كتب : عمر مختار | الجمعة، 12 يونيو 2026 - 20:27
كأس العالم.. حين يرتدي الزمن قميص كرة قدم
تقرير المباراة
بعد أيام قليلة سأحتفل بعيد ميلادي.
لا أزال أشعر في كثير من الأحيان أنني ذلك الصبي الذي كان يركض إلى المنزل قبل بداية مباراة مهمة، أو الذي يتظاهر بالنوم حتى يسمح له والده بالسهر لمشاهدة مباراة متأخرة. لكن الأرقام لا تهتم بما نشعر به. الزمن يمضي بطريقته الخاصة، سواء اعترفنا بذلك أم لا.
المشكلة أنني لا أجيد قياس الزمن بالأرقام.
عندما يسألني أحدهم عن فترة معينة من حياتي، لا أفكر في السنوات. أفكر في كأس العالم.
أفكر في نسخة 2006 أكثر مما أفكر في عمري آنذاك. أتذكر نصف نهائي ألمانيا وإيطاليا أكثر مما أتذكر ما كنت أدرسه في المدرسة. أتذكر الدموع التي لم أفهمها وقتها بعد هدفي فابيو جروسو وأليساندرو ديل بييرو، وأتذكر الصمت الذي خيم على غرفتي الصغيرة، وكأن طفلًا في الثانية عشرة اكتشف للمرة الأولى أن الأشياء التي نحبها يمكن أن ترحل قبل أن نكون مستعدين لذلك.
ربما لهذا السبب تبدو بطولة كأس العالم مختلفة عن أي بطولة أخرى.
ليس لأنها أكبر بطولة في كرة القدم فحسب، بل لأنها أصبحت بالنسبة للكثيرين منا طريقة غريبة لقياس الحياة نفسها.
كل أربع سنوات يعود إلينا السؤال ذاته:
أين كنت في المرة الماضية؟ ليس سؤالًا عن المكان فقط.
من كنت؟ ما الذي كنت تخافه؟ ما الأحلام التي كنت تطاردها؟
وكم شخصًا ما زال يجلس بجوارك لمشاهدة المباريات؟
في 2006 كنت طفلًا يعتقد أن كرة القدم عادلة.
كنت أعتقد أن الفريق الأفضل يفوز، وأن الجهد يُكافأ، وأن العالم يسير وفق منطق مفهوم.
ثم جاءت إيطاليا.
ثم جاءت الحياة بعد ذلك لتؤكد أن كرة القدم كانت تحاول تعليمي شيئًا أبكر مما ينبغي.
في 2010 كنت أكبر قليلًا، لكنني ما زلت أتعلم.
في 2014 كنت أعيش واحدة من أكثر النسخ إمتاعًا في تاريخ البطولة. شاهدت ألمانيا تسحق البرازيل بسباعية لن تتكرر غالبًا، ثم شاهدت ماريو جوتزه يمنحني لقب انتظرته طويلًا.
في ذلك الوقت بدا المستقبل بسيطًا. كنت أظن أن السنوات القادمة ستكون امتدادًا طبيعيًا لما أعرفه بالفعل. لم أكن أعرف أن الزمن يحب المفاجآت أكثر مما أحب الخطط.
في 2018 كنت شخصًا مختلفًا.
وفي 2022 كنت شخصًا مختلفًا مرة أخرى.
هذه ليست جملة مجازية. إنها حقيقة.
عندما رفع ميسي الكأس في قطر، لم أشاهد لاعبًا يحقق حلمه فقط. شاهدت جزءًا من جيلي وهو يغلق دائرة كاملة.
هناك لاعبون نحبهم لأنهم يفوزون. وهناك لاعبون نحبهم لأننا كبرنا معهم.
ميسي من النوع الثاني.
لم يكن مجرد لاعب بالنسبة لملايين المشجعين. كان شاهدًا على سنوات كاملة من حياتهم. لذلك بدت دموعه في لوسيل وكأنها تخص الجميع.
هذا ما يجعل كأس العالم مختلفًا عن أي حدث رياضي آخر.
الدوري يعود بعد أسبوع. دوري الأبطال يعود بعد أشهر.
أما كأس العالم فيختفي طويلًا بما يكفي لكي تتغير حياتك بالكامل.
قد تبدأ نسخة وأنت طالب.
وتشاهد النسخة التالية موظفًا.
ثم تشاهد التي بعدها زوجًا أو أبًا.
قد يتغير منزلك. عملك. أصدقاؤك. حتى أحلامك.
لكن البطولة تعود دائمًا بالطريقة نفسها تقريبًا، وكأنها ساعة كونية تذكرك بأن الزمن مر بالفعل.
ولهذا فإن مباريات كأس العالم لا تعيش في ذاكرتنا منفصلة. هي ترتبط بكل شيء آخر.
الغرفة التي شاهدنا منها المباراة. الشخص الذي جلس بجوارنا.
الأغنية التي كانت منتشرة وقتها. والنسخة القديمة من أنفسنا.
لطالما حاولت تفسير الشعبية الهائلة لكرة القدم. لماذا هذه اللعبة تحديدًا؟ ولماذا لا تفعل رياضات أخرى الشيء نفسه؟
أعتقد أن الإجابة لا تتعلق بالكرة نفسها. بل بالإنسان.
كرة القدم تشبه الحياة أكثر مما نحب الاعتراف.
في الحياة لا تحصل على عشرات الفرص الواضحة يوميًا. وفي كرة القدم أيضًا.
قد تنتظر تسعين دقيقة كاملة من أجل لحظة واحدة.
تمريرة واحدة. تسديدة واحدة. خطأ واحد. قرار واحد.
ثم تتغير كل القصة.
نحن لا نحب كرة القدم لأنها لعبة تسجيل أهداف. نحن نحبها لأنها لعبة انتظار.
ولأن الإنسان بطبيعته مخلوق يعيش على الانتظار.
ننتظر فرصة. ننتظر حبًا. ننتظر نجاحًا. وننتظر معجزة صغيرة تجعل كل ما سبق منطقيًا.
بالأمس، انطلقت نسخة جديدة من كأس العالم. نسخة أكبر من أي وقت مضى.
48 منتخبًا. ثلاث دول مستضيفة.
ومليارات الأشخاص الذين سيجلسون أمام الشاشات للأسباب نفسها تقريبًا.
سيكون هناك طفل يشاهد البطولة الأولى في حياته.
وسيكون هناك رجل في الستين يستعيد ذكريات بطولات شاهدها قبل عقود.
وسيكون هناك شخص ما سيقع في حب كرة القدم للمرة الأولى.
كما حدث معنا جميعًا يومًا ما.
أما أنا فسأشاهدها وأنا على بعد أيام من عامي الثاني والثلاثين.
وسأفعل ما أفعله دائمًا. لن أفكر كثيرًا في المباريات المقبلة. بل في المباريات الماضية.
لن أسأل من سيفوز بالكأس.
بل سأفكر في الطفل الذي رأى ألمانيا تخسر أمام إيطاليا عام 2006، وفي الشاب الذي تعلّم أن الانتظار قد يكون له معنى عندما توجت ألمانيا بطلة للعالم في 2014، وفي الرجل الذي شاهد ميسي يرفع الكأس أخيرًا في 2022.
ثلاث نسخ مختلفة مني. ثلاثة أشخاص تقريبًا.
لكنهم جميعًا يجلسون اليوم في المكان نفسه، ينتظرون صافرة البداية.
وربما لهذا السبب لا أحب القول إن كأس العالم يقام كل أربع سنوات.
الحقيقة أن كأس العالم لا يعود كل أربع سنوات. نحن من نفعل.
نعود إليه في كل مرة بنسخة جديدة من أنفسنا، ثم نكتشف أن اللعبة لم تكن تسجل تاريخ كرة القدم فقط.
كانت تسجل تاريخنا نحن أيضًا.
مقالات أخرى للكاتب
-
ريال مدريد وبايرن ميونيخ.. الخطة التكتيكية أم العاطفة؟ الأربعاء، 15 مايو 2024 - 20:20
-
جادون سانشو.. هل هي الرقصة الأخيرة؟ السبت، 20 يناير 2024 - 11:39
-
أرسنال والبحث عن المثالية.. قصة قصيرة مخيفة الثلاثاء، 03 يناير 2023 - 18:26
-
ميسي يجب أن يفوز بكأس العالم؟ توقفوا عن محاولة إطفاء الشمس بكوب من الماء الأحد، 18 ديسمبر 2022 - 02:18
نرشح لكم
كأس العالم - مؤتمر فينيسيوس: المغرب قادر على مفاجأة الجميع.. ونيمار مثلي الأعلى
بين الحلم والفوضى.. ماذا ينتظرنا في الأسبوع الأول من كأس العالم؟
كأس العالم – إسماعيل كوني رجل مباراة كندا ضد البوسنة والهرسك
كأس العالم - موعد مؤتمر حسام حسن للحديث عن مواجهة بلجيكا
كأس العالم - مارش: سيطرنا وفرضنا إيقاعنا على البوسنة
كأس العالم - مهاجم البوسنة: توقيت مباراة كندا صعب بسبب درجة الحرارة
كأس العالم - حارس شباب ويسكا يشيد بـ حمزة: منح برشلونة خيارا مختلفا
كأس العالم - مهاجم كندا: كنا نعرف أننا سنسجل هدف التعادل في البوسنة












أمريكا 2026
وليد سليمان: عملنا على إعادة هوية الأهلي في قطاع الناشئين