كتب : نادر عيد | الجمعة، 12 نوفمبر 2021 - 13:59

لقد كانت قمة

الزمالك - الأهلي - شعار

لأني مهووس بالأرقام والإحصائيات والنبش في التاريخ لاستنباط حقائق تفسر مجريات العصر، تبادر إلى ذهني سؤال جعلني أبحث وأنقب إلى أن اهتديت لبرهان يدلل على وجهة نظري رغم أنها لن تعجب كثيرين.

أما عن السؤال فكان بعد المباراة المثيرة غزيرة الأهداف، التي حسمها الأهلي مثلما جرت العادة معظم الوقت في السنوات الأخيرة، وكان بسيطا للغاية وهو: لماذا يتفوق الأهلي دائما على الزمالك؟

أو بالأحرى، لماذا للأهلي اليد العليا في القمة؟ ولماذا يكون هو المرشح دائما للظفر بها؟

أليست قمة؟ وألا يعني ذلك أنها تقف على مسافة واحدة من الناديين؟ أو بالكاد تميل قليلا إلى جهة عن أخرى؟

أم هناك فريق "يهيمن" عليها؟

وأتبع السؤالَ سؤالٌ آخر، ماذا عن الماضي؟ هل كان الأهلي دوما هو بطل القمة؟ هل كان المهيمن على دربي القاهرة منذ قديم الأزل؟

وللإجابة على هذا السؤال البديهي، الذي تجيبه الأرقام بكل بساطة، عدت قليلا إلى الوراء، إلى العام الذي بدأ فيه انهيار الزمالك.

العام الذي دُشن فيه موقع فيسبوك، واعترفت فيه وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) أنه لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق.

2004.

2004 كان عاما فارقا بكل المقاييس في صراع الأهلي والزمالك رغم أن الأخير كان بطل الدوري.

فهو العام الذي بدأ فيه الأهلي حقبة تاريخية بُنيت حول الأسطورة محمد أبو تريكة الذي ارتدى القميص الأحمر لأول مرة في يناير 2004، وبعد أشهر قليلة أحرز أول أهدافه في الدربي.

وهو أيضا العام الذي سقط فيه الزمالك في غيابة الجب مع اقتراب الانتخابات لاختيار مجلسه الجديد.

لكن مثلما بدأ الأهلي فصلا أسطوريا مع رفاق الساحر أبو تريكة، غرُبت شمس الإنجازات والبطولات عن الزمالك بعدما رحل عنه أسطورة آخر.

هو الأيقونة حسام حسن.

هذا الرجل الاستثنائي الذي دب الروح القتالية في الزمالك، باعتراف كمال درويش الرئيس الأسبق للنادي، اقتلع معه روح الانتصارات والتتويجات من أركان نادي الزمالك بمجرد رحيله.

في عهده، وخلال 4 سنوات فقط، توج الفارس الأبيض بعشرة ألقاب وكان النادي المصري الأفضل.

بعدما خلع التوأم القميص الأبيض بفترة وجيزة بدأ الصراع الانتخابي على مقاليد الحكم في الزمالك بين كمال درويش، ونائبه السابق.. مرتضى منصور.

2004

قررت قراءة الأرقام لما لها من مدلولات حاسمة لا تكذب ولا تتجمل، وفوجئت بأن الأهلي فعلا أحكم قبضته على القمة أكثر من أي وقت مضى منذ موسم 2004-2005، الذي أنهاه الزمالك سادسا في الدوري رغم أنه كان حاملا للقب!

لاحظ كيف كانت نسبة هيمنة الأهلي على مباريات القمة أقل من تتويجه بالدوري، أي أن الزمالك كان دوما ندا قويا له في الدربي رغم فارق التتويجات بينهما.

كان هذا قبل موسم 2004-2005 الفارق.

الآن لاحظ في الصورتين القادمتين كيف زادت نسبة تفوق الأهلي في القمة من 39% إلى 56% منذ موسم 2004-2005.

أي أن الأهلي حسم أكثر من نصف مباريات القمة لصالحه. انتصار وحيد من الـ28 جاء بركلات الترجيح، بينما الزمالك فاز مرتين من 7 بركلات الترجيح.

وبالتبعية ارتفعت أكثر وأكثر نسبة تتويجات الأهلي بالدوري بسبب تراجع مستوى المنافسة.

لماذا اللون الأحمر يطغى؟

إن هذه الهيمنة لا يمكن فقط اختزالها في قدوم أبو تريكة ورحيل حسام حسن رغم أنها قائدان عظيمان تتمثل فيهما مقولة إعصار كنساس، الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور:"القيادة هي فن دفع شخص آخر لفعل ما تريد إنجازه لأنه يريد ذلك".

فالصرح العملاق يبدأ من لبنة قوية حتى يصبح بناءً جميلا يسر العين.

ولأن الرئيس هو صانع القرار، فالفجوة بين القطبين اتسعت إلى قدر يكاد يكون الأقصى.

فالزمالك يعيش تخبطا إداريا منذ سنوات جعل الفريق في يوم من الأيام يستقل سيارات أجرة ليذهب إلى مباراة!

وينتظر لاعبوه توقيع رئيس الأهلي لينالوا مستحقاتهم! وهو ما رواه أحمد حسام "ميدو" في حديث سابق.

ولا يزال حتى وقتنا هذا يعاني لدفع الرواتب وتسديد ديونه التي كبله بها رؤساؤه السابقون.

وحتى في السنوات المستقرة لحكم مرتضى منصور، منذ انتخابه في 2014، دفع النادي فاتورة سوء الإدارة ولم يظفر بلقب الدوري سوى مرة يتيمة على مدار 7 أعوام.

في تلك الفترة فاز على الأهلي 6 مرات مقابل 12 هزيمة من إجمالي 21 مباراة.

وإلى الآن يدفع ثمن خطايا مجلس مرتضى وآخرها إلزامه بدفع 700 ألف يورو لمدربه السابق كريستيان جروس، الذي قاد السفينة البيضاء عاما تحت سلطة مرتضى منصور.

وهنا يحضرني سؤال بديهي؟ من المسؤول عما حدث؟ هل حوسب أحد؟ هل أوقف أحد؟ هل خضع أحد للتحقيق؟

وحتى بعد استبعاد مرتضى منذ عام بسبب "مخالفات مالية"، لم يُدان أو يُعاقب، فقط من جاء بعده تحمل أخطاءه.

إن نادي الزمالك لن يرفرف عاليا أبدا طالما أنه ملكية عامة، قضي الأمر الذي فيه تستفتون.

قد تبادرني بالسؤال، ولماذا الأهلي مؤسسة ناجحة وهو أيضا ملكية عامة؟

حسنا، الإجابة بسيطة. الأهلي لا يعاني من توابع سقطات سابقة، ناد مستقر أسس قواعده الصلبة الراحل أسطورة الإدارة صالح سليم منذ تقلد التاج في 1980، وسار من خلفه على نهجه، ولم يدخل الفريق نفقا مظلما رغم صدور أحكام بحل مجالس إدارات سابقة، بخلاف ما سار للزمالك.

أي رئيس للأهلي يعلم جيدا أن منصبه في خطر إن لم يستحوذ فريق الكرة على كل البطولات الممكنة، وفي هجوم جماهير على محمود طاهر رئيس النادي السابق عبرة لكل من يرغب في المقعد الذي شغله صالح سليم لما يقرب من عقدين.

وعلى عكس الزمالك الغارق في ديون لا حصر لها، الأهلي ناد غني بسبب شعبية جارفة هي الأكبر في أرض الكنانة، لم يفتقد المادة أبدا، وهو ما أكده مدربه السابق خوان كارلوس جاريدو الذي صرح أن النادي يدفع رواتب عالية مثل أندية أوروبية.

ولذلك تهرول الشركات لتخطب ود إدارته أملا في طباعة شعارها على القميص الأحمر، فأي حدث غير مباراة الأهلي يحظى باهتمام أكبر من المصريين؟

وهو ما يمنحه أفضلية كبيرة على منافسيه، فالقدرة المالية هي أساس النجاح في كرة القدم الآن، بسببها ناطح باريس سان جيرمان عمالقة أوروبا وهيمن مانشستر سيتي على الكرة الإنجليزية.

رأس المال يهرب من المؤسسة غير المستقرة.

لاحظ أننا نركز فقط على اللونين الأحمر والأبيض ونتناسى بقية الأندية!

أين الأولمبي؟ متى سمعتم آخر مرة عن المنصورة؟ كيف صار الترسانة؟ متى كان آخر تتويج للإسماعيلي أو المصري أو الاتحاد؟

لقد استحوذت الفرق المستقلة على الحصة الأكبر من الدوري المصري بسبب تفوقها المالي على الأندية الحكومية.

صاحب المال "تعبان" لأنه المالك، لكن كيف يتحكم في المال من لا يملكه؟!

هل سمعتم عن عقوبة واحدة على رئيس أسبق للزمالك على أي من القضايا التي خسرها النادي ويدفع ضريبتها الآن؟

إن وصول الزمالك لنهائي إفريقيا أو تتويجه بالدوري الـ13 في تاريخه لا يعني تعافيه نهائيا من المرض العضال الذي أصابه قبل 17 عاما.

إنه فقط محاولة بقاء على قيد الحياة وسط أمواج عالية متتالية تتمثل في ديون وإيقاف قيد وأزمة مستحقات ومجلس إدارة لا يعرف مصيره.

لقد فقد النادي نجمه فرجاني ساسي، وقريبا سيسير أشرف بنشرقي على نهج الأخير، ولم يجدد بعد عقود العديد من لاعبيه المهمين مثل طارق حامد ومحمد أبو جبل ومصطفى فتحي.

الفارق بين الأهلي والزمالك لخصه الرجل الذي عاش بين جدران الناديين، باتريس كارتيرون في حواره مع مجلة فرانس فوتبول قالها صريحة:"الأهلي ناد أوروبي، منافسة الزمالك له معجزة بسبب عدم استقراره".

ولأن الأهلي ناد مصري عربي إفريقي لكن بصبغة أوروبية، فإن تفوقه على الزمالك ليس إنجازا بقدر ما هو نتاج طبيعي ومنطقي لعظم الفارق بينهما.

فشتان الاختلاف بين لاعب يدخل الميدان متأهبا بنسبة 100% لأن هذا حق ناديه عليه، وآخر يفكر في مصيره ومستقبله ومستحقاته!

وهو ما كشفه بشكل غير مباشر طارق جبريل أمين صندوق الزمالك حين قال:"هناك أمر حدث ليلة المباراة أحبط اللاعبين وأخرجهم عن تركيزهم. هناك ضغوط إضافية بسبب عدم الاستقرار، وهناك قلق لأن اللجنة المسيرة للنادي تمضي أيامها الأخيرة. حاولنا إبعاد اللاعبين عن كل ذلك لكننا بشر، لن أتحكم في تفكير لاعب".

ورغم كل هذه العقبات، ناطح الزمالك غريمه التقليدي كثيرا، منذ 2014 توج على حسابه مرتين بكأس مصر، ومرتين كأس السوبر المصري، وظفر بالدوري مرتين، وبلغ نهائي إفريقيا مرتين.

لكن هذا لا يكفي لنطلق على مباراة بين ناد أوروبي وآخر، طال انتظاره للاستقرار، على أنها قمة؟!

إن المدربين واللاعبين والمستثمرين يفضلون الأهلي الذي سيحفظ حقوقهم حتى لو كانت تجربتهم معه غير مثالية.

يفضلون الأهلي لأنهم يعلمون التتويجات والإنجازات التي ستضاف إلى رصيدهم، وكأن الفريق ضامن للفوز مستقبلا لعلمه يقينا أنه سيظل الأقوى ولن يستطيع ناد آخر منافسته على المدى البعيد.

إن مصطلح "القمة" الذي أطلقه الرائد المبدع الراحل نجيب المستكاوي لم يعد لائقا على مباراة ترجح فيها كفة على الأخرى.

وبالنظر للـ200 مليون جنيه التي صرح حسام المندوه أن الزمالك يحتاجها للتعافي، وبالنظر إلى استمرار النادي تابعا لوزارة الشباب والرياضة، لا أتوقع تساوي الكفتين أو تقلُص الفارق بينهما في أي وقت قريب.

فالأهلي يتوسع ويتطور ويكبر ويمد ذراعيه يمينا في التجمع الخامس ويسارا في الشيخ زايد، بينما الزمالك لا يزال يرمم قواعد بيته الأصلي.

لقد كان صراعهما يوما يوصف بـ"القمة"، أما الآن فلا أرى إلا فريقا واحدا على القمة.

ناقشني

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات