كتب : أحمد فؤاد الدين | الإثنين، 05 ديسمبر 2016 - 18:29

كيف نغير كرة القدم للأفضل (1): الوقت المستقطع

وقت مستقطع

تطورت كرة القدم عبر تاريخها القصير نسبيا عدة مرات، لكن في السنوات الخمسين الأخيرة، على الأقل، لم تطور كرة القدم بالشكل الكافي، لم يتم تقديم حلول جديدة تجعل من اللعبة الشعبية الأولى في العالم أفضل.

في هذه السلسلة سنحاول عرض بعض الاقتراحات من أجعل تطوير اللعبة، بعد سنوات من بقاءها تحت سيطرة أرثوذكسية رافضة للتغير، بحجة عدم الاضرار باللعبة، وسنبدأ بالوقت المستقطع.

في الجزء الخاص بالوقت المستقطع سأتناول الأسباب التي يسوقها المعارضين للفكرة مثل كسر إيقاع اللعب، والفرضيات التي تدعى تطوير اللعبة بإدخال تلك التحديثات.

"الوقت المستقطع هو إمكانية تعطيل اللعب لبضع دقائق، أو حتى دقيقة واحدة، من أجل التواصل بين المدرب وفرقته لتطوير اللعب وإعطائهم تعليمات لا يمكن تمريرها في المباراة بحكم القواعد التي تمنع إيقاف اللعب لوقت طويل وتحجم المنطقة التي يتحرك فيها المدرب".

قبل أن تحكم على الفكرة بالرفض أو القبول، تذكر أن كرة القدم كانت تلعب بدون عارضة، والتسلل كان بثلاثة لاعبين، وأن مدربين بحجم جوزيه مورينيو، فابيلو كابيللو، أنطونيو كونتي وبيب جوارديولا يطالبون بإضافة وقت مستقطع للعبة.

يقول فابيو كابيللو المدرب السابق لأندية روما، ميلان، يوفنتوس ومنتخبات إنجلترا وروسيا أن إدخال الوقت المستقطع سيفيد كرة القدم بشكل كبير وسيساهم في زيادة قوتها وسيمنح اللاعبين فرصة للاستشفاء، بينما سيمنح المدربين فرصة لإعادة الأمور لنصابها حال تعثر خططهم الأولية.

أما جوزيه مورينيو، الاستثنائي، مدرب أندية بورتو، تشيلسي، ريال مدريد ومانشستر يونايتد فيري أن المدربين يحتاجون للوقت المستقطع أكثر من أي وقت مضى، "أعطونا وقت مستقطع كما في أمريكا الشمالية أو دعونا نتحرك بحرية حول خط الملعب".

كسر الإيقاع، أو وهم التسعين دقيقة

أول الحجج التي ستسمعها من المعارضين لفكرة الوقت المستقطع في كرة القدم هي أنها ستكسر إيقاع العب، هذا بفرض أن كرة القدم لا تعاني أصلا من تلك المشكلة، وأن الدقائق القليلة التي ستستخدم في الوقت المستقطع ستكون مفيدة أكثر من مضرة.

هذا الإدعاء يحدث دون سرد حقيقة أن كرة القدم، التي من المفترض أن تلعب في تسعين دقيقة على شوطين، لا يتم لعب ٩٠ دقيقة في أي مباراة كانت، وأن متوسط دقائق اللعب الفعلية في المباراة هي ٤٥-٦٠ دقيقة، نعم، قرأت الرقم بشكل صحيح، في بعض المباريات لا تتجاوز دقائق اللعب الفعلية أكثر من ساعة واحدة بينما الوقت الضائع الفعلي هو ٣٠ دقيقة، نحن نتحدث عن متوسط المباريات وليس المباريات التي تتوقف لأسباب خارجية أو مباريات الكأس عندما يكون أحد طرفي اللقاء من شمال إفريقيا، حينها سيكون وقت اللعب الفعلي نصف ساعة على الأكثر.

بحسبة بسيطة يمكن أن تلعبها في أي مباراة ستجد أن ساعة اللعب منطقية للغاية، في المتوسط يلعب ٢٠ رمية تماس في المباراة وكل مرة تحتاج على الأقل لخمس ثواني بمجموع أقل من دقيقتين، وفي المتوسط يلعب أكثر من ٢٠ ضربة حرة في المباراة، تحتاج على الأقل لعشر ثواني بمجموع أربع دقائق، هذا دون حساب ضربات المرمى، والمرات التي يسقط فيها لاعبي الكرة، الانذارات، التسلل، والاحتفال بالأهداف.

إذا الإيقاع ليس بالسرعة التي نتخيلها، هناك عشرات الأشياء التي تكسر إيقاع اللعب، وكلها جزء من كرة القدم، فلماذا لا نضيف الشيء الوحيد الذي سيضفي إيجابية للعب ويضيع الوقت؟

ما هي فوائد الوقت المستقطع؟

بالأساس سيوفر الوقت المستقطع في كل شوط من أشواط المباراة فرصة للمدربين لإعادة ترتيب أوراقهم والعمل بشكل مباشر مع اللاعبين لتقديم خطط جديدة من أجل إحداث تغير في مجريات اللعب، عادة ما يحدث فقط مع بداية الشوط الثاني بعد أن يدخل اللاعبين في استراحة بنهاية الشوط الأول.

لكن الوقت المستقطع سيجعل دور المدربين يمتد طول شوط المباراة وليس فقط في الوقت المستقطع والشوط الثاني الذي أصبح يعرف باسم شوط المدربين.

خطة المباراة: أن توهم الجميع أنك تدرك ما تفعل

ما لم تكن أرسين فينجر فطريقة لعب الخصم لها تأثير كبير على طريقة وضعك لخطة المباراة، فالفرنسي هو المدرب الوحيد الذي قال ذات مرة أنه لا يهتم بطريقة لعب الفريق الخصم ويضع خطته بغض النظر عن الخصم، ربما هذا يفسر مسيرته المتواضعة في العشرة أعوام الأخيرة، لكن بالعودة لباقي المدربين، نجد أن بيب جوارديولا لعب بعدة خطط في فترة تولية تدريب بايرن ميونيخ، بل وصل الأمر للعب بـ١٩ تشكيل مختلف في أول ١٩ مباراة له مع بايرن في الموسم الأخير العام الماضي.

في الغالب يجلس المدرب في غرفته قبل المباراة بعدة أيام، يشاهد مباريات الخصم أو يقرأ تحليل مساعديه، ليبدأ في العمل على خطة المواجهة، هذه الخطة مبنية على استنتاجات وليس حقائق، فهو لا يعرف في الحقيقة كيف سيلعب المنافس ولا بأي تشكيل، نعم هناك توقعات، لكنها تبقي توقعات، خاصة اذا كنت فريق كبير، فمن الطبيعي أن تغير الفرق التي تواجهك من خطتها لتصمد أمامك.

هذا الوهم الذي نعيش فيه بأن المدرب مسئول عن وضع خطة مناسبة بناء على مجرد توقعات يجعلنا قساة للغاية في الحكم على الأشواط الأولى للأندية التي نشجعها، خاصة عندما يتأخر فريقك في النتيجة في الشوط الأول، تبدأ في الصراخ، أين هي خطة المباراة؟ لماذا لم يلعب على الظهير المتقدم؟ لماذا لم يتوقع هذا التشكيل؟

أعتذر لك صديقي العزيز، المدرب لا يملك قراءة المستقبل، لا يعرف كيف سيلعب الفريق الخصم، وكل ما يطمح إليه في هذه اللحظة أن ينتهي الشوط الأول ليستطيع التحدث للاعبيه وتطبيق خطة مناسبة لمواجهة ما حدث، دعنا ندعو الله أن المدرب الخصم سيبقي الأوضاع على ما هي عليه في الشوط الثاني، وإلا سأضطر أن أتحدث مرة أخرى عن أهمية الوقت المستقطع.

تغييرات الشوط الأول

أحد الأعراض الجانبية لعدم وجود وقت مستقطع في كرة القدم، هي تجنب المدربين للتغيير في الشوط الأول. لماذا تجازف بتغيير عندما لا تملك أي فرصة لتفسير التغيير بشكل واضح لكافة لاعبيك، الأفضل الانتظار حتى الاستراحة ثم شرح خطتك وإجراء التبديل.

أحد الداعمين لفكرة الوقت المستقطع ومدرب مانشستر يونايتد الحالي مورينيو، يشتهر بتغيراته في الشوط الأول، فالمدرب يدرك تماما أن عدم التغير في الشوط الأول قد يكلف فريقه المباراة كلها، ستجد أن تغيرات الشوط الأول تحدث بشكل أكبر لدي المدربين الكبار عن الأقل خبرة منهم، رغم أن الفرضية الأساسية تقول أن المدرب الجيد يستطيع وضع خطة ملائمة لفريقه بمجرد التوقع، وغالبا ما يدعم هذه الفرضية إحساس الجماهير أن التغير في الشوط الأول يعني أن المدرب وضع خطة خاطئة!

ورقة جوارديولا

في مباراة بايرن ميونيخ ضد فريق انجلوشتات الألماني، كان فريق جوارديولا متصدرا للدوري ويواجه فريقا هو الأفضل دفاعيا في تلك المرحلة من البطولة، فقط يتفوق عليه بايرن نفسه.

وطوال ٥٦ دقيقة فشل الفريق البافاري في هز شباك منافسه وبقت المباراة بدون أهداف، الآن جوارديولا يريد تمرير تعليمات جديدة لفريقه، ماذا يفعل؟

انتظر الإسباني حتى خروج الكرة لرمية تماس ونادى على قائده فيليب لام وأعطاه ورقة، قرأها لام ثم مررها لخافي مارتينيز زميله في الفريق، عشر دقائق وسجل بايرن هدف الفوز!

الشاهد من هذه اللقطة ليس عبقرية جوارديولا، ولكن أهمية وصعوبة إعطاء تعليمات لفريقك أثناء سير المباراة. في عالم آخر أكثر انفتاحا كان جوارديولا سيطلب وقت مستقطع يجلس مع لاعبيه ويقرأ لهم الورقة بدلا من تمريرها بهذا الشكل.

هذه هي أهمية تعليمات المدرب، وأهمية الوقت المستقطع، تفاصيل صغيرة يمكن أن تجعل فريقك يحقق الفوز، دقيقة أو دقيقتين من الوقت المستقطع تستطيع أن تعطي كرة القدم روح جديدة ومساحة أكبر لإظهار إبداع المدربين.

لماذا نحتاج لكسر إيقاع المباراة؟

حتى ومع فرضية كسر الوقت المستقطع لإيقاع المباراة، فإن هذا أمر يبدو ضروريا في كثير من الأحيان، فالجماهير والمدربين يثمنون دور اللاعب الذي يفسد هجمات الفريق الخصم، حتى لو بتشتيتها فقط.

في مباراة مانشستر يونايتد ضد أرسنال في الدور الثاني من الموسم الماضي للدوري الأنجليزي، سجل ماركوس راشفورد هدفين في ثلاث دقائق فقلب تأخر فريقه أمام المدفعجية لفوز بثلاثة أهداف، لو كنت من مشجعي أرسنال فكل ما كنت ستتمناه أن يستخدم فينجر الوقت المستقطع بعد الهدف الأول لراشفورد ليكسر إيقاع المباراة ويمنح لاعبيه فرصة للتركيز مرة أخري، فعندما يسجل فريق أهداف متتالية فهي بالأسباب بسبب ضياع التركيز نتيجة للهدف الأول.

ماذا لو كنت مشجع ليونايتد؟ ستتمنى عدم وجود الوقت المستقطع، فقط لأنك لا تتذكر مباراة الفريق ضد تشيلسي التي انتهت برباعية أو تناسيتها، فالفريق كان في أمس الاحتياج لوقت مستقطع بعد هدف بيدرو، نعم بعد ٢١ ثانية من بداية الشوط الأول!

لو كنت مشجعا لبايرن ميونيخ ستتمني الوقت المستقطع في مباراة الفريق أمام برشلونة في ذهاب دوري أبطال أوروبا عام ٢٠١٥، ولو كنت مشجعا لبرشلونة نفسه ستتمنى الوقت المستقطع أمام انتر ميلان في ذهاب نصف نهائي دري الأبطال عام ٢٠١٠. لو كنت مشجع لأي فريق في العالم، ففي لحظة ما احتاج فريقك لهذا الوقت المستقطع، احتاج أن يستريح لدقيقة يجمع فيها قواه ويعود مرة أخرى للمباراة.

روسيا والبرازيل

في الدوري الروسي تتوقف المباريات في الصيف من أجل إعطاء اللاعبين فرصة لشرب المياه، فدرجة الحرارة التي تتخطى الـ٢٥ درجة تعتبر حارة للغاية بالنسبة لبلد تعيش في درجات حرارة منخفضة معظم أوقات السنة.

هذا الوقت المستقطع لم يضر الكرة في روسيا، لم تشتكي الفرق من كسر إيقاع اللعب، بل بالعكس نادت الفرق والمنتخبات بضرورة تطبيق الوقت المستقطع لإعطاء لاعبيهم راحة في الطقس الحار كما حدث في كأس العالم بالبرازيل عام ٢٠١٤.

ماكينات أم بشر؟

في العادة يلعب لاعبي كرة القدم، في أوروبا على الأقل، في حدود خمسين مباراة كل موسم، تسعين دقيقة كل أربع أو خمس أيام، يسبق ذلك تدريبات دائمة صباحية ومسائية للاعبين للحفاظ على لياقتهم، لماذا نبخل عليهم بدقيقتين لاستجماع قواهم؟

أحد أفضل اللاعبين في تاريخ كرة القدم، ليونيل ميسي، لاعب برشلونة ومنتخب الأرجنتين، ستجده كثيرا يقف في وسط الملعب ويحني ظهره واضعا يديه على ركبتيه للتنفس واستعادة لياقته، ليس ميسي وحده من يفعل ذلك، كريستيانو رونالدو يفعل مثله، إبراهيموفيتش، كل لاعبي العالم تقريبا ستجدهم في هذه الوضعية في لحظة ما في المباراة، هم في الحقيقة في أمس الحاجة لالتقاط أنفاسهم.

إيقاع اليد

عندما يحاول مذيع كرة القدم أن يعبر عن سرعة إيقاع مباراة كرة قدم فغالبا ما يستخدم تعبير أن المباراة تحولت لمباراة يد أو باسكت، الكرة هجمة هنا وهجمة هناك. من يطبق الوقت المستقطع؟ نعم كرة اليد وكرة السلة يطبقان الوقت المستقطع ولم يؤثر بالسلب على إيقاع المباراة.

تحتاج كرة القدم للتطوير، أكثر من أي وقت مضى، مئات الملايين بل آلاف الملايين تصرف سنويآ على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، التطوير أمر حتمي وضروري وسيحدث، فالأفضل أن يحدث الآن لصالح اللعبة من أي وقت مضى.

الوقت المستقطع تطوير بسيط للعبة لكن تأثيره كبير، من الناحية الخططية والبدنية، وكل تطوير في الحياة يحدث بعد سجال ومحادثات واقتراحات، لذلك شاركنا رأيك، ما الذي تريد تطويره في كرة القدم؟

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات
قد ينال إعجابك