تحليل في الجول - باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي.. معركة تكتيكية كبيرة

الجمعة، 30 أبريل 2021 - 15:32

كتب : عمر مختار

كيفن دي بروين - باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي

بعد أن فشل في بلوغ العقبة الأخيرة العام الماضي، دخل باريس سان جيرمان هذا العام دوري أبطال أوروبا متلهفًا إلي تصحيح الأخطاء السابقة، وقد أثبتوا ذلك في الدور ربع النهائي أمام حامل اللقب بايرن ميونيخ، حيث شهدت مواجهتهم إثارة كبيرة ذهابًا وإيابًا قبل أن يشق الباريسيون طريقهم إلى الدور نصف النهائي بفضل الأهداف خارج الأرض، وقد وجدوا أنفسهم في مواجهة مانشستر سيتي الذي وصل لهذا الدور لأول مرة تحت قيادة مديره الفني بيب جوارديولا.

كان الفريق الإنجليزي يائسًا طوال السنوات الماضية لتحقيق حلمه بالتتويج بلقب أغلي البطولات القارية، وقد هدأت قوة الطاغوت في الأسابيع القليلة الماضية، على الرغم من أن الهزيمة أمام تشيلسي شهدت نهاية الطموحات النبيلة لرباعية أسطورية، إلا أن العرض الذي قدموه أمام توتنام في نهائي كأس كاراباو كان كفيلاً للحصول علي أول ألقابهم خلال هذا الموسم.

المواجهة بين الفريقين شهدت معركة تكتيكية كبيرة، استطاع فيها مانشستر سيتي حسم معركة الذهاب خارج الميدان لصالحه لكي يعود من تأخره بهدف ليفوز في النهاية بهدفين، مباراة شهدت لحظات مثيرة والتركيز فيها كان السمة الأكبر لحسم الأمر.

بقيادة مديره الفني ماوريسيو بوكيتينو بدأ باريس سان جيرمان المباراة بـ 4-4-1-1، كيلور نافاس في حراسة المرمي، أمامه رباعي دفاعي، أليساندرو فلورنزي، ماركينيوس، برسنيل كيمبيمبي وميتشل بيكر، أمامهم رباعي وسط، لياندرو باريديس، إدريسا جاي، ماركو فيراتي وأنخيل دي ماريا، في المقدمة مهاجم وحيد كيليان مبابي يتمركز بالقرب منه صانع ألعاب الفريق نيمار دا سيلفا.

في الجهة الأخري بدأ مانشستر سيتي بقيادة بيب جوارديولا المباراة بـ 4-3-3، إيديرسون مورايش في حراسة المرمي، أمامه رباعي دفاعي، كايل واكر، جون ستونز، روبن دياز وجواو كانسيلو، خط الوسط تكون من رودري، إلكاي جندوجان و بيرناردو سيلفا، وفي المقدمة الثلاثي الهجومي، كيفين دي بروين، فيل فودين ورياض محرز.

بدأ مانشستر سيتي المباراة بالضغط بكتلة متوسطة بـ 4-2-2-2، كان هدفهم واضحًا للغاية، منع قلبي دفاع باريس ماركينيوس وكيمبيمبي المميزين في الخروج بالكورة من التمرير العمودي في العمق، فكان دي بروين بإستمرار يذهب للضغط علي ماركينيوس في الوقت الذي يغلق فيه محرز زاوية التمرير علي كيمبيمبي، في حين أن بيرناردو يراقب إدريسا جاي بزاوية معينة تجعل خياره الوحيد والسهل هو التمرير لبيكر في اليسار، بعد أن يمرر له جاي يصبح بيرناردو مستعدًا للضغط علي بيكر، لكن استخدام جاي وضعية الجسد وتمويهه عند استلامه للكرة كان يخدع تحرك بيرناردو ويفتح له زاوية واضحة للتمرير في العمق تجاه مبابي، خصوصًا مع إلتزام جندوجان ورودري برقابة باريديس وفيراتي الذين كانوا يتمركزون في انصاف المساحات في الجهتين.

استخدم بوكيتينو حيلة ذكية استطاع بها اخراج فريقه من ضغط مانشستر سيتي، قلوب دفاع باريس ماركينيوس وكيمبيمبي كانوا يتواجدون في أحيان كثيرة في جانب واحد فقط من الملعب فيما يسمي بالهيكل الغير متماثل ومع وجود ثلاثي الوسط باريديس، جاي وفيراتي بالقرب منهم كانوا يخلقون زوايا تمرير مختلفة ويخرجون بالكرة بشكل رائع، باريس كان يستخدم حارس مرماه نافاس أيضًا كلاعب إضافي في حالات الخروج بالكرة بالإضافة لعودة باريديس أحيانًا بين قلبي الدفاع لخلق زيادة عددية علي خط ضغط مانشستر سيتي الأول والمتكون من لاعبين إثنين واستغلال تمريراته العمودية الدقيقة لكسر الخطوط الخصم.

بناء علي ذلك كان فودين في حيرة بين البقاء بالقرب من فلورنزي والضغط علي كيمبيمبي، لكنه كان يضطر للضغط علي كيمبيبمي ويترك مساحة كبيرة خلفه لفلورنزي علي الخط استغلها فلورنزي في أكثر من مناسبة إما بالتمرير الطويل تجاة مبابي أو بخلق مواقف 2 ضد 1 أمام كانسيلو وبمساندة دي ماريا، الأمر الذي جعل باريس يتفوق عدديا ونوعيًا في أول نصف ساعة من المباراة.

رغم ضغط مانشستر سيتي الغير فعال وخروج باريس بالكرة بشكل صحيح في البداية، لكنهم لم يستطيعوا أن يستفيدوا من ذلك التفوق نتيجةً لتمركز لاعبي مانشستر سيتي الجيد، حيث كان خط دفاعهم متناغمًا بشكل مميز مع خط وسطهم، والمساحة بين الخطين كانت مناسبة كفاية للتعامل مع خطورة دي ماريا، نيمار وحتي مبابي هناك، كان رباعي دفاع مانشستر سيتي منكمشًا للداخل خلف خط الوسط وبمجرد أن يتم التمرير بين الخطين، كان يخرج واحد من دياز او ستونز ليقابل حامل الكرة في حين أن الاخر يتطلع للتغطية مستغلين وجود ظهير عكسي يستطيع أن يوجه وضعية جسده للداخل بدون أي مشاكل مثل كانسيلو.

وصول باريس لمرمي مانشستر سيتي كان يحدث بسبب قدرات بعض لاعبي الفريق الفردية، مثل مهارة نيمار، سرعة مبابي وذكاء فيراتي (الذي كان يتمركز أحيانًا في المنطقة 14 ويغطي انصاف المساحات في الجهتين) ودي ماريا في التمركز واللعب الجماعي.

عندما كان باريس يفقد الكرة كانوا يستخدمون الضغط العالي فقط في حالات ضربات المرمي لمانشستر سيتي، أثناء ذلك، كان هيكل الفريق 4-4-2 بكتلة عالية ثم كتلة متوسطة ثم كتلة عميقة.

https://imgur.com/kqcyTrS

اثناء الدفاع بكتلة متوسطة، حاول باريس أن يضع محفزات للضغط عند استلام رودري للكرة في الوسط وهو فعل يطلبه المدير الفني من لاعبيه لمحاولة إفتكاك الكرة في المناطق العمياء لإستلام الكرة أو المناطق الضيقة أو الضعيفة التي يفقد فيها خصمه عادةً أغلب الكرات، فكان أقرب لاعب له من ثلاثي خط الوسط يذهب دائمًا للضغط عليه بسرعة ويجبره علي التمرير الخاطئ.

عند التحول لكتلة عميقة كان الفريق يميل أكتر للإنكماش العرضي في الجهة اليمني (اليسري لمانشستر سيتي) لمنع أي خطورة ممكنة لسيتي وقتل أي مساحة هناك خاصة مع وجود لاعبين مثل كيفين دي بروين، إلكاي جندوجان، فيل فودين وجواو كانسيلو، وفي نفس الوقت حصار سيتي في رقعة محددة وعدم السماح لهم بتبديل اللعب للجهة الأخري إلا بصعوبة بالغة.

التزام فودين بالوقوف علي الخط، سقوط دي بروين للوسط بجانبه وتركه للمنطقة الهجومية وعدم صعود كانسيلو بعد الثلث الثاني، كلها أشياء قتلت الجهة اليسري وسهَّلت من مهمة باريس، وتركت خيار وحيد فقط أمامهم هو إرسال الكرات القطرية الطويلة تجاه محرز والتي كانت تصل غير دقيقة في أغلب الأحيان، وحتي عندما كانت تصل إلي هناك ونتيجة التزام كايل واكر بالمهام الدفاعية أكثر، كان محرز يجد نفسه دائمًا في مواقف 1 ضد 2 مع مساندة فيراتي لبيكر و2 ضد 3 في اللحظات التي كان يميل فيها بيرناردو لمساندته، لكن في تلك الحالة كان كيمبيمبي يتبع اللاعب البرتغالي.

هدف باريس الوحيد جاء نتيجة خطة ذكية منهم، استغلوا فيه استخدام السيتي لمزيج من دفاع المنطقة ودفاع الرجل في الضربات الركنية، فوضع بوكيتينيو ثلاثة من لاعبيه داخل الست ياردات لتشتيت خماسي السيتي الموجود في نفس المنطقة، في حين وضع نيمار وقلبي الدفاع ماركينيوس وكيمبيمبي خلفهم، بمجرد أن يصبح دي ماريا علي وشك تنفيذ الركلة، يبدأ ثلاثي باريس في شغل خماسي مانشستر سيتي ومنعهم من الحركة الطبيعية، يبدأ نيمار في التحرك تجاه القائم القريب ويقوم بسحب مراقبه معه خارج اللعبة، يوجه دي ماريا الكرة لواحد من كيمبيمبي أو ماركينيوس الذي استطاع التسجيل، تكررت هذه الحركة في أكثر من مرة، لذلك لم يكن الهدف وليد الصدفة.

بعد نصف ساعة قرر بيب جوارديولا تغيير طريقة الضغط، في تلك اللحظة تغير كل شئ، دي بروين أصبح يقوم بالضغط علي ماركينيوس وفي نفس الوقت يغلق زاوية التمرير علي لاعب الوسط الذي يأتي خلفه، بيرناردو يضغط علي كيمبيمبي بنفس الكيفية، محرز مستعد للضغط علي بيكر، في حين أن جندوجان ورودري يقومون بمراقبة إدريسا جاي وفيراتي.

كذلك الأمر كان يتم في الجهة الأخري بوجود فودين و كانسيلو.

عدل بيب أيضًا من شكل فريقه الهجومي حيث وضع جندوجان في مناطق أكثر تقدمًا بجانب دي بروين وبيرناردو لإستغلال حركتهم الشهيرة في الجهة اليسري بتحرك الرجل الثالث.

لاحظ بوكتينيو الأمر بعدها بخمس دقائق، فعدَّل من هيكل فريقه أثناء الحالة الدفاعية من 4-4-2 إلي 4-3-3، حيث غيَّر مركز فيراتي من لاعب وسط أيسر إلي لاعب وسط دفاعي بجانب باريديس وجاي، وذلك للقضاء علي أي مساحة ناتجة عن صعود جندوجان لمركز متقدم، وهو أمر استفاد منه مانشستر سيتي في مباراة العودة للدور ربع النهائي أمام بروسيا دورتموند، لم يستغرق الأمر سوي بضع دقائق حتي عاد جندوجان إلي مركزه الأصلي بجانب رودري في الوسط، لذلك طلب بوكيتينو من لاعبيه العودة إلي الشكل الذي بدأوا به المباراة.

حل جوارديولا المشكلة الأولي لكن ظلت المشكلة الثانية ثابتة بإفتقار الجهة اليسري للدعم اللازم، وهنا كان القرار بدخول فودين لنصف المساحة اليسار والعمق اكثر، وخلق مساحة لكانسيلو بالصعود أكتر علي الخط، الأمر الذي نتج عنه إما ثغرة بين فلورنزي وماركينيوس نتيجة اضطرار فلورنسي للخروج ومواجهة كانسيلو او ثغرة نتيجة بقاء فلورنزي وإلتزامه مع فودين في العمق.

ضغط مانشستر سيتي تم بشكل مكثف وفعال اكثر في الشوط الثاني مع نزول زيتشينكو بديلاً لكانسيلو الذي كان حذرًا بعد تحصله علي انذار في الشوط الأول، دي بروين يقوم بالضغط علي كيمبيمبي، بيرناردو يراقب باريديس، فودين ينتظر أن يمرر كيمبيبي إلي فلورينزي ويبدأ التحرك علي أن يتحرك زملائه في نفس التوقيت، جندوجان يتتبع جاي، رودري يتتبع فيراتي، زيتشينكو يراقب دي ماريا بالقرب من الخط، في حين أن دياز الذي قدم مباراة مذهلة من حيث التغطية والرقابة يسقط مع نيمار أينما ذهب.

كان زيتيشينكو بقدمه اليسري قادرًا علي إخراج تمريرات من الخارج لداخل الملعب وإيصالها لدي بروين بين الخطوط، تحركه أيضًا بدون كرة للخروج من ضغط باريس المؤقت كان كفيل لمنح السيتي التفوق.

أصبح باريس سان جيرمان الآن في وضع مماثل لما وضع فيه بايرن في الدورالسابق، هدف رياض محرز جعل مهمتهم للوصول إلى النهائي للعام الثاني على التوالي أكثر صعوبة، ومع ذلك، كان الشوط الأول مؤشراً على مدى جودة الفريق في مثل هذه المناسبات.

لعب الضغط دورًا محوريًا في قلب مجرى المباراة، فوز الإنجليز في الأراضي الفرنسية سوف يبعث فيهم ثقة ودفعة معنوية كبيرة، لكن التوقعات النهائية تظل معلقة حيث دائمًا ما عودتنا المواجهات بين بيب جوارديولا وماريسيو بوكيتينو علي المفاجات، فاز بيب في الشوط الأول وتبقي لبوكيتينو اسبوع للتحضير للشوط الثاني.

التعليقات
قد ينال إعجابك