كتب : فادي أشرف | السبت، 27 فبراير 2021 - 18:36

إلى الأصدقاء في مدينة الإنتاج الإعلامي: لقد أصبح الأمر مملا للغاية

مدينة الإنتاج الإعلامي

بدأ الأمر بفقرة في برنامج، ثم أصبح شلالا من التصريحات غير المفهومة تميز الساعات الأخيرة من مساء كل يوم على القنوات الفضائية.

في يوم قد أصفه بأنه الأسوأ في تاريخ الإعلام الرياضي، قرر أحد البرامج استضافة اللاعب الذي لم يحقق في مسيرته نصف ما كانت موهبته تستحق بسبب قراراته، والذي أصبح مدربا لاحقه الفشل أينما عمل، ليقيم كل شيء، بداية من اتحاد الكرة حتى اللاعبين.

أعداد المشاهدات تتحكم في كل شيء، هي مرجع المعلنين ودليل النجاح في نهاية كل شهر. الفقرة أصبحت أسبوعية، ومع كامل الاعتراف أن من دور الإعلام أن "يُمتِع"، ولكن من أدواره المهمة أيضا أن "يُعلِم". شيئا فشيئا، لم تعطنا تلك الفقرة أي معلومات، بل كانت مخزنا للميمز والكوميكس المضحكة في وقتها، ولكنها تحولت مع الوقت لوباء صعب الانتشار.

أعادت الفقرة المدرب الذي لم ينجز شيئا في مسيرته سوى التنظير على المدربين الآخرين ووصمهم بأنه مدربي "حوكشة" إلى المقاعد الفنية، حيث فشل مرة أخرى، وفي نفس الوقت أصبح ضيفا دائما في مصاطب السخرية التي تنتج مئات الآلاف من المشاهدات على يوتيوب.

الكل استفاد. البرنامج والقناة جنت مشاهدات وإعلانات، والضيف الذي كان بعيدا للأضواء عاد للعمل واستفاد ماديا ومعنويا سواء بالتدريب أو الظهور المتكرر على الشاشة. الكل في هذه العملية في الحقيقة مستفيد، إلا المشاهد.

ذلك النموذج، أصبح نبراسا للعديد من اللاعبين الذي لم تحقق مسيرتهم النجاح الكافي، وبعد الاعتزال لم يجدوا ما يفعلونه وافتقدوا تلك الشهرة التي تمتعوا بها في سنوات قليلة من مسيرتهم الكروية، ليصبحوا ضيوفا على مصاطب السخرية والتصريحات الساذجة، والتي زادت من فقرة أسبوعية في برنامج إلى فقرة يومية في كل البرامج.

ساعات الهواء المديدة في مساء كل يوم أصبحت مجالا واسعا للتباري في مسابقة من سيقول التصريح الذي سيحقق أكبر معدل من المشاهدات والمشاركة على مواقع التواصل هذا المساء. أحدهم يقلل من شأن مهاجم صاعد دون هدف حقيقي، والآخر يرى نفس المهاجم الصاعد أفضل من ميسي، وثالث يرى أن مدرب حصل على دوري أبطال إفريقيا مرتين وحصد ميدالية برونزية في بطولة العالم للأندية لا يفقه شيئا، ورابع مسيرته تميزت بالأخطاء الساذجة يقول إنه كان أفضل مدافع في جيله.

تلك ليست شخصياتهم الحقيقية لأنه لا يوجد أي شخص يحمل ذلك القدر من السذاجة، ناهيك عن الجرأة في الكشف عنها أمام ملايين المشاهدين. عندما تنظر لهؤلاء الضيوف المعتادين في برامج الحادية عشر مساء وما تليها، تجد أن هناك ما يجمعهم. مسيرة كروية قصيرة وغير ناجحة للغاية ثم اختفاء منطقي بعد الاعتزال لعدم وجود كفاءة تدريبية أو إدارية، قبل أن يتعلموا تلك اللعبة التي ابتدعها أحدهم قبل أعوام قليلة.

تصريح ساذج وراء الآخر، تزيد المشاهدات، يعود للصورة، وأقل فائدة ستعود عليه هي استمرار الظهور على الشاشة.

في الحقيقة، لا ألوم هؤلاء الضيوف، في النهاية الكل يحتاج للمال، والشهرة شهوة لا تقاوم، ولكن اللوم الحقيقي على البرامج التي أصبح محتواها كله عبارة عن تصريحات تجلب المشاهدات، فقط لا غير.

ألا يوجد استعمال آخر لساعات الهواء الطويلة سوى تلك التصريحات؟ تجارب إعلامية عديدة أثبتت أن الكلام الجاد والمناقشات الهادفة والتحليل الفني المميز يجلب المشاهدات أيضا، ولكن يبدو أن الأصدقاء في مدينة الإنتاج اختاروا الطريق الأسهل.

مع الوقت، ستفقد تلك البرامج كل المصداقية، ويصبح متابعتها مجرد بديل عن نقص المحتوى الكوميدي على الشاشة.

ناقش الكاتب من هنا

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات
قد ينال إعجابك