حكاية لوفرين.. لاجئ لن يجلب له لوح التزلج السعادة

السبت، 11 فبراير 2017 - 19:30

كتب : محمد يسري

ديان لوفرين

في إبريل 1992 دق جرس إنذار في مدينة زينيتسا لتنبيه السكان إلى غارة حربية على أحد أكبر مدن البوسنة والهرسك، ووقتها لم يدرى الطفل ديان صاحب الـ3 سنوات وقتها ماذا يفعل، إلا أنه أحكم قبضته على يد والدته التي اصطحبته إلى قبو المنزل للاختباء.

الحرب الأهلية التي وقعت في البوسنة والهرسك في الفترة ما بين مارس 1992 وحتى نوفمبر 1995 تركت أثرا كبيرا في نفس ديان لوفرين لاعب ليفربول الحالي وأسرته، حيث عاش فترة كبيرة كلاجئ، حتى أن أمه كانت تقول له لا تخبر أحد بقصصنا القديمة وعذابنا من ويلات الحرب.. لكنه رفض الانصياع لأوامرها.

يقول لوفرين: "أمي قالت لي أن لا أحكي هذه القصة لأولادي، لكنني سأفعل، لأني أريد أن أرسل لهم رسالة، مفادها أن الأشياء لا تأتي دون عمل، وربما عمل شاق أيضا".

لوفرين أيضا قرر حكاية قصته لمساعدة اللاجئين حاليا، فهو لا يزال يتذكر ما حدث له ولأسرته وهو طفل صغير.

يواصل لوفرين "أتفهم جيدا أن مواطنو البلاد التي تستقبل اللاجئين لا يريدون تواجدهم، بسبب رغبة هؤلاء السكان في العيش في سلام وأمان أكثر، لكن هؤلاء القادمون من العراق وسوريا وأفغانستان، ليس لديهم أي مكان للعيش به، فهم تركوا منازلهم خلفهم بسبب خطأ ليس لهم يد فيه".

"هؤلاء يريدون الحفاظ على أرواح أطفالهم، وقدموا إلى أوروبا من أجل حياة كريمة ومستقبل أفضل لأطفالهم، أعطوا هؤلاء فترة للعيش معكم ثم أحكموا عليهم".

"أتمنى حياة أفضل للجيل الجديد، لطفلي وطفلتي، لكل الأطفال في العالم".

صافرة إنذار جعلته لا يخاف

انطلقت صافرة إنذار في 19 إبريل 1992 قبل لحظات من سقوط أول قذيفة بجوار منزل عائلة لوفرين، كانت سببا في اختباء الوالدة وطفلها في قبو البيت.

"كنت خائفا للغاية. حينها أخذتني أمي إلى القبو، ثم جلسنا هناك لمدة أنا لا أتذكرها، كل ما أتذكره هو أننا تركنا منزلنا ولم نأخذ منه سوى حقيبة بها ملابسنا تركنا المتجر الخاص بنا وذهبنا أنا وأمي وعمي وزوجته إلى ألمانيا".

الذهاب لألمانيا كان خيار "الأسرة اللاجئة" حيث يقيم جد لوفرين هناك بسبب عمله، وهو ما سمح لهم بالدخول للأراضي الألمانية.

يذكر لوفرين فضل لألمانيا عليه قائلا: "كنت محظوظا للغاية، نعم، كنت محظوظا وكذلك عائلتي بذهابنا إلى ألمانيا، فلو لم تكن هناك ألمانيا؛ لكان والدي تحت الأنقاض وربما كنت سأكون معهم تحت الأنقاض".

"ألمانيا وفرت لأهلي الحماية ومنعنت عنا ما كان يحدث لأهل أصدقائي، أتذكر صديق لي في مدرستي الثانوية، كان يبكي كل يوم بسبب وفاة والده الجندي في الحرب عندما كان صغيرا، كنت أفكر أنه لولا ألمانيا لكان من الممكن أن يكون والدي هذا الجندي".

"ألمانيا بلدي الثاني. أمي دائما ما تقول هكذا، وأنا أيضا. وهذه حقيقة وليست مجرد كلمات أقولها دون مشاعر.".

وعلى الرغم من حفاظ ألمانيا على سلامة أسرة لوفرين، إلا أن فردا آخر من العائلة لم يكن محظوظا، عمه مات مطعونا في البوسنة.

معاناة في بيت خشبي ملئ بالحب

على الرغم من حب ديان لألمانيا إلا أنه عانى كثيرا في الأيام الأولى هناك.

الأم تبكي آناء الليل وأطراف النهار وديان وكأنه رجل أعمى، بسبب عدم قدرته على قراءة وكتابة اللغة الألمانية، لا يوجد تلفاز، فقط هناك جهاز راديو يلتف سكان البيت الخشبي وعددهم 11 فردا حوله في تمام الساعة الـ10 مساء لمعرفة الأخبار.

ماذا حدث؟ ماذا سيحدث؟ كم عدد القتلى؟ هل القصف مستمر على زينيستا؟ كلها أسئلة كانت تتطرح من قاطني المنزل، لكن السؤال أهم كان: متى تنتهي الحرب؟

 photo 7eccaa34.jpg

للترحيل فوائد

وسط كل هذه المعاناة وقع ديان في حب كرة القدم وهو في السادسة من عمره، وأصبح مشجعا لنادي بايرن ميونيخ، حيث يعمل والده.

"ذهبت لمقر النادي البافاري وأنا في السادسة أو السابعة من عمري، التقطت عددا من الصور التذكارية مع نجوم الفريق في ذلك التوقيت. ليزارازو وماتيوس".

استمر ديان في تشجيع بايرن ميونخ والعيش في المدينة ذاتها التي يعتبرها بمثابة مدينته الأم، حتى الـ10 من عمره. وهنا حدث ما لم يكن متوقعا.

تجديد إقامة الأب والأم كان يتم بشكل دوري كل عام، قبل أن يفشل الوالدان في تجديد الإقامة عندما بلغ ديان العاشرة من العمر ليرحلوا عن ميونيخ.

مدينة كارلوفيتش كانت وجهة الأسرة الكرواتية، وبالرغم من ألم وحزن ديان بسبب الرحيل من ميونخ إلا أن طاقة الغضب تلك تحولت لسعادة حينما التحق بفريق المدينة الجديدة ليمارس لعبته المفضلة.

المعاناة من ويلات الحرب والتغلب عليها جعلت الطفل ديان يقرر أن يذهب لمدينة زغرب بعد أن تلقى عرضا من فريق ديناموزغرب وهو بعمر الـ14 فقط.

أربع سنوات مع فريق مدينة كارلوفيتش كانت كافية لينتقل إلى أحد أكبر الفرق في كرواتيا. لم لا؟ بعد أن مثل منتخب كرواتيا دون 17 عاما وهو يلعب لفريق المدينة الذي كان يلعب في دوري الدرجة الثالثة في ذلك التوقيت.

في زغرب بدأ ديان رحلته الحقيقية مع كرة القدم.

6 سنوات في دينامو زغرب أعير خلالهما لمدة موسمين لفريق إنتر سبريسيتش، ثم الانتقال لليون الفرنسي، ومنه إلى الدوري الإنجليزي عن طريق بوابة ساوثامبتون التي مهدت الطريق له قبل ارتداء قميص ليفربول في 2014.

لوح التزلج لن يجلب السعادة

"عندما كنت صغيرا، قررت أمي بيع لوح التزلج الخاص بي مقابل ما يساوي 40 يورو حاليا من أجل الحصول على الأموال. لم نكن نمتلك مالا كافيا لإكمال المدة المتبقية من الشهر، حتى وصول المعونة الشهرية".

الموقف السابق الذي ذُكر على لسان لوفرين جعله يعمل من أجل عائلته ويقبل عرض دينامو زغرب لتوفير حياة كريمة لأسرته.

لذا يعتقد لوفرين أن ألعاب الأطفال لن تجلب لهم السعادة قدر ما سيجلبها الإدارك والفهم الجيد للأمور وقيمتها.

فيقول: "عندما تطلب مني طفلتي الصغيرة شراء لعبة، أقول لها: ليس لدي المال الكافي".

يفسر ديان هذه الجملة بقوله: "بشكل كبير لن تستطع فهم ما أقول، لكنها يجب أن تفهم أن الأشياء لا تأتي بسهولة. الأشياء لا تأتي دون عمل، وربما عمل شاق أيضا".

"فالسعادة لن تكون بالحصول على 20 لعبة، السعادة تتمثل في حاجات أخرى".

*المصدر: فيلم وثائقي أنتجته قناة ليفربول بعنوان: "لوفرين: حياتي كلاجئ".

التعليقات
قد ينال إعجابك