لحظة ميلاد فرحك كان في حبيب غايب.. لن تسير وحدك أبدا يا أليسون

الإثنين، 23 فبراير 2026 - 15:18

كتب : آلاء عُمر

ليفربول - كريستال بالاس - أليسون

"لحظة ميلاد الفرح كان في حبيب غايب"

أليسون بيكر

النادي : ليفربول

بهذه الكلمات الحزينة، وصفت المطربة المصرية أنغام صعوبة الفرح بعد الفقد، الفقد الذي يعتبره الكثيرون بمثابة موت صغير، لأن الفقيد يرحل ومعه شطرٌ من روح أحبائه يصعد بها إلى السماء، تاركًا وراءه قلوبًا محطمة تؤجل الفرح حتى لقائه.

هذا ما أحسَّ به أليسون بيكر حارس ليفربول، الذي خسر والده في حادث غرق مأساوي في الخامس والعشرين من فبراير عام 2022.

لم يكن فراق والد أليسون لأسرته أمرًا هيِّنًا، ولا كأي فراق، فراق في فترة كورونا اللعينة التي حرمته من نظرة الوداع الأخيرة.

لم يتمكن أليسون حين علم بخبر غرق والده من السفر إلى بلدته للوقوف بجانب والدته وأخيه، على الرغم من أن أصدقاءه في الفريق تكفّلوا بحجز طائرة خاصة له لتوديع والده، لكن الأمر وقت كورونا كان قاسيًا للغاية.

لو سافر أليسون إلى البرازيل، فسيخضع للعزل حين عودته لأسبوعين تاركًا أبناءه وزوجته التي تترقب موعد ولادتها، وفريقه الذي يصارع من أجل حجز مقعد ضمن الأربعة الكبار حينذاك.

يقول أليسون: "زوجتي كانت حاملًا بطفلنا الثالث، وفيروس كوفيد 19 كان ينتشر مجددًا في البرازيل، قال طبيبها إن السفر خطر عليها، كان ذلك عذابًا لها، لأنها كانت تحب والدي كثيرًا.

كنا نمزح دائمًا ونقول إن والدي كان يحبها أكثر منا جميعًا، إذا حدث أي خلاف بسيط أمامه، كان يقول دائمًا: (أعتقد أن ناتاليا على حق)، كانت الابنة التي لم يُرزق بها.

اتصلت بأمي وأخي وشرحت لهما الوضع، وكانت تلك أقسى مكالمة في حياتي، بكينا كثيرًا وفي النهاية قررت أن والدي كان سيُفضّل أن أبقى مع أطفالي وابنته المفضلة لأحميهم."

أحب أليسون كرة القدم منذ الصغر، فحينما كان في عمر الثالثة وأخوه الأكبر موريل في الثامنة من عمره، لطالما اتخذا غرفة المعيشة ساحة لهما.

السجادة هي الملعب، وذلك الفراغ بين الأريكة والأرض هو مرمى أحلامهما، يختار موريل النجم الذي يجسده، ويختار لأخيه الأصغر الذي لا سلطة له بعد لاعبًا آخر، ثم يبدآن في اللعب وتصويب الكرة نحو المرمى، حتى يعود حارسهما المفضّل "والدهما" والذي أطلق على نفسه لقب "تافاريل" الحارس التاريخي للبرازيل.

يكمل حارس ليڤربول: "كان والدي قد عاد للتو إلى البيت بعد يوم عمل طويل، وتمدد على الأريكة مستلقيًا بالكامل، في البرازيل هذه وضعية معروفة عندنا وسادة تحت رأسه وذراعه اليمنى متدلية على جانب الأريكة، أنا وأخي نركض إلى الغرفة ونبدأ بهزّه".

"يـاااابيييي.. يلاااا!"

"يقاوم لبضع ثوانٍ، ثم يتدحرج عن الأريكة إلى السجادة".

"نعااااااام!"

ثم يدخل والدي بالكامل تحت الأريكة، يختفي، كل ما نراه ذراعان كبيرتان تخرجان من الظلام وتلوّحان بجنون".

"لن تسجلوا اليوم، أنا تافاريل!".

أرى يديه الكبيرتين تتحركان يمينًا ويسارًا، تحاولان التصدي لركلة جزاء بطولية في نهائي كأس العالم، من حين لآخر يُخرج رأسه من تحت الأريكة ويصنع وجه مهرج مضحك، أنا وأخي نضحك بجنون".

ذكرياتٌ عالقة في ذهن أليسون، يتألم حينما تمر أمام عينيه، وكيف لها أن تغيب، وهو الذي ورث منه موهبة حراسة المرمى والشجاعة، وورث منه أيضًا البحث عن الأريكة بعد العودة من التدريبات، حيث ينتظره هناك ابنه بشغف أليسون ذاته حين كان طفلًا صغيرًا.

بحماس الأطفال، يجري ماتيو على والده قائلًا: "يلاااا نلعب!".

يجسد ماتيو شخصية محمد صلاح أو ترينت، وأحيانًا يختار أن يكون فينيسيوس جونيور.

يحكي بيكر: "ماتيو عمره خمس سنوات، ويحب كرة القدم، اكتشفنا أنه تعلم الكتابة عندما دخلنا إلى يوتيوب ووجدنا سجل البحث كله عبارة عن:

‘livrpol’

‘hi liit liverpol’

‘livrpool dad save’

‘liverpool vs meelan’

‘all we need is alisson becker song’

الأخيرة من أجل ابنتي هيلينا، تحب أن تغنيها على الفطور كل صباح.

تحسن ماتيو كثيرًا حتى أصبح قادرًا على كتابة Liverpool بشكل صحيح، يغضب جدًا عندما نُجبره على النوم أثناء مباريات دوري الأبطال المتأخرة، أول ما يفعله عند الاستيقاظ هو مشاهدة الملخصات على يوتيوب.

استعادت الحياة توازنها، واستقبلنا مولودنا رافائيل، الذي يحمل اسمه معنى جميلًا: "الله قد شفى"، كانت الولادة بمثابة مِشكاة لحياتنا، ولادة الأمل من رحم الألم".

وبوجع ينساب بين السطور، يتذكر عن اللحظات التي أأأعقبت رحيل والده: "شاهدنا جنازته عبر فيستايم، أمسك أخي الهاتف طوال المراسم، وتمكنت من الصلاة والبكاء مع أمي، وحتى توديع والدي عند نعشه، في تلك اللحظة وبغرابة تنسى أنك أمام شاشة، كل ذكرياتك وحبك يتخطيان المسافة وتتخيل إنك تتحدث إلى والدك في الأبدية".

"صحيح لم يكن لدي ما أقوله له بعد، كنا قد قلنا كل شيء، الشيء الوحيد المتبقي كان: (شكرا! ليس فقط لكونه والدي، بل لأنه كان صديقي)".

لولا زملائي والنادي وبيب جوارديولا، وكل أصدقائي من الفرق الأخرى الذين أحاطوني بدعمهم و بباقات ورد لا نهاية لها أُرسلت إلى منزلي، لما تمكنت من تجاوز تلك الفترة، عندما عدت للتدريب بعد أيام من الجنازة، كانت صورة والدي تداهمني، فجأة لم أستطع منع ذلك."

حقيقةٌ لا يمكننا إنكارُها هي أن الإنسان حين يفقد أحدَ والديه يشعر بأنه طفل صغير لا يستوعب ذلك الألم الكبير الذي يُثقل صدره و يُغلّف روحه، ألم يرافقه ما تبقى من حياته، وجرحٌ ينزف إلى الأبد.

تغدو بعدها كل لحظات الفرح والنجاح مبتورةَ السعادة، لأن الغائبين كانوا سبب اكتمالها، وفي كل لحظة ضعف تكتشف أن ظهرك كان القلب الذي رحل، فتُصبح برحيلهم عاريًا تمامًا من الطمأنينة.

يكمل النجم البرازيلي حديثه عن تلك الأيام العصيبة: "بعد ستة أيام من ولادة رافائيل، حدث شيء لا أستطيع تفسيره حتى الآن، كنا نلعب مباراة حاسمة ضد وست بروميتش، كنا نقاتل من أجل التأهل لدوري الأبطال وكان لابد من الفوز.

كان يومًا لا يسير فيه شيء كما يجب، النتيجة 1–1 قبل ثوانٍ من النهاية، كحارس مرمى تقف عاجزًا في تلك اللحظات.

ثم حصلنا على ركنية وصرخ مدرب الحراس طالبًا مني التقدم، لم يكن هناك ما نخسره، ركضت بأقصى سرعة، ووصلت إلى منطقة الجزاء في اللحظة التي نفّذ فيها ترينت الركنية، بصراحة كحارس مرمى لا تفكر أبدًا أنك ستسجل فقط اصنع الفوضى.

فجأة، الكرة قادمة نحو وجهي، أومأت برأسي وسقطت أرضًا، ثم أحاطني دفء غريب، هذا أفضل وصف أستطيع قوله، الجميع يعانقني، تياجو يبكي وهو يعانقني، فيرمينو يعانقني ويبكي ويضحك في آن واحد، صلاح يقفز كطفل صغير، لم أره سعيدًا هكذا من قبل بعد هدف لشخص آخ، فرح صادق.

كان الأمر أكثر خصوصية لأننا كنا نلعب في ملاعب فارغة، بلا صيحات الجماهير، إلا أن الشيء الوحيد الذي شعرت به هو حب زملائي الذين دعموني في أصعب وقت في حياتي.

دكة البدلاء، الجهاز الفني، عمال الملابس، الجميع كانوا يصرخون بقوة كأننا عدنا أمام مدرج الكوب من جديد، رفعت يدي للسماء وقلت: "هذه لك يا أبي… وداعًا".

دخلت إلى غرفة خلع الملابس، وكل ما يسيطر علي حينها تساؤلات عدة، من بينها: "هل شاهدني أبي؟ هل شعر بي؟ ماذا لو كان ما زال على قيد الحياة؟".

في لحظةِ انهيارٍ داخلي، مرَّ أمامي مشهد والدي وهو يتابع تدريباتي خلف الشباك بحماسِه مع كلِّ تصدٍّ، رأيتُه معي على البحيرة نصطاد السمك، ثم نجلس حول الشواء نشرب المتّة، وتذكّرتُ حين غمس وجهه بالكامل في كعكة عيد الميلاد احتفالًا بتصدي تافاريل الشهير عام 1998".

الدموع تغلب أليسون في التدريبات فتحجب رؤيتَه عن التصدّي للركلات الحرة من أرنولد ومراوغات صلاح، لكنه يظلّ مؤمنا بأن عودته إلى الملاعب كانت طريقا إلى الوصول لبر السلام والسكينة.

"مع التقدم في العمر، ومع اختباري للفرح والألم، أدركت أن الله أقرب مما تتخيل".

أفكر في ذلك كلما سمعت كلمات افتتاح أعظم أغنية في كرة القدم:

«When you walk through a storm…»

هناك خمسة آلاف أغنية في كرة القدم حول العالم، لكن واحدة فقط تلمس القلب بهذا الشكل، لماذا؟

لأنها تتحدث عن المعنى الأعمق للحياة.

"لن تسير وحدك أبدًا يا أليسون".

التعليقات
/articles/523932/لحظة-ميلاد-فرحك-كان-في-حبيب-غايب-لن-تسير-وحدك-أبدا-يا-أليسون