الحكايات المنقوصة في الألفية الجديدة: ميندييتا

الإثنين، 27 مارس 2017 - 19:02

كتب : إسلام مجدي

ميندييتا

اتفقنا على انه لا توجد تركيبة معينة للنجاح، لا توجد خطوط محددة للسير عليها، الأمر قد يبدو محبطا للكشافة والمدربين، لكل من يتوقع النجاح للاعب فينجح لموسم أو اثنين ثم يخالف كل شيء ويستسلم للضغوط.

ذلك اللاعب الأشقر الذي خرج من بلباو في الباسك، لم يتوقع أحد في إسبانيا أنه سيكون له شأنا ما، ليصل فيما بعد لقيادة فالنسيا لنهائي دوري أبطال أوروبا، وجعل اسمه محفورا في تاريخ إسبانيا الكروي بشكل أو بأخر.

على غير المعتاد مع نجوم كرة القدم، في أواخر فترة المراهقة لعب جايزكا ميندييتا كرة القدم بجدية، بعد ذلك قرر أن يتبع خطوات والده أندرياس وانضم لفريقه القديم كاستييون.

لم يتطلب الأمر وقتا من الفتى الأشقر الذي كان يحب ركوب الأمواج والموسيقى وليس كرة القدم، 16 مباراة متتالية أقنعت جوس هيدينك مدرب فالنسيا في ذلك الوقت عام 1992 بضمه للفريق الأول.

12 شهرا أخرى جعلت ميندييتا حديثا للجميع، وأصبح لاعبا للفريق الأول لكن كظهير أيمن، ثم أقيل جوس هيدينك عقب الخسارة أمام كارلسروه الألماني بنتيجة 7-0 أوروبيا، ثم الخسارة من سبورتينج خيخون، ليحل محله المدرب الأوروجوياني هيكتور نونيز.

في تلك الفترة قرر نونيز أن ميندييتا لا يصلح كظهير أيمن لكن عوضا عن هذا دفع به في وسط الملعب، ليشارك اللاعب فيما بعد في مركزه المفضل.

ما حدث بعد ذلك كانت عثرات سواء لفالنسيا أو ميندييتا، أرتوورو توزون رئيس النادي رحل، ثم أقيل نونيز كمدرب للفريق فقط بعد أقل من عام من إقالة هيدينك.

خلال تلك الفترة السوداء كما لقبتها صحيفة "ماركا" الإسبانية في تاريخ فالنسيا، تولى خوسي مانويل ريولو وعاد هيدينك مرة أخرى لتدريب النادي، ثم كارلوس ألبيرتو بيريرا ولويس أراجونيس وخورخي فالدانو، خلال تلك التقلبات الكثيرة لم يقدم ميندييتا مستواه المعهود، وأصبح مجرد لاعب يشارك كبديل على فترات.

حتى أتى العهد الجديد والذي معه كانت بداية فترة الاستقرار، كلاوديو رانييري الذي أثبت أنه مدرب متميز مع فيورنتينا، كانت مهمته الأساسية هي تطوير الفريق وجلب الاستقرار، وسريعا ما فعل ذلك خاصة فيما يخص تعزيز الدفاع.

لعب ميندييتا في الوسط بجانب خافيير فارينوس ولويس ميا الذي كان قد انضم قادما من ريال مدريد مع لاعبين أخرين ضمهم فالنسيا في تلك الفترة المهمة.

ومع رانييري سمح المدرب الإيطالي لميندييتا بالتقدم للأمام والمساهمة في المهام الهجومية، في تحول هجومي في مهامه وهو ذاته الذي كان نقطة تحول في طريقة لعب النادي وهجومه.

موسم 1997-1998 بدا محبطا لفالنسيا خاصة وأنه أنهاه في المركز التاسع بالدوري، لكن في ذلك العام كان الجميع يتحدث عن اللاعب الموهوب صاحب الـ24 عاما والذي سيقدم الكثير لخط وسط إسبانيا.

في ذلك الموسم سجل 10 أهداف في 30 مباراة خاضها، وفي ذلك الموسم أيضا كان قد سجل هدفا لن ينساه اللاعب ربما هو الأفضل له، حينما انطلق إلى منقطة جزاء أتليتك بلباو، وراوغ المدافع مرارا وتكرار حتى أسقطه أرضا، لتظهر الموهبة أخيرا للنور.

تحدث عنه رانييري قائلا :"بإمكاني مقارنة هذا الهدف بمارادونا فقط".

استمر رانييري في منصبه بعدما شعر الفريق بالاستقرار أخيرا بعد سنوات عجاف عاشها، ليصل لأول نهائي له منذ عقدين من الزمان، في كأس ملك إسبانيا حينما قهر برشلونة، ثم ريال مدريد في نصف النهائي وفاز وقتها ضد الملكي بنتيجة 6-0 ليواجه أتليتكو مدريد في النهائي.

أقيم النهائي في إشبيلية ومع تألق كلاوديو لوبيز وتسجيله لهدفين، لم يسع مينديتا سوء التلألأ كما اعتاد في تلك الليلة بتسجيله هدفا ممتازا حفر أيضا في الذاكرة.

استقبل الكرة من أدريان إيلي وظهره للمرمى، وبطريقة أشبه للسحر راوغ مدافعين ليبتعد عنهما ويصبح في مواجهة المرمى، ثم يسجل هدفا ممتازا كعادة معظم أهدافه.

رحل رانييري عن تدريب فالنسيا عقب شعوره باكتمال مهمته لتدريب أتليتكو مدريد، وبديله كان هيكتور كوبر، وكما وصفته صحيفة "آس" في ذلك الوقت المدرب المدخن تلميذ هيلينيو هيريرا الذي صنع المعجزات مع مايوركا.

المدرب الأرجنتيني بنى على ما بدأه رانييري، تفوق على برشلونة بنتيجة 4-3 في نهائي كأس السوبر الإسباني، لكن قرعة دوري أبطال أوروبا كما أسمتها الصحافة في ذلك الوقت لم تكن عادلة، وأشبه بمجموعة الموت، إذ ضمت بايرن ميونيخ وبي إس في أيندهوفن ورينجرز.

لكن فريق فالنسيا رفقة ساحرهم ميندييتا ومدربهم كوبر لم يخشوا شيئا، تأهلوا بسهولة، ثم في دور المجموعات الثاني كان مع مانشستر يونايتد وبوردو وفيورنتينا وتأهل أيضا، ليواجه لاتسيو في ربع النهائي ويفوز مرة ويتأهل بنتيجة 5-3.

وكان على فالنسيا مواجهة برشلونة، لكن ذلك لم يكن عائقا، فالفوز في لقاء الذهاب بنتيجة 4-1 سهل المهمة كثيرا، خاصة بعد ضربة جزاء سجلها ميندييتا وهدف رابع من كلاوديو لوبيز حسما الأمور لصالح الخفافيش، وبقية القصة معروفة. (بإمكانك مطالعتها بالتفصيل من هنا)

المنتخب الإسباني لم يكن بتلك القوة كما كانت أندية فالنسيا وريال مدريد في ذلك الوقت، بطولة يورو 2000 كانت اختبارا قويا وحقيقيا، كانت المجموعة الثالثة تضم كل من يوجوسلافيا والنرويج وسلوفينيا.

البداية كانت مواجهة بين النرويج وإسبانيا، وخسرت اللاروخا بهدف دون رد سجله سيفرين إيفرسين في الدقيقة 65 من عمر اللقاء.

بعد ذلك استعادت اللاروخا توازنها بفوز مهم للغاية ضد سلوفينا في مباراة ملحمية، تقدم خلالها راؤول جونزاليس في الدقيقة 4 ثم تعادل زلاتكو زاوفيتش في الدقيقة 59 قبل أن يسجل جوسيبا إيتشربيا الهدف الثاني بعد دقيقة.

ألفونوس بيريز تألق في تلك المباراة لكن النتيجة كانت 3-3 حتى الدقيقة 94، حينما سجل ميندييتا هدف الفوز لتتأهل إسبانيا كأول مجموعتها.

في ربع النهائي كان الحظ السيء حليفا للإسبان، فرنسا احتلت المركز الثاني للمجموعة الرابعة التي ضمت هولندا والدانمارك والتشيك، وتصدرت الطواحين المجموعة بالعلامة الكاملة.

تقدم زين الدين زيدان لفرنسا في الدقيقة 32، قبل أن يتعادل ميندييتا بعدها بـ6 دقائق من نقطة الجزاء عقب ارتكاب ليليان تورام لخطأ فادخ ضد بيدرو مونيتيس. لكن يوري جوركايف حسم اللقاء بهدف الفوز.

في ذلك الوقت وحسب ما ورد بصحف "ماركا" و"سبورت" القرار الخاطئ الأكبر من المدرب خوسيه أنتونيو كاماتشو، خرج ميندييتا في الدقيقة 57 من عمر المباراة وإشراك إسماعيل أورزايز.

ربما ودعت إسبانيا البطولة، لكن أداء ميندييتا جعله يفوز بجائزة أفضل لاعب وسط في أوروبا لذلك العام، وكذلك أفضل لاعب في إسبانيا بجانب راؤول.

بعد موسم 2000-2001 اختير ميندييتا أيضا كأفضل لاعب وسط في أوروبا للعام الثاني على التوالي، لكن في قرارة نفسه كان يعلم صاحب الـ27 عاما في ذلك الوقت يعلم أن مهمته مع فريقه قد انتهت، وأعلن عن نيته للرحيل في صيف 2001.

أبدت أندية عديدة في أوروبا رغبتها الشديدة في الحصول على خدمات الفتى الأشقر، أبرزها كان ميلان وريال مدريد، لكن في النهاية انضم إلى لاتسيو بمبلغ 48 مليون يورو ليحل محل خوان سيباستيان فيرون الذي انضم إلى مانشستر يونايتد.

في ذلك الوقت كان ميندييتا سادس أغلى لاعب في التاريخ، وانضم للاتسيو رفقة دييجو سيميوني وهيرنان كريسبو في محاولة لنادي العاصمة الإيطالية لبناء فريق قوي لا يقهر.

دينو زوف مدرب لاتسيو لم يرغب في التسرع مع النجم الإسباني، وقرر أن يجلسه على مقاعد البدلاء ليتكيف على طريقة اللعب في إيطاليا، لكن ساءت الأمور أكثر حينما أقيل زوف من مهمته، ليتولى المهمة ألبيرتو زاكيروني الذي قضى على مسيرة ميندييتا مع لاتسيو قبل حتى أن تبدأ.

زاكيروني تجاهل تماما ميندييتا والذي كان في ذلك الوقت أحد أغلى الصفقات التي خرجت من إسبانيا، وفضل عليه الثنائي فابيو ليفيراني وستيفانو فيوري، وأنهى الفريق موسمه بعيدا عن المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا.

صحيفة "جارديان" كتبت في ذلك الوقت عبر الصحفي جون كارلين :"احتاجت جماهير لاتسيو لكبش فداء، من يكون؟ بالطبع ميندييتا".

أما "لا جازيتا ديلو سبورت" فوصفت الأمر بالمريض الذي يحتضر، وملجأه الوحيد في ذلك الوقت كان كأس العالم 2002، حينما عرض عليه كماتشو، ثم تضاعفت أحزانه بعد تتويج فالنسيا باللقب في غيابه.

في كأس العالم نجح المنتخب الإسباني في الفوز ضد سلوفينيا وباراجواي ليضمن التأهل ويحصل ميندييتا على فرصة للتألق ضد جنوب إفريقيا وسجل هدفا.

لويس فان جال عرض فرصة له للخلاص مما يعانيه في لاتسيو، واستعاره في موسم 2002-2003، والمدرب الهولندي ضم روبرت إنكه وخوان رومان ريكيلمي وخوان بابلو سورين.

لم تصنع تلك الصفقات الفارق وأقيل فان جال في يناير، ثم قام ستيف ماكلارين باستعارة ميندييتا في ميدلسبره، بعدما قام بزيارة اللاعب الإسباني، وقام صاحب الـ29 عاما باستشارة زملائه لينضم للفريق الإنجليزي.

وفي محاولة لاستعادة الشرارة التي فقدها كليا منذ مغادرته لفالنسيا، انضم إلى البورو، وفي تلك الفترة نجح أخيرا في أن يجعل خط وسط الفريق الإنجليزي ملكا له، ثم توج بطلا لكأس الرابطة الإنجليزية في 2004 ضد بولتون، لتكون البطولة الأولى منذ 100 عام للفريق.

لكن سنواته التالية لم تكن سعيدة مع البورو، إذ أنه عانى من لعنة الإصابات المتكررة، ثم قام جاريث ساوثجيت الذي أتى خلفا لماكلارين بتجميده على مقاعد البدلاء.

من بدايات نارية مبشرة ومستوى مبهر وأفضل لاعب وسط في أوروبا، إلى لاعب لا يجد مكانا أساسيا ولم يرتقى للمستوى الذي كان عليه يوما، حكاية ناقصة أخرى للألفية الحديثة لكرة القدم.

وربما قد تتذكر مدينة فالنسيا حاليا ميندييتا بموسيقاه التي يؤلفها، وألواحه التي يستخدمها في ركوب الأمواج، حكاية لم تكتمل قادت فالنسيا يوما لنهائي دوري الأبطال مرتين متتاليتين.

التعليقات

قد ينال إعجابك