الهروب من المتاهة: كيف وجد منتخب مصر المخرج؟

الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 08:08

كتب : عمر مختار

صورة تقرير

في أفلام المتاهات توجد قاعدة لا تتغير. المتاهة لا تهزمك لأنها معقدة.

المتاهة تهزمك لأنها تجعلك تؤمن أنك تسير في الطريق الصحيح. تتحرك بثقة. تنعطف يميناً. ثم يساراً. ثم تركض أسرع.

لكن بعد دقائق طويلة تكتشف أنك عدت إلى المكان نفسه. الجدار نفسه. الطريق المسدود نفسه.

أمام نيوزيلندا، قضى منتخب مصر شوطا كاملا داخل متاهة صنعها بنفسه. امتلك الكرة أكثر. حاول أكثر. تحرك أكثر. لكنه لم يقترب فعليا من المخرج.

وحين أطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول، لم تكن المشكلة أن منتخب مصر كان متأخر بهدف.

بل أن الفريق بدا وكأنه لا يعرف أين يوجد المخرج أصلاً. لكن بين الشوطين حدث شيء غريب.

لم تتغير الأسماء. لم تدخل مجموعة من النجوم من مقاعد البدلاء. ولم يدخل صلاح أو مرموش المباراة من جديد.

كل ما حدث أن حسام حسن أدرك أن الخريطة التي يحملها لم تعد صالحة لهذه المتاهة.

وفجأة ظهر الباب.

الخريطة التي نجحت سابقاً

قبل أيام فقط، خرج منتخب مصر بتعادل مهم أمام بلجيكا.

ورغم اختلاف المباراتين، بدا أن حسام حسن قرر استخدام الخريطة نفسها مرة أخرى.

مصطفى زيكو على اليمين. إمام عاشور على اليسار. صلاح ومرموش في الأمام؛ نفس الفكرة التي منحت المنتخب توازنا أمام بلجيكا.

لكن المتاهات لا تعمل بهذه الطريقة. ما يفتح بابا في مكان ما قد يقودك إلى حائط في مكان آخر.

منتخب بلجيكا منح منتخب مصر مساحات للانتقال. المنتخب البلجيكي أراد الكرة، ورفع الخطوط، أما منتخب نيوزيلندا فكان ينتظر، يتراجع، ويغلق العمق.

وكان المطلوب هو استغلال السرعة والتحولات.

نجحت الخطة. بل أصبحت بالنسبة لحسام حسن خريطة مجربة. لكن المشكلة أن المتاهة تغيرت.

الدوران داخل نفس الدائرة

خلال الشوط الأول بدا صلاح وكأنه يبحث عن شركائه في غرفة فارغة.

مرموش استلم العديد من الكرات وظهره للمرمى. إمام عاشور وجد نفسه بعيدًا عن المناطق التي يصنع فيها الفارق عادةً، أما مصطفى زيكو فبقي معزولا على الخط.

كل شيء كان موجودا. إلا الروابط. كانت هناك مسافات كبيرة بين اللاعبين. وممرات قليلة للتمرير. وحلول أقل.

أنهى منتخب مصر المباراة بــ 56% استحواذ.

وأكمل 486 تمريرة مقابل 335 فقط لنيوزيلندا. ودخل الثلث الأخير 63 مرة مقابل 43.

لكن خلال الشوط الأول كان الفراعنة يملكون الكرة أكثر مما يملكون الحلول.

كان الفريق يدور حول المتاهة. لا داخلها.

لماذا عانى مرموش؟

في أفلام المتاهات لا تكون المشكلة دائماً في البطل. أحياناً تكون المشكلة في المكان الذي وضعته فيه.

وهذا ما حدث مع عمر مرموش.

أمام بلجيكا كان مرموش عدّاءً يطارد المساحات. أما أمام نيوزيلندا فقد تحول إلى لاعب مطالب باستلام الكرة وظهره للمرمى.

فجأة وجد نفسه بين قلبي الدفاع. بعيداً عن المساحات التي تمنحه أفضل ما لديه. بعيداً عن المواجهات الفردية التي يصنع فيها الفارق.

لم يكن مرموش سيئاً. بل كان محبوساً داخل غرفة لا تناسبه. والأمر نفسه انطبق بدرجات مختلفة على إمام عاشور ومصطفى زيكو.

صلاح كان يبحث عن شركاء قريبين. إمام كان بعيداً عن العمق. وزيكو كان معزولاً على الخط.

منتخب مصر قام بـ 178 استلامًا أمام اللاعب صاحب الكرة - 150 استلامًا بين الخطوط - 97 استلامًا خلف خط الوسط، بينما كان عدد الاستلامات خلف خط الدفاع فقط 10 مرات.

كان منتخب مصر يتحرك أمام كتلة نيوزيلندا أكثر من خلفها. وكانت النتيجة أن الفريق يكرر المحاولة نفسها مرة بعد أخرى. وكأنه يعيد اختبار الباب نفسه على أمل أن يفتح فجأة.

المفتاح الذي سقط بالصدفة

في منتصف الأحداث جاءت إصابة حمدي فتحي. حدث لم يكن جزءًا من الخطة. وربما لم يكن أحد يتمنى حدوثه.

لكن القصص الجيدة كثيراً ما تبدأ من الصدف.

دخل رامي ربيعة. لم يصنع هدفاً. ولم يظهر اسمه كثيراً في الملخصات.

وجود ربيعة منح المنتخب قدرا أكبر من الاستقرار في الخلف بكسب الصراعات الهوائية الجانبية، وأعطى الفريق فرصة لإعادة ترتيب بقية القطع دون الخوف من اهتزاز الهيكل الدفاعي.

لن يتذكر الكثيرون هذه اللحظات بعد سنوات.

الباب السري

في أفلام المتاهات لا يظهر المخرج فجأة. بل تكتشف أنك كنت تنظر إلى الجدار الخطأ طوال الوقت.

مع بداية الشوط الثاني حدث التحول الحقيقي.

انتقل مرموش إلى الجهة اليسرى. تحول إمام عاشور إلى الجهة اليمنى. اقترب مصطفى زيكو من محمد صلاح، وحصل محمد هاني على الحرية.

قد تبدو تعديلات بسيطة على الورق، لكنها كانت أشبه باكتشاف باب سري داخل المتاهة.

فجأة أصبح مرموش يستلم الكرة في مواجهة المدافعين بدلاً من استلامها وظهره للمرمى.

وأصبح إمام عاشور قادراً على الدخول إلى العمق قادمًا من الطرف، وأصبح صلاح يملك شريكاً قريباً منه في الخط الأمامي.

أما محمد هاني فأصبح الطريق الذي لم يكن موجوداً طوال الشوط الأول.

وهنا بدأت الجدران تتحرك.

إمام عاشور.. الشخصية الخفية

في كل فيلم يوجد بطل لا ينتبه إليه أحد في البداية. وأعتقد أن إمام عاشور كان تلك الشخصية.

الجميع سيتحدث عن صلاح، عن مرموش.، وعن زيكو.

لكن ما صنع الفارق الحقيقي هو المسار الجديد الذي ظهر على الجانب الأيمن.

دخل منتخب مصر الثلث الأخير 25 مرة من الجهة اليمنى مقابل 15 فقط لنيوزيلندا.

ومع كل تحرك لعاشور نحو الداخل كانت مساحة جديدة تظهر أمام محمد هاني.

ومع كل انجذاب للدفاع نحو صلاح كان الطريق يصبح أكثر اتساعاً. ومن إحدى هذه اللحظات جاءت عرضية الهدف الأول.

الهدف الذي لم يعدل النتيجة فقط. بل غير اتجاه المباراة بالكامل.

عندما تاه حارس المتاهة

خلال الشوط الأول كان منتخب نيوزيلندا يعرف كل شيء.

يعرف أين ستذهب الكرة. كيف سيدافع، ومن يجب مراقبته. لكن بعد التعديل أصبح هو من يطرح الأسئلة.

من يخرج مع مرموش؟ من يغطي محمد هاني؟ من يراقب تحرك عاشور؟ من يبقى مع صلاح؟

فجأة لم يعد يملك الإجابات. وأصبح هو الفريق التائه داخل المتاهة.

ولذلك لم يكن مفاجئاً أن ينهي أصدقاء صلاح المباراة بـ 19 تسديدة مقابل 11، و12 تسديدة من داخل منطقة الجزاء مقابل 6 فقط لنيوزيلندا.

فالفريق الذي كان يدور حول الجدران في الشوط الأول بدأ أخيراً يهاجم قلب المتاهة.

العثور على المخرج

بعد سنوات طويلة لن يتذكر كثيرون تفاصيل التمركزات. ولا مواقع الاستلام. ولا التحولات بين الجناحين.

سيتذكر الناس فقط أن منتخب مصر فاز بثلاثة أهداف مقابل هدف. لكن القصة الحقيقية كانت شيئاً آخر.

كانت قصة مدرب دخل المباراة بخريطة نجحت معه سابقاً، ثم اكتشف أن المتاهة تغيرت.

القصة الحقيقية أن منتخب مصر أمضى 45 دقيقة وهو يحاول الهروب من متاهة باستخدام خريطة لم تعد صالحة، ثم أدرك بين الشوطين أن المشكلة لم تكن في الجهد.

ولا في الرغبة، ولا حتى في اللاعبين. بل في الطريق نفسه. وفي كرة القدم كما في أفلام المتاهات، لا ينجو دائما من يركض أكثر.

أحيانا ينجو من يكتشف أولا أن المخرج كان موجودا طوال الوقت. لكنه كان ينظر في الاتجاه الخطأ.

شجع واستمتع في آن واحد، اضغط هنا للعب، وتشجيع منتخبك المفضل في كل مباراة بآن واحد.

/articles/531734/الهروب-من-المتاهة-كيف-وجد-منتخب-مصر-المخرج