كأس العالم – مؤثرون في البطولة.. 12 شخصية صعنت الفارق في دور المجموعات
الإثنين، 29 يونيو 2026 - 22:39
كتب : عمر مختار
مؤثرون في كأس العالم
في كأس العالم، لا يكفي أن تكون لاعبًا جيدًا لتُذكر. البطولة لا تحفظ في ذاكرتها سوى من غيّر شيئًا؛ لاعبًا غيّر شكل مباراة، أو منتخبًا تغيّر بسببه، أو لحظةً صغيرةً صنعت فارقًا أكبر من نتيجتها.
ومع نهاية دور المجموعات في مونديال 2026، لم تعد الصورة مجرد أرقام في جدول، بل مجموعة من القصص التي تداخل فيها الأداء الفردي مع التأثير الجماعي، لتصنع ملامح بطولة بدأت تكتسب شخصيتها مبكرًا.
هذا ليس ترتيبًا ولا تصنيفًا، بل محاولة لفهم من صنعوا «أثرًا» قبل أن يبدأ الجد الحقيقي للبطولة.
حتى الزمن خسر رهانه.. ليونيل ميسي
حين ظهر ليونيل ميسي لأول مرة في كأس العالم عام 2006، كان كثيرون يتحدثون عن لاعب واعد يحمل ملامح خليفة أسطورة. وبعد عشرين عامًا، لم يعد السؤال يدور حول حجم موهبته أو مكانته في تاريخ اللعبة، بل حول أمر مختلف تمامًا: كيف لا يزال قادرًا على صناعة الفارق في أكبر بطولة كروية على وجه الأرض؟
الأرقام وحدها تشرح جانبًا من القصة. افتتح ميسي البطولة بثلاثية في مرمى الجزائر، ثم سجل هدفين أمام النمسا، قبل أن يختتم دور المجموعات بهدف من ركلة حرة أمام الأردن، لينهي الدور الأول برصيد 6 أهداف، متصدرًا قائمة الهدافين. كما أصبح أول لاعب في تاريخ كأس العالم يسجل في سبع مباريات متتالية، وأضاف رقمًا تاريخيًا جديدًا إلى سلسلة طويلة من الأرقام التي ارتبطت باسمه.
لكن ما يجعل ميسي مؤثرًا لا يمكن اختزاله في عدد الأهداف.
إذا شاهدت مباريات الأرجنتين كاملة، ستلاحظ أن تأثيره يبدأ قبل منطقة الجزاء بوقت طويل. في كثير من الأحيان يترك موقعه كمهاجم وهمي، ويتراجع إلى دائرة المنتصف أو إلى نصف المساحة اليمنى، مستدرجًا أحد لاعبي الارتكاز للخروج من موقعه. وما إن يحدث ذلك، حتى تبدأ حركة متزامنة من لاوتارو مارتينيز وتياغو ألمادا نحو المساحات التي خلت خلفه.
تكررت هذه الحركة أكثر من مرة أمام النمسا. ففي الهدف الأول، لم يكن ميسي مجرد صاحب اللمسة الأخيرة، بل كان من بدأ الهجمة أصلًا، عندما تراجع لاستلام الكرة تحت الضغط، ثم مررها إلى الظهير الأيسر، قبل أن يواصل الركض نحو منطقة الجزاء، ليصل في التوقيت المثالي ويسجل. إنها لقطة تلخص تطور دوره؛ فهو لم يعد ينتظر الكرة، بل يصنع مسارها منذ اللحظة الأولى.
كما أن الأرجنتين لا تعتمد على ميسي في صناعة اللعب فقط، بل تعتمد أيضًا على حضوره الذهني. فعندما يحتفظ بالكرة لثانيتين إضافيتين، يمنح زملاءه وقتًا لإعادة التموضع. وعندما يسرع اللعب بتمريرة عمودية، تتحول المباراة فجأة من إيقاع هادئ إلى هجمة مكتملة. هذه القدرة على التحكم في «زمن المباراة» هي ما يميز اللاعبين العظماء عن بقية النجوم.
ربما تكون هذه آخر نسخة يخوضها ميسي في كأس العالم، وربما لا. لكن المؤكد أن دور المجموعات أثبت مرة أخرى أن الزمن لم ينتصر عليه بعد. فما زال قادرًا على قيادة الإيقاع، وكسر التنظيم الدفاعي، وكتابة أرقام جديدة في بطولة ظن كثيرون أنها ستشهد انتقال الشعلة إلى جيل آخر.
لكن يبدو أن ميسي... لم ينتهِ بعد.
ظهير ثوري بثلاث وظائف.. أشرف حكيمي
في كرة القدم الحديثة، أصبح الظهير مطالبًا بأداء أدوار متعددة خلال الهجمة الواحدة: يبدأ البناء، ويوفر العرض، ويدخل إلى العمق أحيانًا، ثم يعود خلال ثوانٍ ليغلق المساحات دفاعيًا. وكان حكيمي التجسيد الكامل لهذا الدور.
شارك قائد «أسود الأطلس» في المباريات الثلاث كاملة (270 دقيقة)، وسجل هدفًا وصنع آخر، ليكون المدافع المغربي الأكثر مساهمة في الأهداف خلال دور المجموعات.
لكن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من تأثيره.
بحسب بيانات FBref، كان حكيمي من أكثر لاعبي المغرب مشاركةً في البناء الهجومي، إذ لم يغادر الملعب دقيقة واحدة، بينما حافظ على معدل مساهمة هجومية بلغ 0.67 مساهمة تهديفية لكل 90 دقيقة، وهو رقم مرتفع للغاية بالنسبة لظهير أيمن.
أما موقع Tribuna، المعتمد على بيانات Opta، فأشار إلى أن حكيمي أنهى دور المجموعات بوصفه أكثر لاعب في البطولة صناعةً للفرص، بعدما خلق 11 فرصة محققة في ثلاث مباريات فقط، متفوقًا على جميع لاعبي البطولة حتى نهاية الدور الأول.
في مباراة البرازيل، كان المدرب محمد وهبي يحول الرسم الخططي أثناء الاستحواذ إلى ما يشبه 3-2-5؛ حيث يتراجع الظهير الأيسر، نصير مزراوي، ليشكل ثلاثيًا دفاعيًا، بينما يحصل حكيمي على الحرية الكاملة للتقدم حتى الثلث الأخير. هذا التحول منح المغرب لاعبًا إضافيًا بين الخطوط، وأجبر الجناح الأيسر للبرازيل على العودة باستمرار، ما حدّ من قدرته على التحول الهجومي.
وفي المباراة الأخيرة أمام هايتي، ظهر هذا الدور بصورة أوضح.
تقدم حكيمي باستمرار إلى داخل منطقة الجزاء بدلًا من البقاء على الخط، واستغل المساحة التي خلقها إسماعيل الصيباري في العمق، ليسجل الهدف الأول للمغرب، قبل أن يصنع هدفًا آخر، في مباراة انتهت بفوز «أسود الأطلس» 4-2 وحسم بطاقة التأهل.
لكن ربما تكون أهم ميزة في أداء حكيمي هي قدرته على اتخاذ القرار.
فهو لا ينطلق في كل هجمة، ولا يرسل العرضية الأولى التي تتاح له، بل ينتظر اللحظة التي يصبح فيها التفوق العددي مضمونًا، ثم يهاجم المساحة بأقصى سرعة. وهذا ما يجعل انطلاقاته أكثر خطورة من كثير من الأظهرة الذين يهاجمون أكثر منه.
ولهذا، فإن تأثير حكيمي في دور المجموعات لم يكن مرتبطًا بهدف أو تمريرة حاسمة فقط، بل بقدرته على تغيير شكل المغرب بالكامل. فعندما يتقدم، يصبح المنتخب أكثر عرضًا، وأكثر قدرة على تدوير الكرة، وأكثر تنوعًا في الوصول إلى المرمى.
لهذا السبب، لم يكن حكيمي مجرد أفضل لاعب في المغرب خلال الدور الأول، بل أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في البطولة بأكملها.
فاتح أبواب الساموراي
تغيّرت وظيفة المهاجم في كرة القدم الحديثة.
لم يعد المهاجم يُقاس فقط بعدد الأهداف التي يسجلها، بل بعدد المرات التي يمنع فيها المنافس من بناء الهجمة، وعدد الكرات التي يستعيدها فريقه بفضل ضغطه، وعدد المساحات التي يفتحها لزملائه دون أن يلمس الكرة.
ولهذا أصبح أياسي أويدا واحدًا من أكثر اللاعبين تأثيرًا في المنتخب الياباني.
قد يراه البعض مهاجمًا تقليديًا، لكن الحقيقة أنه أول مدافع في منظومة هاجيمي مورياسو.
منذ صافرة البداية، لا ينتظر أويدا وصول الكرة إلى منطقة الجزاء، بل يبدأ عمله عند قدمي قلبي دفاع المنافس. يضغط بزاوية تمنع التمرير إلى لاعب الارتكاز، ثم يجبر المدافع على إرسال كرة طويلة، وهي بالضبط اللحظة التي يريدها المنتخب الياباني لاستعادة الاستحواذ.
وكان هذا الضغط المنظم أحد أهم أسباب تفوق اليابان أمام تونس.
ففي المباراة التي انتهت بفوز كاسح 4-0، لم يكتف أويدا بتسجيل هدفين، بل صنع الهدف الثالث، ليخرج بمساهمة مباشرة في ثلاثة أهداف، لكن الأرقام لا تشرح كل شيء.
إذا أعدت مشاهدة المباراة، ستلاحظ أن أويدا نادرًا ما يبقى بين قلبي الدفاع أكثر من ثانيتين.
يتراجع لاستلام الكرة، ثم يدور نحو أحد الطرفين، أو يندفع خلف المدافع الذي خرج لمراقبته. هذه التحركات المستمرة تخلق فراغًا يستغله دايتشي كامادا أو جونيا إيتو أو كيتو ناكامورا للدخول إلى العمق، وهو ما جعل الهجوم الياباني يبدو متحركًا باستمرار، ويصعب مراقبته بلاعب واحد.
في الهدف الأول أمام تونس، لم يكن أويدا هو من سجل، لكنه كان من بدأ اللقطة بضغط أجبر المدافع على لعب كرة غير دقيقة، لتستعيد اليابان الاستحواذ بسرعة، وتبني هجمة انتهت بهدف كامادا. وبعد أقل من نصف ساعة، كان أويدا نفسه في المكان المناسب ليضاعف النتيجة، قبل أن يعود في الشوط الثاني ويضيف هدفه الشخصي الثاني برأسية مثالية، ثم يمرر كرة حاسمة إلى جونيا إيتو، ليصبح اللاعب الأكثر تأثيرًا في المباراة.
ولم يكن هذا الأداء مفاجئًا.
قبل مواجهة السويد، خصّ مدربها جراهام بوتر أويدا بالذكر، مؤكدًا أن اليابان لا تعتمد على لاعب واحد، لكنه وصف أويدا ودايتشي كامادا بأنهما من أبرز مفاتيح اللعب، محذرًا من قدرة مهاجم فينورد على استغلال أنصاف الفرص والتحرك بين الخطوط.
وفي الجولة الأخيرة أمام السويد، ورغم انتهاء المباراة بالتعادل 1-1، واصل أويدا أداء دوره التكتيكي حتى عندما لم يكن هو من يسجل. افتتحت اليابان التسجيل عبر دايزن مايدا بعد هجمة جماعية، لكن التحركات المستمرة للمهاجمين، وعلى رأسهم أويدا، ظلت تمنح الفريق القدرة على الخروج من الضغط وتهديد الدفاع السويدي حتى صافرة النهاية، ليحسم "الساموراي الأزرق" تأهله إلى دور الـ32 دون خسارة.
وربما هنا تكمن قيمة أويدا الحقيقية.
القليل من اللمسات... كثير من التأثير.. دينيز أونداف
هناك لاعبون ينتظرون فرصتهم، وهناك لاعبون يقتحمونها.
لم يدخل دينيز أونداف البطولة وهو في مقدمة الأسماء المرشحة للحديث عنها، لكنه احتاج إلى دقائق قليلة فقط ليجبر الجميع على الالتفات إليه.
استغل كل دقيقة وكأنها الأخيرة. تحرك بثقة، وأنهى الهجمات ببرودة أعصاب، وتصرف كمهاجم لا يحتاج إلى عشر فرص ليسجل هدفًا واحدًا. ومع كل مباراة، بدا وكأنه يبعث برسالة واضحة: لا يهم متى تبدأ، المهم ماذا تفعل عندما تبدأ.
قد يكون أغرب ما في بطولة ألمانيا حتى الآن أن اللاعب الأكثر تأثيرًا في الثلث الأخير لم يكن المهاجم الأساسي عند انطلاق البطولة.
دخل دينيز أونداف كأس العالم 2026 وسط منافسة كبيرة على مركز رأس الحربة، ولم يكن الخيار الأول للمدرب يوليان ناجلسمان، لكن دور المجموعات انتهى وهو يفرض نفسه أحد أبرز المهاجمين في البطولة، ليس بسبب عدد الدقائق التي لعبها، بل بسبب القيمة التي أضافها في كل مرة شارك فيها.
في مباراة كوت ديفوار، كانت ألمانيا متأخرة بهدف، بينما بدت عاجزة عن اختراق الدفاع المنافس رغم سيطرتها على الاستحواذ. قرر ناجلسمان الدفع بأونداف، فتغير شكل المباراة بالكامل. سجل هدف التعادل، ثم عاد في الوقت بدل الضائع ليسجل هدف الفوز، ليقود ألمانيا إلى انتصار حسم التأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى منذ تتويجها عام 2014. وبعد المباراة، قال ناجلسمان إن أونداف "قد يستحق مكانًا أساسيًا" بعد هذا التأثير الحاسم.
لكن قراءة المباراة تكشف أن القصة لم تكن مجرد هدفين.
أونداف لا يتحرك كمهاجم كلاسيكي ينتظر الكرة بين قلبي الدفاع. كثيرًا ما يتراجع عدة أمتار ليستقبل الكرة بين الخطوط، ثم يعيدها بلمسة واحدة قبل أن يهاجم المساحة التي صنعها بنفسه. هذه الحركة أربكت دفاع كوت ديفوار أكثر من مرة، لأنها أجبرت أحد المدافعين على الخروج من موقعه، فاتحةً ممرًا لزملائه في العمق.
هذه القدرة على الجمع بين دور المهاجم والمحطة وصانع اللعب القصير هي ما جعلت ألمانيا تبدو أكثر تنوعًا هجوميًا بعد دخوله.
الأرقام تؤكد ذلك أيضًا. وفق بيانات FIFA، أنهى أونداف أول مباراتين في البطولة برصيد 3 أهداف وتمريرتين حاسمتين، وهو أفضل معدل مساهمة تهديفية بين لاعبي ألمانيا في دور المجموعات، رغم أنه لم يبدأ البطولة خيارًا أساسيًا.
لكن ربما تكون الإحصائية الأكثر أهمية هي تلك التي لا تظهر في خانة الأهداف.
عندما يدخل أونداف، يرتفع إيقاع الضغط الألماني في الثلث الأخير. فهو لا يكتفي بانتظار التمريرة داخل منطقة الجزاء، بل يبدأ بالضغط على حامل الكرة، ويغلق زاوية التمرير إلى لاعب الارتكاز، ما يجبر المنافس على لعب كرات طويلة تستعيدها ألمانيا سريعًا. هذا ما حدث مرارًا أمام كوت ديفوار، حيث تحولت عدة حالات استحواذ ألمانية إلى فرص مباشرة بعد افتكاك الكرة في نصف ملعب المنافس.
هناك أيضًا جانب ذهني يميز أونداف.
بعض المهاجمين يحتاجون إلى إيقاع المباراة منذ بدايتها حتى يدخلوا أجواء اللقاء، أما أونداف فيبدو وكأنه يدخل وهو يعرف أن أمامه دقائق محدودة لإحداث الفارق. لا يهدر لمساته، ولا يبالغ في الاحتفاظ بالكرة، ويتخذ قراره بسرعة كبيرة داخل منطقة الجزاء، وهو ما يفسر لماذا أصبح يوصف في الإعلام الألماني والدولي بـ"السوبر بديل".
من يعمل بعيدًا عن الكاميرات.. ريتشارد ريوس
لا يركض نحوه المصورون بعد صافرة النهاية، ولا يتصدر أغلفة الصحف، لكنه يترك بصمته في كل هجمة تبدأ، وفي كل هجمة تنتهي قبل أن تصل إلى مرمى فريقه.
في مونديال 2026، كان ريتشارد ريوس واحدًا من هؤلاء.
عندما تشاهد مباريات كولومبيا، قد يلفت انتباهك تألق خاميس رودريجيز أو سرعة لويس دياز أو انطلاقات جون أرياس، لكن إذا أعدت مشاهدة المباراة مرة ثانية، ستلاحظ أن هناك لاعبًا آخر يربط كل هذه القطع ببعضها.
ريتشارد ريوس.
لاعب الوسط البالغ من العمر 26 عامًا لم يكن الأكثر لمسًا للكرة، ولا الأكثر تمريرًا، لكنه كان اللاعب الذي أعاد التوازن إلى منتخب كولومبيا في كل مرة حاول فيها المنافس كسر الإيقاع.
فبحسب الإحصاءات المنشورة بعد نهاية دور المجموعات، فاز ريوس بـ25 التحامًا أرضيًا، واستعاد الاستحواذ 19 مرة، ونجح في 9 اعتراضات و8 تدخلات دفاعية، كما أكمل 13 تمريرة طويلة من أصل 15، بنسبة نجاح قاربت 87%، وهي أرقام تضعه بين أكثر لاعبي الوسط اكتمالًا في البطولة حتى الآن.
لكن ما الذي تعنيه هذه الأرقام داخل الملعب؟
تعني أن كولومبيا لم تكن تبدأ هجماتها من المدافعين، بل من ريوس.
في مواجهة البرتغال، على سبيل المثال، حاول المنتخب البرتغالي الضغط بثلاثة لاعبين على خط بناء اللعب الكولومبي، لكن ريوس كان يتراجع باستمرار بين قلبي الدفاع، ليمنح فريقه لاعبًا إضافيًا في عملية البناء. هذا التحرك البسيط سمح لكولومبيا بالخروج من الضغط أكثر من مرة، وهو ما ظهر في المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي، لكنها كانت من أكثر مباريات دور المجموعات جودة على المستوى التكتيكي. ونجحت كولومبيا مرارًا في كسر ضغط البرتغال عبر تحركات لاعبي الوسط وتمريراتهم العمودية.
ولا يقتصر تأثير ريوس على الجانب الدفاعي.
فمن بين أكثر اللقطات تكرارًا في مباريات كولومبيا، استلامه الكرة وظهره للمرمى، ثم الدوران بعيدًا عن ضغط المنافس قبل إرسال تمريرة طويلة إلى الجناح في المساحة الخالية. ونجاحه في 13 تمريرة طويلة من أصل 15 يعكس قدرته على تغيير اتجاه اللعب بسرعة، وهو عنصر أساسي في أسلوب كولومبيا الذي يعتمد على استغلال سرعة لويس دياز وأرياس في الأطراف.
كما أن حصوله على 13 خطأ ليس رقمًا عابرًا، بل يكشف جانبًا آخر من شخصيته. ريوس لا يتخلص من الكرة بسرعة عند أول ضغط، بل يحتفظ بها حتى يجبر المنافس على ارتكاب المخالفة أو فتح مساحة لزميله. هذه الثواني القليلة تمنح كولومبيا فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وتحول الضغط إلى استحواذ مستقر.
المدرب الكولومبي لا يطلب منه تسجيل الأهداف، ولا صناعة اللقطة الأخيرة، بل يطلب منه شيئًا أصعب: أن يجعل المباراة تسير بالإيقاع الذي تريده كولومبيا، لا بالإيقاع الذي يفرضه المنافس.
وهذا بالضبط ما فعله ريتشارد ريوس طوال دور المجموعات.
قد لا يتذكره كثيرون عند الحديث عن هدافي البطولة أو صناع اللعب، لكنه كان أحد أكثر لاعبي الوسط تأثيرًا في التفاصيل التي لا تظهر دائمًا في الملخصات، لكنها كثيرًا ما تحسم مباريات كأس العالم.
الأحلام تحتاج إلى حارس.. مصطفى شوبير
في البطولات الكبرى، يخرج بعض الحراس من المباراة بعدد كبير من التصديات، لكن القليل منهم يخرج وقد غيّر مصير منتخب بأكمله.
هذا ما فعله مصطفى شوبير مع منتخب مصر في دور المجموعات من كأس العالم 2026.
قبل انطلاق البطولة، كان الجدل يدور حول هوية الحارس الأساسي، لكن مع مرور المباريات، انتهى الجدل سريعًا. لم يكن السبب عدد التصديات فقط، بل الطريقة التي لعب بها. شوبير لم يتعامل مع المرمى باعتباره خطًا أخيرًا للدفاع، بل نقطة انطلاق للهجوم ومصدرًا للهدوء في أصعب لحظات المباريات.
أمام بلجيكا في المباراة الافتتاحية، تعرض المنتخب المصري لفترات ضغط طويلة، خصوصًا خلال الشوط الثاني، لكن شوبير بدا ثابتًا طوال الوقت. وفي المباراة الثانية، وفي الشوط الثاني أيضًا، أتيحت لمنتخب نيوزيلندا فرصة لمضاعفة النتيجة والقضاء على الفراعنة تمامًا، لكن الحارس المصري حافظ على تركيزه وأنقذ فرصة محققة أبقت النتيجة كما هي، ليعود منتخب مصر ويقلب تأخره بهدف إلى فوز تاريخي بثلاثة أهداف، محققًا بذلك أول انتصار له في بطولة كأس العالم على الإطلاق.
لكن المباراة التي رسخت اسمه في البطولة جاءت أمام إيران.
دخل منتخب مصر اللقاء وهو متأهل رسميًا، بينما احتاج منتخب إيران إلى عدة سيناريوهات لحجز بطاقة التأهل إلى دور الـ32، لكن التفاصيل الصغيرة هي التي حددت كل شيء. تقدم منتخب مصر مبكرًا، ثم حصل منتخب إيران على ركلة جزاء كانت كفيلة بتغيير مسار المباراة بالكامل. وقف مهدي طارمي أمام الكرة، بينما وقف شوبير بهدوء لافت، دون أي استعراض أو محاولة للتأثير على المهاجم. انتظر حتى اللحظة الأخيرة، ثم اتجه إلى الزاوية الصحيحة وأبعد الكرة، في تصدٍ تحول إلى نقطة التحول الأهم في اللقاء. وصرح بعد ذلك بأنه درس مسددي ركلات الجزاء في منتخب إيران بمساعدة محلل أداء المنتخب المصري، مما ساعده على التصدي لركلة الجزاء.
ولم يكن ذلك التصدي هو النهاية.
واصل المنتخب الإيراني ضغطه طوال المباراة، وأجبر الدفاع المصري على التراجع، لكن شوبير تصدى لمحاولات أخرى، أبرزها كرة ميلاد محمدي، قبل أن يُلغى هدف إيراني في الوقت بدل الضائع بداعي التسلل بعد مراجعة تقنية الفيديو. خرجت مصر بالتعادل 1-1، لكن قيمة هذه النتيجة تجاوزت مجرد نقطة في جدول الترتيب؛ إذ ضمنت للمنتخب المصري المركز الثاني، وبالتالي مواجهة المنتخب الأسترالي، وكذلك الابتعاد عن مواجهة المنتخب السويسري في الدور المقبل.
تكتيكيًا، لم يكن تأثير شوبير مقتصرًا على رد الفعل داخل منطقة الجزاء.
في مباريات دور المجموعات، اعتمد حسام حسن على خط دفاع يتقدم أحيانًا لفرض الضغط في وسط الملعب، وهو ما كان يترك مساحات خلف المدافعين. هنا ظهر دور شوبير كحارس حديث، لا ينتظر وصول المهاجم إلى منطقة الست ياردات، بل يخرج لقطع الكرات الطولية ويمنح المدافعين الثقة في الحفاظ على خط متقدم. هذه التفاصيل لا تُسجل دائمًا في خانة التصديات، لكنها تمنع الفرص من أن تتحول إلى تسديدات من الأساس.
كما لعب دورًا مهمًا في بداية الهجمة. لم يلجأ كثيرًا إلى تشتيت الكرة عشوائيًا تحت الضغط، بل فضل البحث عن الظهير الحر أو لاعب الارتكاز باستخدام الكرات القطرية، ما ساعد مصر على تجاوز الموجة الأولى من ضغط المنافس في أكثر من مناسبة، خصوصًا أمام نيوزيلندا وبلجيكا. هذا الهدوء في اتخاذ القرار منح المنتخب قدرة أكبر على الاحتفاظ بالكرة بدلًا من إعادتها سريعًا إلى المنافس.
وربما تكمن قيمة شوبير الحقيقية في أمر يصعب قياسه بالأرقام.
الحارس الكبير لا يجعل الجماهير تتحدث عن تصدياته فقط، بل يجعل زملاءه يلعبون بثقة أكبر لأنهم يعرفون أن خلفهم لاعبًا قادرًا على إنقاذ اللحظة عندما تصبح المباراة على وشك الانفلات.
وهذا ما فعله مصطفى شوبير طوال دور المجموعات.
رجل يصنع المشهد دون أن يبحث عن البطولة.. مايكل أوليس
قد لا يكون أسرع من كيليان مبابي، ولا أكثر استعراضًا من عثمان ديمبيلي، لكنه أصبح خلال دور المجموعات العقل الذي يربط بينهما. فكلما امتلك الكرة، بدا وكأنه يرى الملعب قبل الجميع، ويختار التمريرة التي لا يبحث عنها المدافع، بل يفاجأ بها.
أنهى منتخب فرنسا دور المجموعات محققًا العلامة الكاملة، مسجلًا 10 أهداف في ثلاث مباريات، لكن اللافت أن كل مباراة شهدت بطلًا هجوميًا مختلفًا، بينما بقي أوليس حاضرًا في قلب المنظومة الهجومية، محافظًا على الإيقاع نفسه مهما تغير صاحب اللمسة الأخيرة. ووصفت وكالة Reuters هذا التنوع بأنه أحد أسباب تحول فرنسا إلى أحد أكثر المنتخبات رعبًا في البطولة، مؤكدة أن ثلاثي مبابي وديمبيلي وأوليس لم يصلوا حتى الآن إلى قمة مستواهم في الوقت نفسه، وهو ما يجعل سقف المنتخب الفرنسي أعلى مما ظهر في دور المجموعات.
لكن تأثير أوليس لا يمكن قياسه بالأهداف فقط.
في أول مباراتين، قدم ثلاث تمريرات حاسمة، ليتقاسم صدارة صانعي الأهداف في البطولة حتى نهاية الجولة الثانية بجانب المهاجم السويدي إلكساندر إيساك، ولاعب الوسط البرازيلي برونو جيماريش.
غير أن الرقم الأكثر أهمية هو طريقة صناعة هذه الفرص.
بحسب بيانات Squawka، كان أوليس من بين أكثر لاعبي البطولة صناعةً للفرص الكبيرة (Big Chances Created)، كما واصل ما يقدمه مع بايرن ميونيخ خلال الموسم، حيث دخل كأس العالم بعدما أنهى موسمه بصناعة 30 هدفًا مع ناديه، وهو أعلى رقم لأي لاعب فرنسي في أحد أندية الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى خلال القرن الحالي. أما على مستوى صناعة اللعب، فقد صنع 79 فرصة، ولعب 23 تمريرة بينية، وأكمل 749 تمريرة تقدمية و936 تمريرة في الثلث الأخير خلال الموسم، وهي أرقام تفسر لماذا أصبح أحد أكثر الأجنحة تأثيرًا في أوروبا.
تكتيكيًا، لا يلعب أوليس كجناح تقليدي يلتصق بخط التماس.
في منظومة ديدييه ديشان، يبدأ على الطرف الأيمن، لكنه يتحرك باستمرار إلى نصف المساحة. هذا التحرك يمنحه زاويتين للتمرير في الوقت نفسه: الأولى نحو مبابي الذي يهاجم العمق، والثانية نحو ديمبيلي أو الظهير المتقدم على الطرف المقابل.
هذه الحرية في الحركة تجعل الدفاع في موقف معقد؛ فإذا خرج الظهير لمراقبته، انفتحت المساحة خلفه، وإذا بقي في مكانه، حصل أوليس على الوقت الكافي لرفع رأسه واختيار التمريرة.
ظهر ذلك بوضوح في مواجهة العراق، عندما استلم الكرة بين الخطوط، وجذب لاعب الوسط نحوه، ثم لعب كرة بينية وضعت ديمبيلي في مواجهة المرمى، قبل أن يضيف مبابي الهدف الثاني لاحقًا. لم يكن أوليس صاحب الهدف، لكنه كان صاحب القرار الذي كسر التنظيم الدفاعي للمنافس.
ولعل أكثر ما يميز أوليس هو هدوؤه.
لا يندفع للمراوغة في كل كرة، ولا يبحث عن اللمسة الاستعراضية، بل يفضل أن يجذب المدافع خطوة إضافية نحوه، ثم يمرر الكرة في اللحظة التي تصبح فيها المساحة أكبر من قدرة المنافس على إغلاقها.
ولهذا وصفه تييري هنري، في تقرير نشره موقع FIFA، بأنه لاعب "يرى اللعب بعقله قبل أن يراه بعينيه"، بينما قال مدربه ديدييه ديشان إن قدرته الفنية تمنح فرنسا "سلاسة حقيقية في الهجوم"، وتجعله أحد اللاعبين القادرين على صناعة الفارق دون الحاجة إلى لمس الكرة كثيرًا.
وربما لهذا السبب، لم يكن أوليس أكثر لاعبي فرنسا شهرة بعد نهاية دور المجموعات، لكنه كان أكثرهم تأثيرًا في بناء الهجمات.
فالهداف ينهي اللقطة… أما أوليس، فهو غالبًا من يبدأها.
الإيقاع الذي لا يراه الجميع.. فرينكي دي يونج
إذا أردت أن تعرف قيمة لاعب وسط، فلا تنظر إلى عدد أهدافه أو تمريراته الحاسمة.
انظر إلى ما يحدث عندما يغيب.
هذا هو أفضل تعريف لفرينكي دي يونج.
خلال السنوات الأخيرة، اعتادت هولندا أن تدفع ثمن غيابه كلما تعرض للإصابة، سواء في بطولة أوروبا أو خلال التصفيات. ومع عودته قبل كأس العالم، لم يكن الحديث يدور حول قدرته على صناعة الأهداف، بل حول سؤال واحد: هل سيستعيد المنتخب شخصيته بعودته؟ وكان الجواب واضحًا مع نهاية دور المجموعات.
يعد دي يونج "محرك المنتخب الهولندي" واللاعب الذي يمنح الفريق بعدًا إضافيًا في بناء اللعب، نظرًا لقدرته الرهيبة على التحكم في الإيقاع والخروج بالكرة تحت الضغط، وهو العنصر الذي يفتقده الطواحين أكثر من أي شيء آخر عند غيابه.
ومع انطلاق البطولة، أثبت أنه لا يحتاج إلى أرقام هجومية كبيرة حتى يفرض نفسه على المباريات.
في مباراة اليابان، حاول المنافس الضغط بثلاثة لاعبين على خط الدفاع الهولندي لمنع بناء اللعب من الخلف. لم يتعامل دي يونج مع الموقف بالتمريرات السريعة فقط، بل بدأ في التراجع بين قلبي الدفاع، محولًا عملية البناء إلى تفوق عددي 3 ضد 2 في أول مراحل الاستحواذ. هذا التحرك أجبر أحد المهاجمين اليابانيين على الخروج من موقعه، لتظهر المساحة أمام تيجاني رايندرز في العمق، ومنها بدأت عدة هجمات هولندية انتهت بوصول الكرة إلى كودي جاكبو وبراين بروبي في الثلث الأخير.
قد تبدو هذه الحركة بسيطة للمشاهد العادي، لكنها من أكثر التحركات تأثيرًا في كرة القدم الحديثة، لأنها تمنح الفريق القدرة على تجاوز الموجة الأولى من الضغط دون اللجوء إلى الكرات الطويلة.
وفي الفوز الكبير على السويد، ظهر وجه آخر لدي يونج.
لم يكن مجرد لاعب يخرج بالكرة، بل أصبح منظمًا لإيقاع المباراة. كلما حاول منتخب السويد رفع نسق اللعب، احتفظ بالكرة لثوانٍ إضافية، وفرض على المباراة السرعة التي تناسب منتخب هولندا، لا السرعة التي أرادها المنافس. هذا النوع من السيطرة لا يظهر في قائمة الهدافين، لكنه يظهر في نسبة الاستحواذ، وعدد مرات خروج الفريق بالكرة بنجاح، وفي شعور زملائه بالأمان عندما تكون الكرة عند قدميه.
لكن ربما تكون أهم ميزة في دي يونج هي أنه لا يفرض نفسه على المباراة بالقوة، بل بالهدوء.
لا يندفع إلى الالتحامات غير الضرورية، ولا يبحث عن التمريرة الصعبة إذا لم تكن موجودة. بل يتحلى بالصبر حتى تظهر زاوية اللعب المناسبة، ثم يمرر الكرة التي تجعل الهجمة تبدو أسهل مما كانت عليه في الحقيقة.
ولهذا كثيرًا ما يُقال إن أفضل مباريات دي يونج هي تلك التي لا يتحدث عنها أحد بعد النهاية.
لأن دوره لا يتمثل في صناعة اللقطة التي يتذكرها الجمهور، بل في ضمان أن تستمر المباراة وفق الإيقاع الذي تريده هولندا.
وربما لهذا السبب أيضًا، عندما يتحدث رونالد كومان عن فرص منتخبه في المنافسة على اللقب، يبدأ دائمًا من لاعب الوسط، لا من المهاجمين.
ففي بطولة تمتلئ بالنجوم، يبقى فرينكي دي يونج هو اللاعب الذي يجعل الجميع أفضل.
لاعب وسط بحجم وطن.. كيني روشا سانتوس
هناك لاعبون يصنعون الفارق في لقطة واحدة. وهناك لاعبون يصنعونه في تسعين دقيقة كاملة، دون أن يلاحظهم أحد.
كيني روشا سانتوس ينتمي إلى الفئة الثانية.
قد لا يعرفه كثير من متابعي الكرة الأوروبية كما يعرفون مبابي أو ميسي أو فينيسيوس، لكنه مع نهاية دور المجموعات كان أحد أهم أسباب كتابة الرأس الأخضر واحدة من أجمل قصص كأس العالم 2026.
منتخب يخوض أول مشاركة في تاريخه بالمونديال، ويجد نفسه في مجموعة تضم إسبانيا بطلة أوروبا، وأوروجواي بقيادة مارسيلو بيلسا، والسعودية التي اعتادت صناعة المفاجآت.
التوقعات كانت واضحة: الرأس الأخضر سيكتفي باكتساب الخبرة. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
خرج الفريق بثلاثة تعادلات، بدأها بتعادل تاريخي 0-0 أمام إسبانيا، ثم 2-2 أمام أوروجواي، قبل أن يحسم بطاقة التأهل بالتعادل 0-0 مع السعودية، مستفيدًا من فوز إسبانيا على أوروجواي، ليصبح أصغر دولة من حيث عدد السكان تبلغ الأدوار الإقصائية في تاريخ كأس العالم.
لكن خلف هذه القصة، كان هناك لاعب يربط كل شيء.
كيني روشا سانتوس.
لاعب الوسط لم يكن مطالبًا بصناعة الأهداف، بل بحماية المسافة الأصعب في كرة القدم: المسافة بين الدفاع والهجوم.
في مواجهة إسبانيا، استحوذ المنتخب الإسباني على قرابة 75% وسدد 27 مرة، لكن الرأس الأخضر خرج بشباك نظيفة. الجميع تحدث عن تألق الحارس فوزينيا، وهو يستحق ذلك، لكن ما سبق التصديات كان بنفس الأهمية؛ تضييق المساحات أمام بيدري، وإغلاق زوايا التمرير، ومنع إسبانيا من اللعب بين الخطوط. وهنا ظهر دور روشا.
لم يكن يطارد الكرة بعشوائية، بل كان يطارد المساحة التي ستصل إليها الكرة. هذه هي أصعب مهارة في لاعب الارتكاز.
أن تعرف أين ستكون التمريرة التالية، لا أين توجد الكرة الآن.
في مواجهة أوروجواي، التي انتهت بالتعادل 2-2، حاول فريق مارسيلو بيلسا فرض أسلوبه المعتاد بالضغط العالي والتحولات السريعة، لكن الرأس الأخضر نجح في الخروج من هذا الضغط أكثر من مرة، بفضل هدوء لاعبي الوسط في التمرير الأول، وقدرتهم على تحويل الضغط إلى هجمة مرتدة خلال ثوانٍ. وأشاد المدرب بوبيستا بعد اللقاء بشجاعة لاعبيه وقدرتهم على تنفيذ الخطة أمام أحد أكثر المنتخبات شراسة في الضغط.
تكتيكيًا، كان روشا يلعب دور "صمام الأمان".
عندما يتقدم الظهيران، يتراجع ليصبح ثالث لاعب في الخط الخلفي أثناء بناء اللعب.
وعندما يفقد الفريق الكرة، يعود فورًا ليغلق العمق قبل التفكير في الضغط على حامل الكرة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي جعلت الرأس الأخضر يبدو فريقًا منظمًا، لا منتخبًا يشارك للمرة الأولى في كأس العالم.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الرأس الأخضر أنهى دور المجموعات باعتباره أقل المنتخبات ارتكابًا للأخطاء، وهو رقم يعكس جودة التنظيم الدفاعي والانضباط التكتيكي أكثر مما يعكس الحذر.
في كرة القدم، تستطيع أن تدافع بالتدخلات العنيفة… أو أن تدافع بالتمركز الصحيح.
والرأس الأخضر اختار الطريق الأصعب.
لذلك لم يكن كيني روشا سانتوس بطلًا بسبب هدف أو تمريرة حاسمة، بل لأنه منح منتخبًا صغيرًا القدرة على الوقوف وجهًا لوجه أمام أبطال أوروبا وأبطال أمريكا الجنوبية دون أن يفقد شخصيته.
قد لا يظهر اسمه في سباق الحذاء الذهبي، لكنه كان أحد أكثر لاعبي الوسط تأثيرًا في بطولة تؤكد مرة أخرى أن كأس العالم لا يصنعه النجوم وحدهم، بل يصنعه أيضًا اللاعبون الذين يجعلون المنظومة بأكملها تعمل.
الموهبة حين تتعلم الحكمة.. فينيسيوس جونيور
لسنوات طويلة، كان فينيسيوس جونيور يُوصف بأنه أحد أكثر اللاعبين إثارة في العالم.
سرعة لا تضاهى، مراوغات تضع المدافعين في موقف محرج، وقدرة على خلق الفوضى في أي لحظة.
لكن كان هناك سؤال يطارده دائمًا. ماذا بعد المراوغة؟
في كأس العالم 2026، بدا أن فينيسيوس وجد الإجابة أخيرًا.
لم يعد يلعب لإبهار الجماهير، بل لإيذاء المنافس.
منذ المباراة الأولى أمام المغرب، ظهر التغيير واضحًا. لم يعد الجناح البرازيلي يبحث عن لمس الكرة عشرات المرات أو الدخول في مواجهة فردية كلما سنحت الفرصة، بل أصبح أكثر صبرًا في اختيار اللحظة المناسبة. وعندما تقدمت المغرب في النتيجة، لم يحتج سوى إلى مساحة صغيرة ليعيد البرازيل إلى المباراة بهدف منح فريقه التعادل 1-1.
ثم جاءت المباراة الثانية لتؤكد أن ما حدث لم يكن صدفة.
أمام هايتي، لم يكتفِ فينيسيوس بالمشاركة في بناء اللعب، بل سجل هدفين، وكان حاضرًا في التحولات السريعة التي أرادها كارلو أنشيلوتي، ليصبح اللاعب الأكثر مساهمة في الأهداف البرازيلية خلال أول جولتين. ووفقًا لـFIFA، كان فينيسيوس قد ساهم بشكل مباشر في جميع أهداف البرازيل الأربعة خلال أول مباراتين، وهو إنجاز تفوق به على حصيلة أساطير مثل روماريو ورونالدينيو في بداياتهم المونديالية.
وفي الجولة الثالثة أمام اسكتلندا، لم يتراجع مستواه. بل رفعه.
سجل هدفين جديدين، ليقود البرازيل إلى الفوز 3-0 وضمان صدارة المجموعة، رافعًا رصيده إلى 4 أهداف في دور المجموعات، بعدما هز الشباك في المباريات الثلاث، ليصبح أول لاعب برازيلي يحقق هذا الإنجاز في دور المجموعات منذ رونالدو وريفالدو في مونديال 2002.
لكن الأرقام ليست إلا جزءًا من القصة. التغيير الحقيقي حدث في طريقة لعبه.
كارلو أنشيلوتي لم يطلب من فينيسيوس أن يلتصق بخط التماس كما كان يحدث أحيانًا مع ريال مدريد، بل منحه حرية الدخول إلى العمق بمجرد انتقال الكرة إلى الثلث الأخير. في المقابل، كان الظهير يتولى توفير العرض، بينما يتحول فينيسيوس إلى مهاجم ثانٍ يهاجم المساحة بين قلب الدفاع والظهير.
هذه الحركة ظهرت بوضوح أمام اسكتلندا.
في الهدف الأول، لم يستلم الكرة على الخط كما اعتاد، بل انطلق من الداخل نحو القائم البعيد، مستغلًا انشغال المدافعين بالمهاجم الصريح. أما الهدف الثاني فجاء بعد تحرك عكسي، بدأ فيه على الطرف ثم دخل إلى العمق لينهي الهجمة بلمسة واحدة، وهي لقطة تعكس تطورًا واضحًا في قراءته للمساحات.
الأهم من ذلك، أن فينيسيوس أصبح يتخذ قراراته بسرعة أكبر.
في النسخ السابقة، كان ينجح في تجاوز المدافع الأول، ثم يتردد في التمرير أو التسديد.
أما في هذه البطولة، فأصبح يعرف متى يراوغ، ومتى يمرر، ومتى ينهي الهجمة من اللمسة الأولى.
وهذا ما جعله أكثر فاعلية من أي وقت مضى.
وقبل انطلاق البطولة، قال فينيسيوس في مؤتمر صحفي إنه لا يهتم بالحذاء الذهبي أو بجائزة أفضل لاعب، بل يريد فقط أن يساعد البرازيل على استعادة لقب كأس العالم بعد غياب دام 24 عامًا. قد تبدو هذه العبارة تقليدية، لكنها انعكست بوضوح على أدائه؛ إذ بدا في معظم الأوقات لاعبًا يضع مصلحة المنظومة فوق رغبته في الظهور الفردي.
ربما كانت الموهبة دائمًا موجودة. لكن ما أضافه مونديال 2026 إلى فينيسيوس هو النضج.
فقد تحولت سرعته من استعراض إلى سلاح، وتحولت مراوغاته من هدف في حد ذاتها إلى وسيلة لخلق فرصة، وتحول من جناح يربك المدافعين... إلى لاعب يستطيع أن يحسم المباريات.
ولهذا، لم يكن وجوده بين هدافي البطولة مجرد نتيجة لتألق هجومي، بل دليلًا على أن أحد أكثر المواهب إثارة في كرة القدم العالمية بدأ يدخل المرحلة التي يتحول فيها النجم إلى قائد داخل الملعب.
نرشح لكم
كأس العالم – استمرار غياب جيمس وكوانساه عن تدريبات إنجلترا
كأس العالم - حارس أستراليا السابق: قادرون على هزيمة مصر.. وقد نلجأ لركلات الترجيح
كأس العالم - استقالة رونالد كومان من تدريب هولندا
كأس العالم - يامال: إسبانيا ستفوز بكأس العالم.. ودور المجموعات لا يعني شيئا الآن
مباشر كأس العالم - فرنسا (0)-(0) السويد.. القائم يمنع الأول
كأس العالم - مؤتمر ديسابر: سنقاتل أمام إنجلترا.. ولا نريد أن نكون مجرد سياح
كأس العالم – تعليق حزين من عبد المنعم على إصابته أمام إيران
كأس العالم - رسالة من منتخب إيران إلى مدينة تيخوانا المكسيكية











