دكتور سترينج.. الخط الزمني الوحيد الذي ينتصر فيه الزمالك

الثلاثاء، 26 مايو 2026 - 21:47

كتب : عمر مختار

تقرير

بعض القصص لا تبدأ بالسؤال عن الفوز… بل بعدد المرات التي كان يجب أن يحدث فيها المستحيل. فأحيانا يبدو الأمل نفسه وكأنه خطأ في السيناريو.

في فيلم Avengers: Infinity War، جلس دكتور سترينج يتأمل ملايين الخطوط الزمنية والنهايات الممكنة بحثا عن احتمال وحيد للنجاة. سأله بيتر كويل: "كم رأيت؟"


أجاب: أربعة عشر مليونا وستمائة وخمسة.

ثم جاء السؤال الأهم من آيرون مان: "كم مرة سنفوز؟"

فقال بعد صمت طويل: "مرة واحدة".

أعتقد أن كل مشجع زملكاوي يفهم معنى هذه الإجابة أكثر من أي شخص آخر.

لأن تشجيع الزمالك لم يكن يوما متعلقا بكثرة الانتصارات، بل بالإيمان المستحيل بها. ذلك النوع من الحب الذي يبدو أحيانا وكأنه يمنح في فراغ، دون ضمانات، دون منطق، دون أي وعد بأن النهاية ستكون عادلة. ومع ذلك تستمر. لا لأنك تنتظر المقابل، بل لأن النادي أصبح جزءا من تكوينك، من هويتك، من صوتك الداخلي.

أن تحب الزمالك يعني أن تعيش دائما بين احتمالين: الانهيار الكامل… أو المعجزة.

المشكلة أن جمهور الزمالك لا يعيش الخسارة كحدث استثنائي، بل كجزء من العلاقة نفسها. كأن النادي، عبر السنوات، درب جماهيره على التعايش مع الفوضى، حتى أصبح الأمل نفسه يبدو أحيانا فعلا متمردا على المنطق.

وربما لهذا بدا الأسبوع الأخير مألوفا بشكل مؤلم.

قبل ثلاثة أيام فقط من مباراة سيراميكا الحاسمة، كان جمهور الزمالك يخسر الكونفدرالية بنفس ذلك الصمت الذي يلي الخسارات الكبيرة. لا غضب كامل، ولا دموع كاملة… فقط ذلك الفراغ البارد الذي يجعلك تحدق طويلا في الشاشة بعد صافرة النهاية وكأنك تحاول فهم ما حدث.

لم تكن مجرد بطولة ضاعت، بل لحظة أخرى يختبرك فيها هذا النادي بالطريقة التي يعرفها جيدا.

لأن الحقيقة أن الزمالك، طوال هذا الموسم، لم يكن يبدو كناد يعيش ظروف بطل دوري أصلا.

إيقاف قيد. أزمات مالية لا تنتهي.
تغييرات مستمرة. مشروع لا يكتمل.
مدربون يتغيرون أسرع من قدرة الجماهير على التعلق بأي فكرة حقيقية.
وفريق يدخل كل مباراة وكأنه يحاول النجاة لا المنافسة.

ولهذا تحديدا، بدت خسارة الكونفدرالية وكأنها لحظة “Thanos” الخاصة بهذا الموسم. تلك اللحظة التي يخسر فيها الأبطال كل شيء تقريبا. اللحظة التي تجعلك تتساءل إن كان الطريق كله بلا معنى من الأساس.

في Infinity War، لم يصل Avengers إلى النهاية التي أرادوها إلا بعد الهزيمة الكاملة. نصف العالم اختفى، والأبطال تفرقوا، وآيرون مان جلس عاجزا يراقب الكارثة تحدث أمامه دون أن يستطيع تغيير أي شيء.

أحيانا تحتاج القصص الكبرى إلى السقوط أولا، حتى يصبح للنجاة معنى.

ثم فجأة، بعد ثلاثة أيام فقط، كان الزمالك يقف مرة أخرى أمام فرصة لا تبدو منطقية أصلا. مباراة أخيرة أمام سيراميكا كليوباترا، أعصاب منهكة، وجمهور يحاول إقناع نفسه بألا يصدق… فقط حتى لا ينكسر مرة أخرى.

وهنا تحديدا تبدأ علاقة جمهور الزمالك الحقيقية مع الأمل.

ذلك الأمل الذي لا يأتي من المعطيات أو المنطق أو حتى الثقة، بل من شيء أعمق وأغرب. شيء يشبه العناد العاطفي. لأنك، رغم كل شيء، لا تستطيع التوقف عن التصديق.

كيف لفريق يدخل كل مباراة وسط أخبار عن الديون والقضايا وإيقاف القيد أن يواصل الركض حتى الجولة الأخيرة؟

كيف لفريق لا يملك رفاهية الاستقرار الفني أو الإداري أن يبقى حيا في سباق الدوري؟

وكيف لجمهور يعيش كل أسبوع بين الخوف والغضب والخذلان أن يجد الطاقة الكافية ليعود من جديد؟

لكن هذه هي طبيعة الزمالك دائما.

ناد لا يمنح جماهيره الراحة، بل يمنحهم شعورا دائما بأن كل شيء يمكن أن ينهار… أو يحدث بشكل معجز في اللحظة الأخيرة.

ولهذا لا يمكن شرح تشجيع الزمالك بالأرقام أو البطولات فقط.

لأن الزمالك لا يشجع فقط… الزمالك يعاش. بكل فوضاه. بكل تناقضاته.


بكل تلك اللحظات التي تجعلك عاجزا عن تفسير لماذا ما زلت هنا أصلا.

ربما لهذا السبب تحديدا، ظننت في الصيف قبل الماضي أنني بحاجة إلى استراحة من كرة القدم. ليس لأن الشغف انتهى، بل لأنني شعرت بفراغ ما. كأن الكلمات استهلكت بالكامل، وكأنني فقدت تلك المسافة العاطفية التي تسمح لك بتحويل المشاعر إلى نصوص.

لكن الغريب أن الكلمات تتدفق الآن أسرع من قدرتي على الإمساك بها.

تتشابك حول حلقي، تتعثر، ثم تعود للخروج دفعة واحدة، لأن بعض المشاعر لا تعرف طريقا آخر للنجاة سوى الكتابة.

ربما لأن كرة القدم، في لحظاتها الصادقة، لا تمنحك مجرد نتائج، بل تمنحك فرصة لفهم نفسك. لفهم لماذا يمكن لإنسان بالغ أن يسمح لمباراة كرة قدم بأن تؤثر على مزاجه لأيام كاملة. لماذا يبدو الانتصار أحيانا وكأنه نجاة شخصية، بينما تبدو الخسارة كأنها شيء أكبر بكثير من مجرد تسعين دقيقة.

كان من المميز هذا الموسم تحديدا أن أعيش بعض اللحظات كمشجع فقط.

ليس ككاتب يحاول تفسير كل شيء، أو كشخص يبحث عن زاوية مناسبة للنشر، بل كإنسان يقف وسط الضجيج، وسط أناس لا يعرف أسماءهم لكنهم يفهمونه أكثر من أي شخص آخر.

نفس القلق. نفس التوتر.
نفس الرعشة قبل المباريات الكبيرة.
نفس الإيمان الذي يبدو أحيانا سخيفا، لكنه يبقى حاضرا رغم كل شيء.

كرة القدم تفعل ذلك أحيانا. تجعل الغرباء عائلة مؤقتة فقط لأن قلوبهم اختارت الشعار نفسه.

الحب الذي يجمعنا ويغمرنا. اللطف الغريب بين أشخاص لم يلتقوا من قبل. النظرات التي تقول دون كلام: “نحن نفهم بعضنا.”
أجواء حماسية وشغف جارف.

كان ذلك شعورا لا أريد أن أنساه أبدا.

تكمن معجزة كرة القدم في أنها تجعلك تحب في أوقات الشدة. أن تبقى وفيا رغم كل الفوضى، رغم كل الخيبات، رغم كل المرات التي بدا فيها أن العالم بأكمله يسير في اتجاه معاكس لما تؤمن به. ولهذا ربما أحب الزمالك.

لأنه لم يكن يوما الطريق الأسهل، بل الطريق الذي يجعلك تشعر بكل شيء بأقصى درجة ممكنة. يجعلك تعيش الأمل والخوف والغضب والفرح وكأنها تحدث جميعا في اللحظة نفسها.

قد تشعر أحيانا أنك تحب في فراغ، وأن هذا الحب لا يغير شيئا، وأنك تمنح كل هذا الانتماء لناد يختبرك أكثر مما يكافئك. لكن الحب غير المشروط، كما في كل الأشياء العظيمة، لا يقوم على العدالة دائما.

بل على الرغبة المستمرة في البقاء. في العودة. في التصديق مرة أخرى.

ولهذا أيضا، لو جلس دكتور سترينج يوما ليرى الخطوط الزمنية الخاصة بجمهور الزمالك، لرأى ملايين النهايات الممكنة.

مواسم تضيع. نهائيات تخسر.أحلام تتبخر في اللحظة الأخيرة.


وجماهير تخرج كل مرة وهي تقسم أنها لن تعود، ثم تعود قبل المباراة التالية وكأن شيئا لم يحدث.

لكنه، وسط كل هذا الخراب، كان سيجد خطا زمنيا واحدا فقط ينتصر فيه الزمالك.

وربما كان سيصمت طويلا قبل أن يبتسم ويقول:"مرة واحدة تكفي".

لأن البعض لا يحتاج إلى حياة كاملة من الانتصارات… فقط لحظة واحدة تؤكد أن كل هذا الصبر لم يكن عبثا.

/articles/529839/دكتور-سترينج-الخط-الزمني-الوحيد-الذي-ينتصر-فيه-الزمالك