أمم إفريقيا - زامبيا.. العدالة المتأخرة التي خلّدت أرواحهم

الإثنين، 08 يناير 2024 - 17:41

كتب : زكي السعيد

تم صنع الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

الفصل الأول: حق لم يذهب لأصحابه

في 19 ديسمبر من العام 1972، سجل الألماني جيرد مولر هاتريك بشباك بارمبيك أولينهورست، في الدور الأول من كأس ألمانيا.

هذه الأهداف الثلاثة، كانت الأخيرة للمدفعجي في عام 1972 الحافل، وكان هدفه الثالث من ركلة جزاء في الدقيقة 86، هو الهدف رقم 85 له في تلك السنة. الرقم القياسي لعدد الأهداف المسجلة بعام تقويمي واحد والذي اعتبره البعض أسطوريا لأنه لم يُحطَم إلا بعد انقضاء أربعة عقود.

لكن.. قبل هذا الهاتريك بتسعة أيام، في العاشر من ديسمبر لنفس العام، هاتريك آخر سُجل في منطقة أخرى من الكرة الأرضية، ولكنه أيضًا على عشبٍ أخضر ببطولة رسمية إن كان هذا ما يهم.

مُسجِل الهاتريك هو الزامبي "جودفري تشيتالو" لاعب فريق "كابوي واريورز"، وذلك خلال المباراة أمام فريق كوبربيلت في كأس الرابطة الزامبية.

ولأنها إفريقيا حيث فوضى الإحصائيات وغموض المعلومات، فلن أقدر على إخبارك بالدقيقة أو الكيفية التي سجل بها تشيتالو هدفه الثالث كما فعلت مع مولر الذي ربما لو بحثنا جيدا لعرفنا كم سيجارا استعمل في حياته.

وأهمية هاتريك تشيتالو (وأنصحكم أن تبدأوا في الاعتياد على هذا الاسم الإفريقي) ترجع لكونه مكّنه من تسجيل هدفه رقم 107 في عام 1972!

9 أيام فقط كانت الفارق الزمني بين الحدثين، ومع ذلك فشتان بين الصيت الذي ناله رقم مولر، والتهميش الذي تلبّس تشيتالو.

على العموم، فـ تشيتالو في المقابل لم يسمع نفسه حينها برقم مهاجم بايرن ميونخ على الأغلب، وتلقى جائزة مُقدَمة من الاتحاد الزامبي عبارة عن كرة صفراء محفور عليها اسمه وعدد أهدافه الـ 107.

وتسجيل تشيتالو لهذا العدد الخارق من الأهداف، لم يكن محض الصدفة، فبالعودة 4 سنوات للخلف، للعام 1968، نجده سجل 81 هدفا، أي أقل بأربعة أهداف من رقم مولر الذي تغنت به الأجيال.

الفصل الثاني: زامبيا من أجل المجد.. محاولة فاشلة

4 مارس 1974.. جودفري تشيتالو يصعق حسن شحاتة ورفاقه أمام حشد هائل من الجمهور المصري باستاد القاهرة في ثاني مباريات زامبيا بكأس الأمم الإفريقية.

تشيتالو سجل هدف التعادل سريعا في الدقيقة العاشرة بعد أن تقدمت مصر منذ الأنفاس الأولى، لكن أصحاب الأرض استعادوا توازنهم وخرجوا بانتصارٍ قوامه ثلاثة أهداف مقابل هدف تشيتالو الوحيد.

هذه الخسارة لم تمنع زامبيا من العبور إلى الدور التالي ومواصلة المشوار للعودة لاحقا إلى استاد القاهرة في المواجهة الختامية أمام زائير بعد عشرة أيام من الخسارة أمام مصر.

الجيل الذهبي لزائير احتاج وقتها لمباراة إعادة، حتى يكسر التعادل ويكسر زامبيا ويتوج باللقب الإفريقي.. لتضيع فرصة معانقة الذهب على تشيتالو.

تشيتالو قال ذات مرة :"زامبيا ستصل يومًا لكأس العالم، أو على الأقل ستتوَج ببطولة قارية، لكن علينا تقبل حقيقة أن تلك الأمور تستغرق أعمارًا. مع ذلك، إنها تستحق الانتظار".

هو اعتزل كرة القدم دون أن يصنع أيا من الأمرين..

الفصل الثالث: الفرصة الثانية.. المميتة

يقولون أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد ينتج عنها فيضانات وأعاصير ورياح هادرة بأبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو إفريقيا، أي أن حدثا صغيرا للغاية كفيل بتغيير خط حياتك بشكلٍ يفوق التخيّل.

وربما رفرفت الفراشة بجناحيها لـ جودفري تشيتالو يوم 16 أكتوبر 1983.. وهو الذي كان يعمل حينها كمساعد لمدرب فريق كابوي واريورز الذي شهد أمجاده كلاعب.

فخلال المواجهة ذلك اليوم أمام نكانا ريد ديفلز، قام الحكم بطرد المدرب إليا لوكيتش، ومن ثم احتسب ركلة جزاء في الدقيقة 75، رأها تشيتالو ظالمة على فريقه، فما كان إلا أن دفعته أقدامه إلى أرض الملعب والغضب يعتريه.

اتجه تشيتالو الثائر إلى حكم اللقاء لمعاتبته، وفجأة، قام تشيتالو بلكم الحكم!

أكان تشيتالو في وعيه، أم هي الفراشة تحاول إنقاذ حياته؟

العقوبة كانت منطقية، وهي الإيقاف مدى الحياة لهداف زامبيا التاريخي، ولو كان هذا القرار نهائيا، لربما كانت فرصة قراءته لتلك السطور قائمة..

ما حدث أن الاستئناف المُقدَم للاتحاد الزامبي، شمل استعطافا بالرأفة لهذا الرجل الذي حمل الكرة الزامبية على عاتقه لسنوات. فهو بالتأكيد أفضل لاعب زامبي شهدته البلاد. وبالتالي تم تخفيض العقوبة إلى عامين فقط مع إيقاف التنفيذ حتى، ليحصل تشيتالو على "الفرصة الثانية".. ويدهس الفراشة في طريقه قاتلًا أي تأثير محتمل لها في تغيير الأحداث.

الفصل الرابع: كالوشا يتلاعب بملوك الدفاع

19 سبتمبر 1988.. بعيدًا بأقصى بقاع الأرض في مدينة غوانغجو الكورية الجنوبية.. الدقيقة 55 من مباراة زامبيا وإيطاليا بالدور الأول من منافسات كرة القدم في دورة الألعاب الأوليمبية.

ركلة حرة مباشرة للمنتخب الزامبي من الجهة اليسرى.. ثنائي إيطالي في حائط الصد البشري، ومن خلفهما يقف ستيفانو تاكّوني حارس يوفنتوس.. الأعسر كالوشا بواليا يتهيأ لتنفيذ المخالفة، ويُسكنها في الزاوية المستحيلة للمرمى أمام ذهول 10 آلاف مشجع.

هذه التسديدة اليسارية المخادعة، كانت الهدف الثاني لمنتخب الرصاصات النحاسية، والأمر لم يتوقف أبدًا عند هذا الحد، فالنتيجة النهائية كانت انتصار زامبيا بأربعة أهداف نظيفة -كان نصيب بواليا منها ثلاثة أهداف-، مسببين صدمة ودوي هائل بالمجتمع الكروي العالمي.. ومعلنين عن ولادة جيل زامبي آخر قادر على تحقيق أحلام شخص يُدعى جودفري تشيتالو.

الفصل الخامس: كيف تعمل الأقدار؟

الأيام الأخيرة من شهر يناير 1992.. صامويل ندلوفو مدرب المنتخب الزامبي يتلقى الكثير من الانتقادات الشرسة بعد أيام من النتائج المخيبة في كأس الأمم الإفريقية والخروج من ربع النهائي.

زامبيا ومنذ العروض المبهرة بالأوليمبياد قبل 4 أعوام تحت قيادة نفس الرجل، كانت مرشحة فوق العادة في أي محفل إفريقي، فحلت ثالثة بمنافسات الكان عام 1990، ولكنها تراجعت من جديد بعد عامين وبدلًا من أن تتوَّج ببطولة كانت من كبار المرشحين بها، غادرتها قبل الأدوار النهائية.

ولمدة أشهر بعد هذا الإقصاء، واجه ندلوفو حربا شرسة من الجماهير والإعلام الذين طالبوه مرارا بالتنحي وتسليم الراية لمن هو قادر على قيادة هذا الجيل الذهبي نحو المجد.

لكن ندلوفو كان هادئا للغاية في مواجهة كل تلك العواصف، وأصر على المواصلة مع هؤلاء الشبان، فخاض معهم المرحلة الأولى من تصفيات كأس العالم 1994، ورغم البداية القوية، إلا أنه سقط في منتصف الطريق بهزيمة ليست في الحسبان أمام منتخب مدغشقر يوم 20 ديسبمر 1992، فكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفعت الاتحاد الزامبي لإقالته فورًا، أو لإنقاذ حياته في عبارة أخرى.

أكل تلك العقبات التي وُضعَت أمام ندلوفو كانت بفعل القدر حتى لا يكون على الطائرة الزامبية المسافرة لمواجهة السنغال بعد 4 أشهر؟!\

الفصل السادس: الكارثة

عشر سنوات مرت منذ لكْمته الشهيرة للحكم في قلب المباراة، والتي كادت أن تطيح بمسيرته التدريبية.. الآن جودفري تشيتالو مدربا جديدا للمنتخب الزامبي، وعلى عاتقه يحمل أمل التأهل للمونديال والفوز بكأس الأمم الإفريقية بعد أشهر قليلة في تونس.

ونحن الآن في الأيام الأخيرة من شهر أبريل 1993، الاستعدادات جارية للسفر إلى العاصمة السنغالية داكار لخوض أولى مباريات المرحلة النهائية من تصفيات كأس العالم.

وقتها كانت البلاد تمر بضائقة اقتصادية، وكانت طائرة عسكرية أفضل ما يمكن للاتحاد الزامبي توفيره من أجل انتقالات المنتخب. ولاعبو المنتخب الزامبي اعتادوا ترديد مقولة "تلك الطائرة ستقتلنا بيومٍ من الأيام"، ولكن على سبيل الفكاهة!

العقيد فيستون مهون كان عائدًا لتوه من رحلة طيران طويلة قادمة من جزيرة موريشيوس بالمحيط الهندي، عندما تفاجأ بتكليفه بمهمة قيادة الطائرة AF-319 طراز de Havilland Canada DHC-5D Buffalo إلى العاصمة السنغالية داكار، وهي الطائرة التي ستحمل أفراد المنتخب الزامبي لكرة القدم.

تلك الطائرة -الأشهر في تاريخ كرة القدم الإفريقية بكل تأكيد- دخلت الخدمة عام 1975، ولم تُستعمَل طوال 4 أشهر حتى يوم 21 أبريل، ومن خلال الفحوصات التي أجريت لها يومي 22 و 26 أبريل، تبيّن وجود عيوب في المحرك، شوائب في مرشحات الزيت، ووصلات مقطوعة. مع ذلك، تقرر قيامها بالرحلة إلى داكار في اليوم المحدد.. 27 أبريل 1993..

شارلي موسوندا المحترف في أندرلخت البلجيكي، لم يقدر على الحضور بسبب جراحة أجراها في ركبته.

أما كالوشا بواليا لاعب آيندهوفن الهولندي، فضيق الوقت لم يمكّنه من اللحاق بزملائه في زامبيا، فتقرر أن يلحق بالبعثة في داكار مباشرة.

تحركت الطائرة من لوساكا مساء الثلاثاء الموافق 27 أبريل 1993، على أن تهبط في ثلاث محطات قبل الوصول لداكار: برازافيل، ليبرافيل وأبيدجان.. لكنها لن ترى أبيدجان قط.

التوقف الأول بالعاصمة الكونغولية برازافيل شهد مشاكل تقنية بالطائرة لم تكن لتعوقهم عن استكمال المسير، ليصل الركب إلى المحطة الثانية، وهي العاصمة الجابونية ليبرافيل.

بعد التزود بالوقود في ليبرافيل، وبينما الطائرة في مرحلة الإقلاع، على بُعد 500 متر من الساحل، فوق مياه المحيط الأطلسي، اشتعل المحرك الأيسر دقيقتين فقط عقب مغادرة اليابسة.

العقيد فيستون مهون، وبدلًا من الضغط على زر إغلاق المحرك الأيسر المشتعل، قام بإطفاء المحرك الأيمن السليم عن طريق الخطأ، فعانقت الطائرة مياه الأطلسي فورًا، واقتلعت معها أرواح 18 من أفضل اللاعبين الذين أنجبتهم زامبيا، رئيس الاتحاد الزامبي، إداري، مراسل صحفي، طبيب، مساعد المدرب، مدرب حراس المرمى، 5 من طاقم الطائرة.. وبالتأكيد اقتلعت أيضا روح جودفري تشيتالو.

الفصل السابع: وانظر بعين العطف إلى أُناسك المفجوعين

"نسألك أن تنظر بعين العطف إلى هذه الأمة، إلى أناسك المفجوعين. لقد خسرنا، لكننا نعرف أنك ستساعدنا وتهبنا. نحن نبحث عن السلام يا إلهنا العزيز..."

كلمات باكية خرجت من فم الرئيس الزامبي فريدريك شيلوبا خلال صلاته التي استعطف بها الإله، أثناء تأبين جثامين الضحايا، في ملعب الاستقلال بالعاصمة لوساكا.

البكاء والصراخ لم يكن مصدره الآلاف المؤلفة التي حضرت للملعب يومها فقط، بل سيطر على كل أنحاء زامبيا التي تعرضت لطعنة لم تكن بالحسبان.

كلمات شيلوبا لم تكن مجرد صلوات روتينية، بل كان خطابه الشهير معبّرا وبدقة عن الجرح الغائر في قلوب الزامبيين الذين قضوا لياليهم في أعقاب الحادث يتساءلون عن الكيفية التي سيواصلون بها بعد أن رأوا نتاج عمل السنوات يغرق بتلك السهولة!

الضحايا تم دفنهم جميعًا في ما يعرف بـ "نصب الأبطال" على بعد أمتار قليلة من الملعب الرئيسي في البلاد.. والآن، ماذا بعد؟ أكانت تلك هي النهاية؟

الرائع في هذه القصة المأساوية، أننا لم نسرد فقط سوى بداية كل شيء!

الفصل الثامن: القرار التاريخي

أبواب السماء كانت مفتوحة على مصرعيها عندما توسّل الرئيس الزامبي من أجل السلام الروحي، معبّرًا في ذلك عن مئات الآلاف من القلوب الزامبية المكلومة.

الصلوات استُجيبت على الفور، بسبب التعاطي الغريب من كل أفراد المنظومة مع الحادثة، فرد الفعل الأول وعلى غير المتوقع، هو عدم الانسحاب من منافسات التأهل للمونديال والتي كان الفريق في معمعتها عندما غاص دونما طفو.

فالوضع الحالي ليس فقط أُمة بنظرات ضائعة، بل أن الواقع يقول كلمته: أين المنتخب الذي سيخوض التصفيات؟!

هؤلاء الذين واراهم التراب، كانوا نتاج عمل السنوات، كانوا جيل "التشبولوبولو" الخارق الذي لم تحلم به زامبيا قط، والحديث عن تعويضه بتلك السهولة هو ضرب من ضروب الخيال.

لذلك، فتلك الأيام القليلة التي تلت السابع والعشرين من أبريل، جديرة بالتوثيق، لأن تحويل تلك الطاقة السلبية الناجمة عن ألم الفاجعة إلى وقود يدفعهم نحو الأمام، كان بمثابة السحر.

الاتحاد الزامبي قدّم طلبا رسميا لنظيره الدنماركي من أجل المساعدة، وعلى الفور تم تعيين المدرب رولد بولسين ابن الثالثة والأربعين الذي تطوع لإعادة البناء.

وتكمن صعوبة إعادة البناء في مدة الخمسة أسابيع التي كانت متاحة فقط أمام مدرب لا يعرف شيئا عن الكرة الزامبية. أما طريقة اختيار اللاعبين الجدد، فكانت مثيرة للدهشة.

يقولون أنهم التقطوا الشبان من الشوارع، من جميع أنحاء البلاد، لقد بحثوا عن كل شخص قادر على وضع تلك الكارثة أمام ناظريه، وعلى تذكّر هؤلاء الذين رحلوا في كل كرة يمررها.

وبالفعل أقيم المعسكر في الدنمارك بشهر مايو، المدرب بولسين كان يختبر شعورا غريبا، فهو لا يعرف أي من اللاعبين، لا يعرف مراكزهم، ولا يعرف بالتأكيد على ماذا هو مُقدم.

يقول بولسين بعد سنوات: "إعادة بناء منتخب وطني في ستة أسابيع شيء في حكم المستحيل، إنها المهمة المستحيلة.. لكننا جعلناها ممكنة".

الفصل التاسع: المباراة الأهم في تاريخ زامبيا!

4 يوليو 1993.. ملعب الاستقلال بالعاصمة الزامبية لوساكا.. 68 يومًا بعد الكارثة.. والمباراة الأولى للمنتخب الزامبي في ثوبه الجديد أمام المغرب بتصفيات كأس العالم.

دخل كالوشا بواليا في مقدمة زملائه، وعندما التفت للشبان السائرين من خلفه، افتقد لوجوهٍ اعتاد على تبادل الحديث معها.

لكنه عندما أشاح ببصره، وجد مدرجات امتلأت بأكثر من سعتها القصوى، ووجد رئيسا في نفس المقصورة التي وقف ليصلي فيها باسم الشعب الزامبي المكلوم كاملا.

وبينما كانت الجماهير تحاول استيعاب رؤية أسماء غير التي اعتادت عليها في القمصان الخضراء، وبينما كان الشبان في القمصان الخضراء يحاولون استيعاب ما مروا به في الأسابيع القليلة الماضية، أطلق المغربي رشيد داودي تسديدة يسارية عانقت المرمى الزامبي.

كانت كل الأمور مهيئة لخسارة زامبيّة، بالأحرى لو لم تخسر زامبيا يومها، فمتى سيتوجب عليها أن تخسر؟

لكن.. لا نعلم حقا مصدر تلك الثورة التي أخذت بأقدام الزامبيين بعد تأخرهم في النتيجة.. أو تعرفون؟ إننا نعلم، إنه ذلك الضريح القابع على بعد أمتار من الملعب، حيث أرواح جيل زامبيا الذهبي تشاهِد المباراة.

زامبيا هاجمت بشراسة، كما لم تهاجم من قبل، لقد دفعتهم صلوات فريدريك شيلوبا صوب مرمى أسود الأطلس، فكانت ساعة من اللعب قبل أن ينفجر ملعب الاستقلال فرحا.

ركلة حرة مباشرة بالدقيقة 60 من عمر اللقاء، ولا بد لكم أن تعلموا بهوية المُنفِّذ، من يكون سوى الأعسر كالوشا بواليا، الذي سجل هدف التعادل، قُبلة الحياة لكرة القدم الزامبية، وللأمة الزامبية جمعاء.

7 دقائق مرت قبل أن يضيف جونسون بواليا الهدف الثاني، ليس بشقيق، ولكنه ناجٍ آخر من الجيل الذهبي كان محظوظًا بعدم تواجده في طائرة كانت ذاهبة إلى السنغال.

أما بولسين، المدرب الدنماركي الذي كان يصف مهمته بالمستحيلة، فيقول أنه اختبر مشاعر لم يألفها ولم يعرفها من قبل ومن بعد، لقد اكتشف أنه أعاد إحياء أمة وليس فقط فريق لكرة القدم.

ومشاهدتك للوجوه التي تدفقت فيها الدماء في مدرجات ملعب الاستقلال هذا اليوم، وجوه مليئة بالسعادة الجنونية، ومعرفتك أن هؤلاء هم نفسهم من تماسكوا بالكاد وسط هول الصرخات قبل شهرين لتوديع الأعزاء، قد تدفعك للجنون، كيف للسعادة أن تتطاير في الأجواء بتلك الكيفية؟ كيف جعلت زامبيا من فاجعتها انتصارًا كبيرًا.. ولديكم شك بعد كل ذلك أن صلوات شيلوبا لم تستجب؟!

الفصل العاشر: زامبيا نحو المجد.. مجددا

10 أبريل 1994، قبل أقل من عام على الذكرى الأولى للفاجعة.. الدقيقة الثالثة من نهائي كأس الأمم الأفريقية، وخمّنوا من المنتخب الذي سجل هدف التقدم على الجيل الذهبي لنيجيريا، إنها زامبيا!

لقد حققت زامبيا المعجزة، ووصلت لنهائي البطولة القارية للمرة الثانية في تاريخها، بعد عقدين من المحاولة الأولى في القاهرة، هذه المرة تحت وطأة الظروف العصيبة.

وعلى الرغم من تقدم زامبيا المبكر، إلا أنهم وجدوا أنفسهم متأخرين مع الثواني الأولى من شوط المباراة الثاني، وهنا، اختبرت نيجيريا الرعب.

لقد آمن كل مرتادي الملعب الأوليمبي بالمنزه في تلك الليلة، أن زامبيا تستحق التعادل، تستحق أن ترفع تلك الكأس، من أجل كرة القدم التي قدموها، ومن أجل عامهم الحافل الذي لا يمكن له أن ينقضي دونما مكافأة.

لكن مجددا لم يُكتَب لزامبيا تحقيق شيء ما، تماما كسقوطهم في أرض المغرب قبل أشهر قليلة وهم على بعد خطوة من التأهل للمونديال، بدا وكأن الإله الذي استجاب لصلواتهم وأعطاهم القوة والمثابرة للنهوض مجددا، هو نفسه من منع تسديدات مهاجمي زامبيا العنيفة من الولوج لمرمى بيتر روفاي الذي تحصّن مرماه بأكثر من مجرد حظ!

لم يكن الأوان قد حل لترفع زامبيا الكأس، لحكمة لا يدراها سوى الإله.

الفصل الحادي عشر: في زامبيا لا يكفون عن الإبهار

5 سبتمبر 2004.. ملعب الاستقلال بلوساكا.. لم يكن غريبا أن يصير كالوشا بواليا مدربا لـ زامبيا في ذلك الوقت، لكن الغريب هو أنه كان لا يزال ممارسا لكرة القدم في عمر الحادية والأربعين.

يومها عندما استضافت زامبيا نظيرتها ليبيريا في تصفيات كأس العالم، اضطر المدرب كالوشا بواليا لإقحام اللاعب البديل الذي يثق فيه أكثر من غيره: نفسه.

دخل كالوشا بواليا الذي كان بالكاد محتفظا بلياقته وسط حماس جماهيري منقطع النظير عند رؤيتهم لبطلهم يقتحم الملعب محاولا كسر حالة التعادل السلبي التي سيطرت على المباراة.

وفي الدقيقة 91، ولا أعلم هل لا زلتم قادرين على الانبهار بأطراف تلك الرواية أم لا، لكن كالوشا بواليا سجل هدف النقاط الثلاث، وإن توجب عليكم التخمين مجددا، فنعم، من ركلة حرة مباشرة، بيسراه التي لا تخطئ الشباك!

الفصل الثاني عشر: الهزائم التي صنعت منهم رجالا

30 يناير 2006.. استاد الإسكندرية.. الدقيقة 75 من مباراة تحصيل حاصل بين زامبيا وجنوب إفريقيا بالدور الأول من كأس الأمم الإفريقية.

كريستوفر كاتونجو مهاجم المنتخب الزامبي يسجل هدف المباراة الوحيد، وينطلق محتفلا بهدفه عن طريق سلسلة قفزات أكروباتية مثيرة للدهشة، ليس لجودتها الفائقة، بل للدافع ورائها.

فهذا الفوز لا يشفع لزامبيا التي خسرت أول مواجهتين، لماذا هذا الاحتفال بفوزٍ لا يسمن ولا يغني من جوع؟

في الواقع، فإن تشكيلة المنتخب الزامبي بتلك البطولة تحت قيادة المدرب كالوشا بواليا، قد ضمت 10 لاعبين من المنتخب الأوليمبي ومنتخب الشباب، تم الدفع بهم والإيمان بقدراتهم، بهدف اكتساب الخبرات.. على ما يبدو، كان كالوشا يحاول إعادة خلق جيل زامبي ذهبي جديد، فكان الخروج بأي عدد من النقاط، هو انتصار في حد ذاته!

الفصل الثالث عشر: كالوشا على قمة الهرم

29 مارس 2008.. الإعلان عن اسم الشخص الفائز بمقعد رئيس اتحاد كرة القدم في زامبيا.. كالوشا بواليا!

كالوشا بحث عن غايته كلاعب، وكمدرب، بل مزَج حتى بين الدورين، لكنه وجد ضالته في المنصب الإداري الأهم بكرة القدم الزامبية.

لقد وقف كالوشا يتحدث عن حقبة جديدة من الكرة الزامبية، حقبة ثورية بطموحات كبيرة، ودعا كل الحاضرين للاتحاد من أجل زامبيا فائزة وقوية.. لكنها على الأرجح لم تكن بحقبة جديدة يا كالوشا، فأنت لا يمكنك أن تفصل هذا الجيل الشاب الصاعد أبدا عن ما حدث بشاطىء ليبرافيل قبل 15 عاما، إنه الدافع الذي يحرّكك أنت دون أن تدري.

وبعد أقل من شهرين، في شهر مايو، عيّن كالوشا مدربا فرنسيا شابا، يُدعى إيرف رينار.. فعلى الأرجح أنه شاهد في عينيه شغف بولسين لقهر المستحيل.

الفصل الرابع عشر: لإنهاء عمل لم ينتهِ

29 أكتوبر 2011.. مدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، وفعاليات قرعة كأس الأمم الإفريقية التي ستقام مطلع العام 2012 في غينيا الاستوائية.. والجابون!

الكثير من المشاعر انتابت الزامبيين وهم سيلعبون على أرض الجابون لأول مرة منذ الحادث المروع قبل حوالي عقدين، لكن ما أسفرت عنه القرعة، يعد واحدا من أغرب الفصول في قصة زامبيا الخيالية، لأنهم سيخوضون مبارياتهم في غينيا الاستوائية، ليس فقط مباريات الدور الأول، بل مباراة ربع النهائي، وحتى مباراة نصف النهائي إن تصدروا مجموعتهم، وليس هنالك من فرصة لزيارة أرض الجابون، لزيارة ليبرافيل، سوى بالوصول للمواجهة الختامية، للنهائي للمرة الثالثة في تاريخهم!

لكن هذه الإشارة لم تكن الوحيدة في قرعة زامبيا، بل مباراتهم الأولى في البطولة، احزروا في مواجهة من، إنها في مواجهة السنغال.. وكأنها مواجهة تأخرت 19 عاما، قادمة من العام 1993، إنها الأقدار تريد من هذا الجيل أن ينهي أي عمل غير منتهٍ.

زامبيا لم تكتف بالفوز على السنغال، بل قبلت تحدي القدر وتصدرت مجموعتها الأولى، ووضعوا كل مدخراتهم في هذا الرهان، إما النهائي من أجل الارتحال إلى الجابون، وإلا فلا!

وفي نصف النهائي، على بعد خطوة من حلم الوصول للجابون، أسامواه جيان مهاجم المنتخب الغاني يهدر ركلة جزاء بالدقائق الأولى من المباراة، وعلى الفور عرف الزامبيون أن هناك ما يسحبهم للنهائي، بالأخص عندما سجل إيمانويل مايوكا هدفه الأغلى في مسيرته قبل 12 دقيقة من النهاية، هدف تأهل زامبيا للنهائي، التأهل للجابون من أجل إلقاء السلام على الأحباب.

الفصل الخامس عشر: هنا يرقد أناسنا.. هنا نلعب في وطننا

10 فبراير 2012.. منتخب زامبيا لكرة القدم مجددا في قلب مياه الأطلسي على شاطئ العاصمة الجابونية ليبرافيل بعد 18 عاما و9 أشهر وأسبوعين من الزيارة الأخيرة، لكنهم هذه المرة أحياء يرزقون، هذه المرة دخل أفراد التشبولوبولو إلى المياه طواعيةً، حاملين الزهور في أيديهم، ليلقوا التحية على أسلافهم.

لقد كانت هذه الزيارة، هي أول ما قامت به البعثة الزامبية عقب وصولها للجابون قبيل المباراة النهائية أمام كوت ديفوار.

ويقول كالوشا إنه حمل القرار في قلبه عندما علم بنتيجة القرعة، لو وصلت زامبيا إلى النهائي المستحيل، فسيُحضِر شبانه إلى تلك المياه التي كان من المفترض أن تكون آخر ما يشعر به جسده لولا تدابير القدر.

الفصل السادس عشر: زامبيا نحو المجد.. للمرة الأخيرة

12 فبراير 2012.. ملعب الصداقة بالعاصمة الجابونية ليبرافيل.. الدقيقة 70 من نهائي كأس الأمم الإفريقية بين كوت ديفوار وزامبيا.

ديدييه دروجبا من علامة الجزاء بحثا عن هدف التقدم، ولكنه يطيح بالكرة خارج إطار المرمى، ربما وصلت الكرة حتى للمياه الأطلسية، أهي مصادفة أن يهدر منافس زامبيا ركلة جزاء في مباراتي نصف النهائي والنهائي تواليًا؟

أتلك الأسباب التي منعت هجوم زامبيا الكاسح من هز شباك نيجيريا بالشوط الثاني من نهائي 1994، هي نفسها التي تُحصّن مرمى زامبيا الآن في قلب ليبرافيل؟!

هذه الركلة المهدَرة، أعادت شعورا مفقودا لدى الزامبيين، بأن الأمور يمكن أن تسير في صالحهم، لأنهم ولسنوات طوال، شعروا أنهم المنتخب الأسوأ حظا في العالم، الأمر لم يتوقف عند خسارة بطولات ومقاعد مونديالية بطرق غريبة، بل امتد حتى لاقتلاع أرواح أفضل من داعبوا الكرة على تلك الأراضي، أفضل حتى من هذا الفريق الصامد أمام الأفيال.

والآن مع وصول المباراة لركلات الجزاء الترجيحية بعد التعادل السلبي، لم يفهم الزامبيون هل هي طريقة مقيتة أخرى ليخسروا بها نهائيا، أم هو اعتذار الحظ في أفضل صوره على ما فعله في حقهم لسنوات.

الركلة الأولى لـ كوت ديفوار.. شيخ إسماعيل تيوتي.. يسجل.

الركلة الأولى لـ زامبيا.. كريستوفر كاتونجو، القائد، الذي كان شابًا مغتبطا بهدفٍ لا يغني ولا يسمن من جوع بالإسكندرية قبل 6 سنوات، الآن لن يلومه أحد على احتفاله لو قاد بلاده للفوز.. والنتيجة: ركلة جزاء ممتازة التنفيذ.. يسجل.

الركلة الثانية لـ كوت ديفوار.. ويلفريد بوني.. يسجل.

الركلة الثانية لـ زامبيا.. إيمانويل مايوكا، الفتى الشاب الذي قاد زامبيا للنهائي الثالث في تاريخها بهدفه الغالي في شباك غانا، عرف أن إهداره الآن سيهدم ما قام ببنائه.. يسجل.

الركلة الثالثة لـ كوت ديفوار.. سول بامبا.. يهدر!

لا لا، انتظروا، الحكم المساعد يشير أن الحارس مويني تقدّم عن مرماه قبل التسديد، الركلة ستعاد ودروجبا يتنفس الصعداء.. سول بامبا.. يسجل.

الركلة الثالثة لـ زامبيا.. إيزاك تشانسا.. يسجل.

الركلة الرابعة لـ كوت ديفوار.. ماكس جراديل.. يسجل.

الركلة الرابعة لـ زامبيا.. فيليكس كاتونجو، الشقيق الأصغر لـ كريستوفر، لو أهدر فسيضع كوت ديفوار على بُعد ركلة ناجحة من اللقب.. وكالوشا في المقصورة الرئيسية يحدّث نفسه بأن الخسارة هنا الآن ستكون الضربة القاضية التي لا يمكن الإفاقة منها.. فيليكس يبدو عليه التوتر.. يتقدم.. يسجل.

الركلة الخامسة لـ كوت ديفوار.. ديدييه دروجبا.. هل يهدر مجددا كما فعل في خضم اللقاء؟ أكان تسديده بتلك الصورة منطقيا؟ في الواقع فإن تنفيذه للركلة الخامسة أعطى انطباعا أن من سدد في الدقيقة سبعين كان شبحا للاعب تشيلسي.. دروجبا.. يسجل.

الركلة الخامسة لـ زامبيا..كينيدي مويني.. نعم قرأتم الاسم بالصورة الصحيحة، إنه حارس المرمى يضع رقبته تحت المقصلة بتحمله لتلك المسؤولية، الركلة الأصعب على زامبيا سيسددها حارسهم، وعلى عكس المتوقع، كان الأكثر هدوءًا من بين كل المسددين بتلك الليلة، واستحق تحية منافسه بوبكر باري.. مويني.. يسجل.

الركلة السادسة لـ كوت ديفوار.. سياكا تيانيه.. يسجل.

الركلة السادسة لـ زامبيا.. ناثان سينكالا.. من أجل دخول زامبيا في معمعة ركلات الموت المفاجئ.. يسجل.

الركلة السابعة لـ كوت ديفوار.. ديديه ياكونان.. مويني كعادته في معظم الركلات يرتمي نحو الكرة، لكن.. ياكونان يسجل.

الركلة السابعة لـ زامبيا.. تشيسامبا لونجو.. وبينما هو متوجه لأداء المهمة القاسية، ديدييه دروجبا يربت على كتفه وكأنه يخبره بأن يذهب ويهدرها، لونجو رمق دروجبا بنظرة العدو وذهب من أجل إبقاء زامبيا في التنافس.. يسجل.

الركلة الثامنة لـ كوت ديفوار.. كولو توريه.. يقف بعيدا جدا عن الكرة، وليس من الصعب تبيُن ملامح عدم الرغبة في التسديد على وجهه.. مويني من جديد يرتمي في الاتجاه الصحيح، ويتصدى!

كولو توريه.. يهدر.

الآن زامبيا في أفضل وضع ممكن طوال تاريخها الكروي، على بُعد تسديدة من الفوز باللقب القاري!

الركلة الثامنة لـ زامبيا.. رينفورد كالابا.. زملاؤه بدأوا في غناء تلك الأهازيج التي اعتادوا ترديدها في طريقهم نحو الحلم المستحيل، لا يمكنك أن تضيعها يا كالابا، زامبيا خسرت بالفعل مباراتين مماثلتين ولا نعلم تبعات خسارة ثالثة بتلك الطريقة.. كالابا.. يهدر!

الركلة التاسعة لـ كوت ديفوار.. جيرفينيو.. بالكاد تحمله قدماه وهو ذاهب لتثبيت الكرة.. جيرفينيو.. يسدد برعونة.. يهدر!

الفصل السابع عشر: أخرِجوا رؤوسكم من الرمال

الركلة التاسعة لـ زامبيا.. من المفترض أن يكون دافيد نكاوسو هو المُسدد، أو هكذا كان ترتيب المدرب رينار لمسدديه قبل بدء ماراثون الركلات.

لكن لاعب لم تكن لديه الرغبة في التسديد وقرر أن يكون الأخير بين زملائه، ويدعى ستوفيرا سونزو، اتجه على الفور إلى نكاوسو، وقال له :"أتعلم، دعني أسددها".

لقد تملكت الجرأة من سونزو، قرر إخراج رأسه من الرمال، عليه أن يواجه الأمر، لا يمكنه أن يظل هاربا لأن دوره يقترب بشكل مرعب، هو الآن في المواجهة، يحاول إقناع ذاته بأنه سيكتب مجد زامبيا، ربما هذه الخاطرة التي دفعته نحو هذا الجنون.

افعلها يا سونزو.. بحق 107 هدفًا دُفنت تحت التراب مع صاحبها.. بحق مباراة الإعادة القاسية في القاهرة قبل أربعين عامًا.. افعلها بحق وجه ذاك الحكم الذي تلقى اللكمة دون فائدة.. بحق هؤلاء الكوريون الذين صفقوا بحرارة لكالوشا ورفاقه.. بحق 18 روحا تحيطكم برعايتها، وتبث في نفوسكم الأمل نحو الأفضل، وتدفعكم لإكمال المهمة التي لم يُكتَب لهم إتمامها.. افعلها بحق صلوات رئيسكم التي أنزلت السلام على قلوبكم، بحق ملعب الاستقلال الذي امتلأ على بكرة أبيه لأن الحياة يجب أن تستمر.. افعلها يا سونزو بحق دموع الزامبيين في المغرب وفي تونس قبل عقدين.. افعلها بحق هذا السحر الذي وضعه الإله في يسرى كالوشا.. بحق هزائم الإسكندرية التي صنعت منكم رجالا.. افعلها بحق نسمات الهواء القادمة من شاطئ الأطلسي، تحمل في طياتها بقايا الأنفاس الأخيرة لـ إيفورد تشابالا، جون سوكو، وايتسون تشانجوي، روبيرت واتياكيني، إستون مولينجا، ديربي ماكينكا، موزيس تشيكوالاكوالا، ويسدوم مومبا تشانسا، كيلفن موتالي، تيموثي مويتوا، نومبا مويلا، ريتشارد موانزا، سامويل تشومبا، موزيس ماسوا، كينان سيمامبي، جودفري كانغوا، وينتر مومبا وباتريك باندا..

ولكم أن تعلموا بأن سونزو فعلها.. سجل وأهدى اللقب لـ زامبيا، وضعهم على رأس القارة الأفريقية.. لقد انتهت المعاناة بعد 18 ركلة، نفس عدد اللاعبين الذين فقدتهم زامبيا على شاطئ ليبرافيل، ونفس عدد فصول تلك الرواية.

ولهذا تماما، كانت زائير قاسية في حق جودفري تشيتالو ومنعت عنه رفع الكأس، من أجل تلك اللحظات كانت تسديدات كالوشا بواليا أمام نيجيريا ترتد من حاجز غير مرئي وليس بمفهوم.. لكن الصورة الآن باتت واضحة، الكأس يجب أن تخرج من أرض ليبرافيل، من ذات الارض التي اقتلعت أرواح جميع الزامبيين وليس 18 لاعبًا فقط. لقد أتمت زامبيا العمل غير المنتهي، وتحققت مقولة تشيتالو أخيرا، وقد كان محقا، فالأمر يستغرق أعمارا، بل وحتى يقتلع أرواحا.

الفصل الثامن عشر: اللمسة الأخيرة من أجل إكمال البناء وإعادة الحق لأصحابه

9 ديسمبر 2012.. بعد 40 عاما إلا يوم واحد من هاتريك تشيتالو في مرمى كوبربيلت.. مباراة ريال بيتيس وبرشلونة بالجولة 15 من الدوري الإسباني.

الدقيقة 25 من عمر اللقاء المقام على ملعب بينيتو فيامارين، الأرجنتيني ليونيل ميسي يتبادل الكرة مع زميله أندريس إنييستا، ويسدد بقوة مسجلا هدفه الثاني في الأمسية، والسادس والثمانين له شخصيا بعام 2012!

ميسي حطم رقم مولر الخارق، الرقم الذي صمد 40 عامًا إلا 10 أيام، الرقم الذي لم يدخل حيز النقاش لسنوات طوال، لأنه غير قابل للتحطيم، أو هكذا ظن البعض.

وهنا، استيقظت زامبيا من سباتها العميق، فربما لم يتعلق رقم الـ 107 هدف الخاص بـ تشيتالو في أذهانهم أكثر من أسابيع قليلة وقت تسجيله، بل أنهم حتى انشغلوا برثاء 18 من لاعبيهم الأقوياء، وتناسوا هذا الرجل الذي كان معهم في صرخاتهم الأخيرة.

لقد أغدقنا بالحديث على هذا الجيل الذهبي الذي لم ينل فرصة كتابة المجد، لكن نادرا ما ذُكر اسم تشيتالو عند الحديث عن الكارثة الزامبية.

وما أن حطّم ميسي رقم مولر، إلا وعادت الذاكرة لاتحاد كرة القدم في زامبيا.. لدينا رجل يدعى جودفري تشيتالو، لن تصدقوا، ولكنه سجل 107 هدفا في عام واحد.

وعلى الفور، كان اسم تشيتالو جزءا من عنوان بكل وسائل الإعلام الكبرى حول العالم، وتطور الأمر للبحث عن هوية هذا الرجل، واسترجاع تاريخه، فأنت سترغب في معرفة ولو القليل عن هذا الذي سجل 107 مرة في عام واحد!

ولم يكن هناك أي أهمية لهذا الجدال الذي احتدم حول إمكانية المقارنة بين الإنجازين مع الاختلاف في مستوى التنافس وفي الأزمنة. وحتى تصريح فيفا بأنهم ليسوا متخصين في إحصاء هذا النوع من الأرقام، لا يغيّر من الأمر شيئًا، ولا يعطي أسبقية لأحدهما على حساب الآخر.

لأن الأمر لم يكن متعلقًا بـ ميسي، أو حتى بـ مولر، إنه متعلق بـ تشيتالو. فـ مولر هو أحد أعظم مهاجمي كرة القدم بهذا الرقم أو بدونه. وميسي حطّم أرقاما لا حصر لها، ربما يعجز حتى هو على الإحاطة بها جميعا، بل أنه حطم في نفس هذا الهدف بالدقيقة 25، الرقم القياسي لأكثر لاعب يسجل في الدوري الإسباني من صفوف برشلونة.

ألم تدركوا أن هذا الرقم من أجل تشيتالو، من أجل أن يحيي العالم ذكراه، لقد حقق الرقم في نفس العام مع مولر، وعندما أراد القدر أن يسترجعه، تقرر أن يكون بنفس السنة التي حققت فيها زامبيا اللقب المستعصي، لأن القصة احتاجت حقًا للمسة أنيقة إضافية على ما حدث في ليبرافيل بشهر فبراير من نفس العام..

نسألك أن تنظر بعين العطف إلى هذه الأمة، إلى أناسك المفجوعين. لقد خسرنا، لكننا نعرف أنك ستساعدنا وتهبنا. نحن نبحث عن السلام يا إلهنا العزيز..

التعليقات