بونفيرادينا.. أرض الفرص الثانية في وسط اللا شيء

الخميس، 31 مارس 2022 - 19:05

كتب : زكي السعيد

بونفيرادينا

يعج دوري القسم الثاني الإسباني بالعديد من الأندية المألوفة، فأغلبها سبق وشارك في القسم الأول.

مالاجا، إيبار، جيرونا، ألميريا، ليجانيس، ويسكا، بلد الوليد، لاس بالماس، وحتى ريال سوسيداد (ب)، كل أندية يعرفها المتابع الكروي. لكن هل سمعت من قبل عن بونفيرادينا؟

في لحظة كتابة هذه الأسطر، يحتل بونفيرادينا المركز السادس في دوري القسم الثاني الإسباني، وهو مركز يسمح له بلعب ملحق الصعود لأول مرة في تاريخه.

صعودٌ لو تحقق فسيكون تاريخيًا لأنه سيحدث تحديدًا في عام المئوية؛ 7 يونيو 1922 تأسس النادي، وبعد 100 عام من الوجود قد تتحقق المعجزة أخيرًا.

هذه القصة الجميلة دفعت FilGoal.com إلى محاورة خابيير خيمينيز ساكريستان، مدير التطوير في نادي بونفيرادينا الذي جاء في زيارة سريعة لـ مصر لحضور مؤتمر عالمي نظمته وزارة الشباب والرياضة.

"أعمل في بونفيرادينا منذ نوفمبر الماضي، وسبق أن عملت كمستشار في نادي قرطبة".

وأوضح خيمينيز في حديثه لـ FilGoal.com السياسة الجديدة للنادي: "في بونفيرادا (المدينة) وصلنا إلى أقصى درجة من الانتصار، لا يمكن أن ننتشر أكثر من ذلك، الكل يعرفنا، وبالتالي نحتاج إلى التوسع بحثًا عن مزيد من الجمهور".

"مصر أول دولة نزورها في توسعنا الدولي، إنه بلد يضم أكثر من 100 مليون مواطن، دولة مثيرة للاهتمام بالنسبة لنا".

وطرح FilGoal.com السؤال الاعتيادي على خيمينيز: هل يمكن استغلال هذا التعداد السكاني الكبير وشراء لاعب مصري لأسباب فنية اقتصادية على حد سواء؟

وأجاب خيمينيز: "كرة القدم باتت صناعة. لكننا نتحدث عن أشخاص وليس منتجات، لديهم مشاعرهم وعدة جوانب لدراستها".

وشدد: "لو وجدت خيارات يجب أن نفكر في إن هذا اللاعب يأتي من دولة بكثير من الجمهور، وهذه عقلية اقتصادية جيدة".

المئوية

وكشف خيمينيز عن خطط ناديه للاحتفال بالمئوية الصيف المقبل، وهي خطط تشمل مصر بالمناسبة.

وقال خيمينيز: "سننظم بطولة دولية للاعبين تحت 15 عامًا بمشاركة أتليتكو سيلتا بلد الوليد وأكاديمية فرنسية".

وأوضح: "ونريد إشراك أكاديمية أو نادٍ على الأقل من مصر. تحدثت مع عدة أشخاص وآمل أن نحسم الأمر سريعا. قد نوجه الدعوة لعدة أطفال من فرق مختلفة أو من فريق واحد".

وكشف: "اجتمعنا مع إدارة الزمالك كما سنقابل الأهلي ونقدم العرض. هذه البطولة قد تساعد في انتشارنا عالميا".

وتصادف المئوية أفضل موسم في تاريخ بونفيرادينا، إذ حصد 51 نقطة حتى اللحظة في 33 جولة من 13 انتصارًا و12 تعادلًا، ولم يخسر إلا 8 مرات.

وبرر خيمينيز هذه النهضة المفاجئة في ناديه: "خوسيه فيرنانديز نييتو رئيس النادي هو ثاني أقدم رئيس في إسبانيا بعد فيرناندو رويج في فياريال. ومديرنا التنفيذي يتواجد في النادي منذ 16 عامًا".

"المدرب بولو يقضي مع الفريق موسمه الرابع، وهذا أمر صعب جدًا في كرة القدم. صعدنا معه من القسم الثالث للثاني في أول موسم وواصلنا التطور وقد نخوض الملحق للصعود للممتاز هذا العام".

"نحن فريق صغير ومتواضع، لكننا نتحلى بالاستقرار، والجو العائلي يساعد اللاعبين على تقديم أقصى ما لديهم".

انتقلنا عندها للحديث عن جون أندوني بيريز المعروف بـ "بولو" المدير الفني التاريخي لـ بونفيرادينا.

بولو (48 عامًا) بدأ مسيرته الكروية في أتليتك بلباو، ولعب لـ أوساسونا ورايو فايكانو ضمن عدة أندية أخرى. لكن تدريبيًا لم يتول تدريب أي فريق قبل بونفيرادينا إلا أريناس جيتشو.

في 2018 حضر بولو لـ بونفيرادينا بينما كان قابعًا في القسم الثالث، وصعد به للقسم الثاني في عامه الأول، ثم المركز 18 والنجاة من الهبوط، ثم الثامن، وهذا الموسم ينافس على الصعود.

يقول خيمينيز: "صرّح بولو منذ فترة إنه يتمنى أن يكون السير فيرجسون الخاص بـ بونفيرادينا".

"نبحث عن الاستقرار، ونجاحاته الرياضية تتحدث عن نفسها، لكنه أيضًا مدرب مميز على المستوى الشخصي ويقود غرفة خلع الملابس بشكل رائع".

كيبا

في موسم 2015\2015 أعار أتليتك بلباو حارس مرماه الشاب إلى بونفيرادينا بالقسم الثاني، ذلك الحارس هو كيبا أريزابالاجا الذي بات أغلى حارس مرمى في التاريخ لاحقًا بانتقاله إلى تشيلسي.

رغم ذلك، يضم بونفيرادينا لاعبين اثنين فقط معارين في صفوفه، فلماذا لا يعوّل على مزيد من الإعارات لتدعيم صفوفه؟

أوضح خيمينيز: "ليس من السهل استقدام لاعبين من الدوري الممتاز. ربما نكون ناديًا مناسبًا لشخص يرغب في أجواء هادئة. لكن على سبيل المثال فلا يوجد مطار قريب، وفي النهاية اللاعبون هم أشخاص وتلك الأمور تؤثر على قراراتهم. نأمل أن نجذب مزيدًا من اللاعبين في الموسم المقبل".

الأسطورة

أمّا اللاعب الأعظم في تاريخ بونفيرادينا، فهو دون نقاش البرازيلي يوري دي سوزا قائد الفريق الحالي.

يوري (39 عامًا) لعب في بونفيرادينا بين 2009 و2016، قبل أن يعود إليه سريعًا في 2017 لأنه لم يطق الفراق.

ويعد يوري الهداف التاريخي لـ بونفيرادينا برصيد 181 هدفًا، وهو هدّاف الفريق في 9 من آخر 10 مواسم، فقط لأنه لم يكن موجودًا في الفريق خلال هذا الموسم اليتيم.

ويمتلك يوري قصة مؤثرة في الوفاء لـ بونفيرادينا حدثت عندما انتقل إلى كينجداو هوانجهاي الصيني في يناير 2016.

بونفيرادينا كان يحتل وقتها المركز 16 في القسم الثاني، ويوري متصدرًا لهدافي الفريق برصيد 10 أهداف. لكن بمجرد رحيله في منتصف الموسم تقهقرت نتائج الفريق وهبط بنهاية الموسم.

يقول يوري في حوار سابق مع مجلة Panenka الإسبانية عن انتقاله للعب في الصين: "إنه أحد أصعب قرارات حياتي، بسبب كل ما عشته في بونفيرادا".

العرض الصيني قيمته المادية كانت 10 أضعاف ما يتقاضاه في بونفيرادينا، لكن رغم ذلك، فإنه شعر بذنب بالغ عندما هبط الفريق.

في الجولة الأخيرة، لعب بونفيرادينا أمام جيرونا في الساعة 8:30 م بتوقيت إسبانيا، والساعة 3:30 ص بتوقيت الصين.

يوري كان لديه مباراة مع فريقه في اليوم التالي، حاول النوم لكنه لم يستطع قلقًا على فريق حياته، فبدأ في متابعة المباراة عبر تطبيق إلكتروني، قبل أن تستيقظ زوجته مفزوعة على صوت نحيبه وبكائه، فسألته في رعب: "ماذا حدث؟".

ليجيب يوري: "هبط بونفيرادينا".

يقول يوري: "كان يومًا حزينًا للغاية، بكيت بحرقة".

"كل ما سيطر على تفكيري هو أنني لم يتوجب عليّ الرحيل، شعرت بالذنب وأنني مدين للنادي. توجب أن أعود وأساعدهم".

بعد عام واحد، عاد يوري إلى بونفيرادينا رافضًا العديد من العروض الأفضل ماديًا، رفض الاستماع لأي منها، وفضّل الاستماع لقلبه.

"أتفهم أن البعض سيراني مجنونًا".. يعلّق يوري.

في 2019 سدد يوري دينه لمدينة بونفيرادا، وقاد الفريق للعودة للقسم الثاني دون سقوط حتى اللحظة.

يقول خيمينيز في حواره مع FilGoal.com عن أسطورة ناديه: "يوري يحافظ على نفسه بشكل هائل وهو قائد وقدوة ويتحلى باحترام كبير لأنه شخص محبوب".

وأضاف ضاحكًا: "لا يزال أمامه مسيرة طويلة".

صغار ولكن عمالقة

عندما أصدرت رابطة الدوري الإسباني "لاليجا" سقف رواتب أندية دوري الدرجة الأولى والثانية في منتصف مارس، انصب كامل التركيز على -144 مليون يورو التي جعلت برشلونة النادي الوحيد الموجود بالسالب في القائمة.

لكن في قاع أرقام الدرجة الثانية، يتواجد بونفيرادينا ضمن أقل 5 أندية برصيد 5 ملايين و834 ألف يورو كسقف للرواتب.

ميزانية ضعيفة للغاية، لكنه سمحت للفريق بمناطحة كبار درجته والمنافسة على الصعود المستحيل.

وأوضح خيمينيز: "هذا الرقم يعطي قيمة أكبر للعمل الذي نقوم به في النادي، الاستقار مهم ولاعبونا باتوا يلعبون بالذاكرة، زمالتهم صارت صداقة، يجنون أموالًا أقل بكثير من ذويهم في الفرق الأخرى، لكنهم يفضّلون التواجد معنا".

وأشار: "يتواجد في صفوفنا أمير عبد زادة حارس مرمى منتخب إيران، هو سعيد ومرتاح معنا رغم إنه حارس مرمى دولي سيشارك في كأس العالم ويستطيع الانتقال إلى نادٍ في الدرجة الاولى أو الثانية، لكنه يحب التواجد معنا".

وسط اللا شيء

عبارة يكررها الإسبان عندما يصفون مدينة بونفيرادا الواقعة في شمال غرب إسبانيا بإقليم كاستيا وليون، وهي إنها "تتواجد في وسط اللا شيء".

مدينة منعزلة لدرجة كبيرة عن غيرها من المدن الكبرى، وتمتلك فريق كرة قدم صغير، فهل يأمل بونفيرادينا في تكرار تجارب فرق صغيرة أخرى حققت الاستقرار والنجاح في الممتاز كما إيبار وفياريال؟

فـ إيبار فريق بميزانية ضئيلة ملعبه لا يتسع لأكثر من 8 آلاف مشجع. بينما تتألف مدينة فياريال من 50 ألف ساكن لا أكثر.

إلا أن خيمينز لا يرى الأمر بنفس الصورة: "لا أحب المقارنات، هناك تفاصيل صغيرة يجب تسليط الضوء عليها".

"مدينة إيبار تبعد 10 كيلومترات فقط عن بلباو" مما يجعل وضعها مختلف عن بونفيرادا البعيدة للغاية عن أي مدينة كبيرة.

وواصل خيمينيز: "أمّا فياريال فهي بدورها تقع في منطقة كاستيون، ويملكهم رجل أعمال كبير قام بعمل رائع على مدار السنوات".

"في بونفيرادينا نحن مقاتلون".

وماذا عن قطاع الناشئين؟ سؤال طرحناه على خيمينيز.

ليرد مدير التطوير في النادي: "الأمر معقد، في بونفيرادا لدينا ملاعب جامعية تابعة لجامعة ليون التي تبعد 100 كيلومتر".

وتابع: "وهناك مدن لاكورونيا وفيجو وخيخون وأوفييدو التي تضم أندية ذات قدرات أكبر، وبالتالي إمكانية أكبر على جذب المواهب".

وأشار: "لا نستطيع أن نعرض حياة جامعية على لاعبينا الصغار على سبيل المثال، وهذه نقطة ضعف يجب أن نجد لها حل".

سيرجي إنريك

في النهاية لم يكن ممكنًا أن نفوّت المقابلة دون طرح سؤال جدلي: سيرجي إنريك مهاجم بونفيرادينا.

إنريك (32 عامًا) لعب في إيبار بين 2015 و2021 وسجّل 34 هدفًا في الليجا الإسبانية. وعندما سافر الصيف الماضي للانضمام إلى شالكه الألماني، وبعد أن اتفق على كافة البنود مع الإدارة، هبت جماهير الأزرق الملكي في غضب عارم لتوقف الصفقة في آخر لحظة. فما السبب؟

بالعودة إلى 2016، ظهر إنريك في مقطع جنسي مُسرب أثناء إقامة علاقة مع إحدى السيدات في وجود زميله بـ إيبار وقتها أنطونيو لونا.

لونا صوّر بعض الثواني من العلاقة وسط مطالبات من السيدة بالتوقف، وبعد انتشار المقطع قامت المرأة بمقاضاة لونا وإنريك بتهمة تصويرها في وضعٍ حميمي دون موافقتها.

في يناير 2021 صدر الحكم أخيرًا بسجن إنريك ولونا لمدة عامين. حُكمٌ أُوقِف تنفيذه لأن القانون الجنائي في إسبانيا لا ينفذ عقوبة السجن لعامين أو أقل إذا لم يمتلك المذنب سجلًا إجراميًا سابقًا.

إدانة دفعت جماهير شالكه لرفض انضمام المهاجم الإسباني، لكنه في نفس الصيف تمكّن من التوقيع مع بونفيرادينا. فهل هي أرض الفرص الثانية؟

رد خيمينيز جاء قويًا وصارمًا على ذلك السؤال الأخير في المقابلة: "ما يحدث مع إنريك غير عادل، لا يستحق ذلك تمامًا، لا أُفضِّل توصيف ما يحدث لأني سأقول وقتها كلمات لا يجدر بي قولها".

"ما يحدث مع هذا الفتى هو ظُلم بيّن، إنه أحد أكثر الأشخاص المحترمين، لا يعترض أبدًا على الحكام، ويصافح منافسيه ويتحلى تجاههم بكثير من العاطفة"

"من المؤسف ما يمر به من ظلم مجتمعي، المجتمع بات مجنونا وكل ما يبحثونه هو مهاجمة الآخرين بقسوة ودون معرفة الأشخاص بحق. كلنا بشر والناس يجب أن تتعلم النظر في المرآة قبل الحكم على الآخرين".

"في النهاية استطعنا ضمه معنا بسبب الموقف الظالم الذي عاشه، وهو مرتاح للغاية في بونفيرادينا، وأن يتواجد معنا لاعب بتلك الخبرة الكبيرة في القسم الأول لهو شرف، نأمل أن نحقق الصعود في وجوده".

التعليقات