كتب : أحمد أباظة | الخميس، 28 أكتوبر 2021 - 23:20

تشافي إلى برشلونة.. لأن الأسوأ لا وجود له

تشافي - السد القطري

وأخيرا انتهى الكابوس برحيل رونالد كومان عن تدريب برشلونة، كما انتهى كابوس إرنستو فالفيردي ومن بعده كابوس كيكي سيتيين، وبحسب أغلب التقارير في الوقت الحالي، فإن الكابوس المحتمل القادم هو تشافي هيرنانديز.

لا أحد يعلم علم اليقين ما إذا كانت هذه هي الخطوة الصحيحة أم لا، كل ما نعرفه أن الخطوة الصحيحة التي تأخرت هي إقالة كومان، كما كانت الخطوة الصحيحة المتأخرة هي إقالة فالفيردي ومن بعده سيتيين.. ولكن متى كان يعني ذلك أن مجرد رحيل الكابوس السابق هو بوابة أرض الأحلام؟

ليتها بهذه البساطة

دعونا نتفق على بعض النقاط الرئيسية، يتفرع جميعها من كون برشلونة يعيش أسوأ فترة ممكنة في الألفية الثالثة: خسر بالثمانية أمام بايرن ميونيخ - أنفق نصف مليار يورو في تعاقدات خاطئة – مدين بما يفوق المليار يورو – فقد ليونيل ميسي، الرجل الذي بذل قصارى جهده في إخفاء كوارث الإدارة السابقة حتى بات هو نفسه عاجزا عن ذلك.

حين يصل الوضع بك إلى قاع الحضيض تصبح خياراتك محدودة للغاية، فلن ينقذك من كل هذا إلا معجزة.. في وقت كهذا لا تملك سوى خيارين: تمويل ضخم لديه القدرة على إعادة بناء هذا الخراب بسرعة، أو منظومة سحرية تأخذ وقتها في البناء على هذه الأنقاض، وبما أن برشلونة لا يحق له التفكير في الخيار الأول أصلا، لا يوجد إلا الثاني.

هناك شعور عام حول الحقبة الحالية أن المعجزة هي الخيار الوحيد. الوضع في الأيام الأخيرة لإدارة جوسيب ماريا بارتوميو كان واضحا بصورة فجة، لا يوجد ما سينقذ النادي من كل هذا سوى هذه المعجزة، ونظرا لاقتران اسم خوان لابورتا بمعجزة أولى، لم يكن من الصعب استنتاج أنه من سيلجأ له الأعضاء في هذا الوقت.

وبعد أن وقف الرئيس المعجزة فاقدا لكل آليات المعجزات بكل هذه الديون ليشاهد مثلنا رحيل أفضل لاعب في تاريخ النادي، لم يعد هناك حل سوى المدرب المعجزة بدوره.. وبما أن التعاقد مع بيب جوارديولا نفسه مرة ثانية ليس خيارا متاحا في الوقت الحالي، لن يكون هناك أدنى استغراب إن أتم برشلونة تعاقده مع "جوارديولا التالي"..

الكلمة الملعونة

هذه الكلمة ملعونة لأقصى درجة.. فلان "التالي". بويان كركيتش في يوم من الأيام كان "ميسي التالي"، أسيير إيارامندي كان "تشابي ألونسو التالي"، أندريه فيلاس بواش كان "جوزيه مورينيو التالي"، الآن انظر للرجلين.. ولنا في مختلف هذه الأمثلة كل الحكمة التي يمكن استخلاصها.

ولكن هذه المرة الأمور مختلفة بعض الشيء، أغلب الشروط متوافرة تشافي بصورة واضحة.. لاعب وسط سابق، بل إنه أيضا كان لاعب وسط عبقري مقارنة بجوارديولا نفسه كلاعب. ابن لهذا النادي، يعرفه جيدا ويعرف فلسفته ويحفظ عن ظهر قلب كل حرف قاله يوهان كرويف في يوم من الأيام. تدرب على يد جوارديولا نفسه وكان أحد أهم مفاتيحه.

بالتالي ليس من المبالغة إن قلنا أن تشافي هو المدرب الوحيد المتاح الذي يعرف فلسفة هذا النادي والأسس التي تقوم عليها أكاديميته "لا ماسيا" بقدر جوارديولا نفسه. وبالنظر لتدرجه في اكتساب الخبرة التدريبية، فقد فعل نفس ما فعله جوارديولا الذي تعلم كل شيء في برشلونة واستقى كل ما يمكن أن يستقيه من نبع كرويف قبل أن يطلب العلم خارج حدود أوروبا.

برشلونة القطري

ما يفعله تشافي مع السد الذي كان بوابة تحضيراته لاقتحام عالم التدريب ثم بات تجربته التدريبية الأولى، هو نفسه ما يحلم جمهور برشلونة بمشاهدته في كامب نو مرة أخرى: فريق يفوز بالدوري بفارق 13 نقطة كاملة عن أقرب ملاحقيه، ويسجل 77 هدفا بفارق 24 هدفا عن أقرب ملاحقيه، ويتلقى 14 هدفا فقط بفارق 8 أهداف عن أقرب ملاحقيه. الدفاع الأقوى والهجوم الأقوى والنقاط الأكثر كنتاج طبيعي للمنظومة الأفضل.

بطرق تتنوع بين 4-2-3-1 و3-4-3 أو بالأحرى 3-4-1-2 ومع وضع 4-3-3 الأم في الاعتبار أيضا، جرب تشافي مختلف الحلول ومختلف العناصر ومختلف الأشكال على أرض الملعب حتى وصل إلى منظومته المهيمنة. نعم هذه هي هيمنة برشلونة جوارديولا في أزهى عصوره.

هذا ما سيعود به تشافي من آسيا لمحاولة إعادة إنتاجه في مهده الأصلي، بعد قرابة عامين ونصف حقق خلالهم 7 ألقاب مع الفريق. حتى انطلاقة الموسم الحالي لا توحي إلا باستمرار ما يحدث لبعض الوقت إن لم يقاطع برشلونة هذه التجربة، إذ يتصدر السد الدوري بـ7 انتصارات متتتالية سجل خلالها 29 هدفا. ليس الدفاع الأقوى حاليا كونه تلقى 10 أهداف بينها 4 في مباراة واحدة سجل خلالها 6، في شباك الغرافة الذي تلقى 5 أهداف فقط في بقية مبارياته الست، كل شيء يبشر بمستقبل أفضل.. أليس كذلك؟

للمرة الثانية.. ليتها بهذه البساطة

حسنا مع كامل احترامنا، نحن نتحدث عن الدوري القطري في نهاية المطاف. الفارق بين كبار الدوريات الأوروبية وسائر دوريات العالم لا يخطئه متابع واحد لكرة القدم على وجه كوكب الأرض، وما يحدث في جانب لا يسهل نقله إلى الجانب الآخر لعدة عوامل واضحة.

أولا.. يمكن القول بأن الفارق معروف ولكن النسبة والتناسب يبشران وحدهما بالأفضل، فهو بالتأكيد سيملك جودة لاعبين أفضل في برشلونة مما يملك في السد. الحقيقة المؤسفة أنه إذا كان يمكننا القول أن جودة لاعبي السد تمنح أفضلية فرض المنظومة المهيمنة في الدوري القطري، فإنه لا يمكننا قول الأمر ذاته عن برشلونة الآن.

هناك بعض من أصحاب الجودة الذين اجتازهم الدهر، وهناك البعض الآخر في انحدار مستمر بسبب تعاقب وتضارب المنظومات من جهة والإصابات بالطبع من الجهة الأخرى. استخراج المنتج النهائي الأفضل من مجموعة لاعبي برشلونة الحالية يمثل أبرز التحديات بحد ذاته.

ثانيا.. حتى في السد وفي الدوري القطري تتطلب الأمر بعض الوقت، إذ خسر تشافي الدوري في موسمه الأول بفارق 7 نقاط، صحيح أنه كان الهجوم الأقوى بـ51 هدفا، إلا أنه تلقى 29 هدفا، ما يفوق ضعف ما تلقاه في الموسم التالي. اكتشاف العيوب يتطلب بعض الوقت، وإصلاحها يتطلب المزيد منه.

ثالثا.. القائمة ليست ممهدة إطلاقا لاستيعاب ما سيحدث، وهذه ضريبة التخبط الإداري في التعامل مع ملف كومان. صفقة مثل لوك دي يونج يعرف القاصي والداني أنها لا تملك مكانا في برشلونة ما كانت لتتم إن رحل كومان حين كان يجب أن يرحل، ولحسن الحظ أنها مجرد إعارة، ناهيك عن بقية تركة بارتوميو أصلا. بدلا من استثمار الموسم بأكمله في عملية إعادة البناء بأسس واضحة منذ الصيف، بات الآن النادي مضطرا لخوض هذه العملية في نوفمبر.

رسميا.. لا يوجد ما هو أسوأ

هذا الخراب الحالي سيكون بحاجة لإصلاحات مستمرة من أجل إرساء دعائم الطريقة "الجديدة القديمة"، فالبناء على منظومات مشابهة بالجودة اللازمة ليست خيارا حصريا للفرق ذات الجودة الخارقة، ولنا في منتخب إسبانيا مثلا واضحا، إذ عاد لمناطحة كبار القارة مرة أخرى بعناصر ليست الأفضل مقارنة بقائمة فرنسا على سبيل المثال الأوضح.

لنا أيضا في سيرجيو بوسكيتس الذي يعتبره الكثير من المتابعين الحاليين مجرد عالة على وسط برشلونة مثالا أكثر وضوحا في تحوله مع منتخب إسبانيا. هذا ما يحدث حين تضع أي فرد في بيئته الطبيعية مع الدوافع اللازمة لإخراج كل ما لديه.

نعود مرة أخرى ونقول، الخبر الإيجابي في إقالة كومان هو إقالة كومان، تماما كما كان الخبر الإيجابي في إقالة فالفيردي هو إقالة فالفيردي، ولكن هذه المرة وبمنتهى الصراحة: هل يوجد ما هو أسوأ ليخشاه برشلونة؟ الفريق يبتعد خطوة تلو الأخرى عن صراع القمة ويواجه خطر السقوط إلى الدوري الأوروبي، ماذا بعد؟ ماذا سيخسر برشلونة من خيار التضحية بالموسم الحالي طمعا في المستقبل؟

هذا الأسلوب هو دائما مشروع على المدى الطويل لفريق يملك النفس الطويل لتطبيقه على مدار موسم كامل بصورة مثالية. هل يملك برشلونة وجماهيره رفاهية الصبر؟ حسنا، الأندية الكبيرة لا تملك هذه المساحة من الصبر على الإطلاق، ولكن الرفاهية التي لا يملكها برشلونة وجماهيره ليست رفاهية الصبر، بل رفاهية التذمر..

الوضع أسوأ من أن يصلحه أي مدرب، وبناء عليه فإن خوض الرحلة مع شخص ينوي فعل شيء ما يعرفه هذا المكان جيدا، إن لم يغير وضع النادي في الأعوام الثلاثة المقبلة بصورة واضحة، ففي أسوأ الاحتمالات سيترك أرضية آدمية للعمل عليها فيما بعد.

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات