتاد. لكن الفكرة كانت أبسط وأخطر.
لم يكن الفريق يبحث عن الأطراف. كان يبحث عن العمق.
كان يريد إجبار أحد ثنائي ارتكاز مصر على الخروج مع أحد من الثنائي تحت المهاجم (العشرتين).
وحين يحدث ذلك، تظهر المساحة خلفه. ثم تأتي التمريرة العمودية. ومن ثَمَ تبدأ الهجمة.
ولهذا لم يكن الهدف من الاستحواذ أن تصل الكرة بسرعة إلى المرمى، بل أن جعل الخط الأوسط المصري يتحرك أولًا، لأن أول حركة دفاعية صحيحة كانت ستخلق المساحة التي يبحث عنها المنتخب الأسترالي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم لماذا بدا الشوط الأول وكأنه يميل تدريجيًا إلى أستراليا رغم أن الفريق لم يصنع فرصًا كبيرة.
بيانات Opta تؤكد أنهم أنهوا اللقاء بـ 0.87 هدف متوقع فقط، ولم يصنعوا أي فرصة محققة من اللعب المفتوح، لكنهم نجحوا في دفع الكتلة المصرية إلى الخلف لفترات طويلة، لأن فكرتهم في الوصول إلى العمق كانت تفرض على منتخب مصر أن يدافع بردة فعل أكثر من فرض إيقاعه.
سؤال مصر الأول... كيف نجعلهم يترددون؟
في المقابل، لم يبدأ منتخب مصر المباراة باحثًا عن اختراق دفاع أستراليا، بل بمحاولة تعطيل أول ضغط أسترالي.
ولهذا، لم يكن تمركز مروان عطية وحمدي فتحي بجوار قلبي الدفاع مجرد مساندة في البناء، بل وسيلة لإجبار عشرتين أستراليا على اتخاذ قرار.
هل يلتزمان مع لاعبي الارتكاز المصريين؟ أم يتركانهما ويخرجان للضغط على قلبي الدفاع؟
وفي الحالتين، كان منتخب مصر يكسب شيئًا.
إذا بقيا في العمق، حصل قلبا الدفاع على الوقت. وإذا خرجا، ظهرت المساحات خلفهما.
ولهذا لم يكن تدوير الكرة من اليمين إلى اليسار هدفًا في حد ذاته. كان وسيلة لتحريك الكتلة الأسترالية بالكامل، حتى يصل أحد الظهيرين المصريين إلى مناطق متقدمة دون أن يخرج المنافس إليه مبكرًا.
كانت الكرة تتحرك. لكن السؤال الحقيقي كان يتحرك معها.
عندما بدأ منتخب أستراليا يفرض إيقاعه
وجد المنتخب الأسترالي طريقه إلى المباراة، ليس لأنه سيطر على الكرة، بل لأنها نجح في الوصول إلى لاعبي الوسط خلف المهاجم (العشرات) بين الخطوط.
كلما خرج أحد ثنائي الارتكاز المصري مع أحدهم، ظهر فراغ خلفه. وكلما ظهر هذا الفراغ، اضطر أحد قلبي الدفاع إلى التقدم.
ومع كل خطوة إضافية، كانت الكتلة المصرية تتراجع. ليس لأنها أرادت الدفاع منخفضًا.
بل لأن الأسئلة التي فرضها منتخب أستراليا كانت تقوده إلى هناك. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار المباراة.
منتخب أستراليا لم يكن يكسب الأرض بالسرعة، لكن بالقرارات.
السؤال الذي غيّر المباراة
ثم حدث أهم تعديل في اللقاء.
لم يكن تبديلًا. ولم يكن تغييرًا في الرسم. بل كان تغييرًا في السؤال.
في الشوط الأول، كان مصطفى زيكو يخرج أحيانًا للضغط على أحد قلوب الدفاع.
لكن مع بداية الشوط الثاني، حدث تعديل بسيط.
لم يعد هدفه قلب الدفاع. بل لاعب الارتكاز.
قد تبدو خطوة صغيرة. لكنها كانت اللحظة التي انتقل فيها منتخب مصر من فريق يجيب، إلى فريق يسأل. لم يعد يحاول إيقاف حامل الكرة، بل إغلاق اللاعب الذي يريد حامل الكرة الوصول إليه.
وفجأة، اختفت التمريرات العمودية التي بنى عليها منتخب أستراليا شوطه الأول، وبالتالي أصبح مجبر على اللعب عبر الأطراف. ومن هنا بدأت ملامح المباراة تتغير.
لم يضغط الفراعنة بصورة أعنف. ولم يستحوذ بصورة مختلفة. كل ما فعله هو تغيير وجهة الضغط. وهذا وحده كان كافيًا لتغيير اتجاه المباراة.
وليس من قبيل المصادفة أن يأتي هدف التعادل الأسترالي من كرة ثابتة، لا من الفكرة التي بنت عليه الفريق معظم هجماته في اللعب المفتوح.
ثم دخل هيثم حسن
هناك تبديلات تدخل لتجدد الطاقة. وأخرى تدخل لتغير الإيقاع. لكن هيثم حسن فعل شيئًا مختلفًا.
لقد غيّر نوع الأسئلة التي كان منتخب أستراليا مضطر للإجابة عنها.
طوال أكثر من ساعة، كانت المنظومة الأسترالية تعرف جيدًا كيف تدافع أمام خصائص مرموش، وصلاح، وزيكو.
ثم دخل لاعب لا يشبههم. لاعب يريد المواجهة الفردية. ويريد أن يجبر المدافع على الخروج إليه.
وهنا ظهرت المشكلة.
لم يعد يكفي أن يخرج الظهير وحده. لأن هيثم يستطيع تجاوزه. ولم يعد خروج لاعب الارتكاز للمساندة حلًا مثاليًا.
لأن ذلك يفتح العمق أمام عاشور أو مروان عطية.
وفجأة، لم يعد الاستراليون يدافعون عن الكرة. بل أصبحوا يدافعون عن الاحتمالات.
وكانت تلك أول مرة في المباراة لا يملكون فيها إجابة جاهزة.
عندما تغيّرت الأولويات
في الشوط الأول، كانت الأولوية الأسترالية واضحة.
أغلق العمق. راقب تحركات صلاح ومرموش. وادفع مصر إلى الطرف.
لكن بعد دخول هيثم حسن، اختلط ترتيب هذه الأولويات. إذا تضاعفت الرقابة عليه، تُرك محمد هاني حرًا.
وإذا خرج لاعب الارتكاز للمساندة، ظهرت مساحة أمام منطقة الجزاء. وإذا بقيت الكتلة في العمق، أصبح هيثم في مواجهة فردية.
لم يعد هناك قرار مثالي. وفي كرة القدم الحديثة، عندما لا يجد الخصم قرارًا مثاليًا، فهذه أول علامات نجاحك التكتيكي.
الأدوار لا المراكز
المرونة التكتيكية لا تعني أن تلعب في مركزين، بل أن تعرف متى تصبح كل واحد منهما.
إذا كان دخول هيثم حسن قد غيّر الأسئلة الهجومية، فإن حسام عبد المجيد غيّر شكل مصر الدفاعي دون أن يشعر كثيرون.
في البداية، بدا الأمر واضحًا. قلب دفاع ثالث. ثلاثي في الخلف.
وهذا ما ظنه معظم من تابع المباراة، لكن مع كل استحواذ مصري، كان الشكل يتغير بهدوء.
رامي ربيعة وياسر إبراهيم بقيا كآخر خط دفاع. أما حسام، فلم يبقَ معهما.
كان يتقدم خطوة. وأحيانًا خطوتين. ليقف بجوار مروان عطية.
فلم يبن أصدقاء محمد صلاح اللعب بثلاثة قلوب دفاع أمام ضغط أستراليا الأول.
بل بثنائي في الخلف وثنائي أمامهما. أي أن شكل البناء أصبح 2-2 بدلًا من 3-2.
وهنا ظهرت أول ميزة لهذا التحول.
ضغط أستراليا الأول كان مبنيًا على مطاردة ثلاثة قلوب دفاع. لكن عندما أصبح البناء يبدأ من اثنين فقط، لم يعد أمام المهاجم الأسترالي سوى قرار واحد.
هل يضغط؟ أم يغلق زاوية التمرير؟
وهنا كسب منتخب مصر ثانية إضافية مع الكرة.
لكن الدور لم يتوقف عند البناء، فوجود حسام بجوار مروان لم يكن فقط لإضافة لاعب في وسط الملعب. بل لتكوين ما يعرف اليوم بالدفاع الوقائي؛ أي الشكل الدفاعي الذي يبقى جاهزًا لحظة فقدان الكرة.
فإذا قُطعت الكرة، كان أول ما يفعله حسام هو غلق مسار التمرير العمودي. ولهذا، لم يجد منتخب أستراليا المساحة نفسها التي كان يجدها في الشوط الأول.
لأن أول تمريرة في المرتدة… كانت تجد حسام في طريقها.
لكن مع إصابة كريم حافظ وخروجه والدفع بمحمود تريزيجيه تحول حسام إلى قلب دفاع ثالث، ليتحول بناء اللعب إلى 3+2
رامي ربيعة... أنا هنا أيضًا
مع انشغال أستراليا بالجهة اليمنى، ظهر دور آخر بهدوء. رامي ربيعة.
لم يعد مجرد قلب دفاع يبدأ الهجمة. بل أصبح حاملًا للكرة يكسر بها الخط الأول.
كل خطوة إضافية كان يخطوها للأمام، كانت تجبر منتخب أستراليا على التراجع مترًا آخر.
ومع تقدم كريم حافظ، أصبح منتخب مصر يهاجم بعدد أكبر، بينما حافظ حسام على التوازن بإغلاق المساحات خلف رامي ربيعة وإفساد معظم محاولات أستراليا في استغلال الكرات الطويلة.
لم يكن هذا استحواذًا من أجل الاستحواذ. بل استحواذًا من أجل دفع المنافس إلى المكان الذي تريده.
المباراة التي انتصر فيها السؤال الأخير
كل مباراة تبدأ بخطة. لكن القليل منها ينتهي بالخطة نفسها. لأن المباراة تتغير كل دقيقة. وتفرض أسئلة جديدة.
بدأ منتخب أستراليا المباراة وهو يطرح السؤال. ثم أجاب منتخب مصر.
ومع بداية الشوط الثاني، طرح منتخب مصر سؤالًا جديدًا. ثم جاء هيثم حسن… فغيّر الأسئلة كلها.
أنهى منتخب مصر المباراة باستحواذ بلغ 58%، وبأفضلية في الأهداف المتوقعة بلغت 1.36 مقابل 0.87، وصنع ثلاث فرص محققة مقابل صفر لأستراليا، كما أكمل أكثر من 600 تمريرة طوال اللقاء.
لكن أجمل ما في الأرقام… أنها لا تستطيع أن تروي القصة كاملة.
لا تستطيع أن تخبرك لماذا خرج لاعب ارتكاز أسترالي خطوة إضافية نحو الطرف.
ولا لماذا أصبح رامي ربيعة يحمل الكرة بثقة أكبر في آخر نصف ساعة.
ولا لماذا بدا المنتخب الأسترالي، فجأة، وكأنه يبحث عن حلول لم يستعد لها.
هذه الأشياء لا تظهر في الجداول. لكنها هي التي تصنع الجداول.
وربما لهذا السبب، لم تكن بالنسبة لي أجمل لحظة في مباراة مصر وأستراليا هي ركلة حسام الترجيحية التي حسمت تأهل الفراعنة لأول مرة في تاريخهم إلى دور الستة عشر من بطولة كأس العالم.
بل تلك اللحظة التي اضطر فيها المنتخب الأسترالي إلى التخلي عن خطته، والبدء في البحث عن إجابة جديدة.
لأن مباريات كرة القدم لا يحسمها دائمًا الفريق الذي يملك الخطة الأفضل.
بل الفريق الذي ينجح، في اللحظة المناسبة، في أن يطرح… السؤال الأخير.
نرشح لكم
"تجاوز الخط الأحمر".. يويفا ينتقد قرار رفع الإيقاف عن بالوجون
متحف كأس العالم - حذاء ينقذ الكأس في الحرب
كأس العالم - استعدادا لـ مصر.. منتخب الأرجنتين يصل أتلانتا بعد تأخر رحلته لسوء الأحوال الجوية
كأس العالم - دي يونج: الانتظار 4 سنوات للمونديال المقبل يبدو وكأنه دهر
كأس العالم - فيفا يفتح لـ بلجيكا باب الاستئناف ضد إيقاف بالوجون قبل ساعات من المباراة
كأس العالم - كاسيميرو: سنبقى دائما الجيل الذي لم يفز بلقب المونديال
كأس العالم - صراع الحذاء الذهبي يشتعل بين هالاند وميسي ومبابي وكين












مصر
أمريكا 2026
كأس العالم - شرطة دالاس تكشف تفاصيل مبادرتها مع بعثة منتخب مصر