كتب : مصطفى عصام | الجمعة، 25 يناير 2019 - 11:30

سؤال بعنوان: هل تجاوزت الكرة المصرية تبعات فترة القصور الذاتي؟

الإسماعيلي

مظاهر عدة تجلت يوم الخميس الكروي المصري الذي شهد ثلاث مباريات لثلاثة أسابيع مختلفة.

الإسماعيلي واجه بتروجت في الأسبوع الـ19، والأهلي لعب مع مصر للمقاصة بالأسبوع الـ11، وأخيرا الزمالك وبيراميدز ضمن الأسبوع التاسع.

كان الحديث قبل انطلاق المواجهات متندرا على عشوائية أسابيع الجدول من قبل رئيس لجنة المسابقات عامر حسين وكذلك مناوشات مبنية على عمق العلاقة بين إدارة نادي الزمالك ونادي بيراميدز أكسبت المواجهة عمقا أجبر جماهير الأهلي على متابعتها على الرغم من كونها ليست أحد طرفي المواجهة ولكن لمتابعة لعبة الكراسي الموسيقية بالدوري المصري.

ولكن بنظرة عامة وشاملة على عدة مواسم متصلة في الدوري المصري وحتى آخر انقطاع إجباري بدوري 2012-2013، توجب علينا باكتمال منافسات اليوم أن نسأل: هل حقا قاربت الكرة المصرية على تجاوز فترة الركود المصاحبة للقصور الذاتي؟

بكل بساطة ظاهرة القصور الذاتي هى ظاهرة فيزيائية تعني احتفاظ الجسم بجزء من حركته على الرغم تأثير قوة عليه أدت إلى سكونه، وأحد تطبيقاتها بكل بساطة هى ظاهرة المروحة، تظل تدور طيلة توصيلها بالتيار الكهربي، ولكن حين ينقطع عنها مصدر التيار، تظل المروحة محتفظة بجزء من حركتها في الدوران لمقاومة هذا التأثير.. إلى أن تسكن تماما.

المعتقد في الأمر أن الكرة المصرية واجهت هذا الأمر عام 1967 وعام 2011، هما أوضح تطبيقين غير فيزيائيين لتلك الظاهرة، ولكن كيف تجاوزت مصر فترة القصور الذاتي وفترة السكون وعادت مجددا للدوران؟

في ستينيات القرن الماضي، وصلت الكرة المصرية إلى أقصى دواها، فبعد نهاية خمسينية جميلة باحتفاظ مصر بأول لقبين لبطولة أمم إفريقيا، تسارعت الكرة المصرية في الدوران في فترة الستينيات بدخول نادي الزمالك المنافسة على لقب الدوري وكسر الاحتكار على الأهلي بلقب الدوري عام 1959-1960.

بل ودخل معه على هذا الخط نادي الترسانة، الأوليمبي والإسماعيلي منذ موسم 1962-1963 حتى موسم 1966-1967، حتى مرت الكرة المصرية بفترة ربيع هي الأولى والأخيرة لها بأن فازت خمسة أندية بسبعة ألقاب دوري في تلك الفترة المجيدة في رقم لم يتكرر من قبل.

سأزيدك من الشعر بيتا بأن المنتخب المصري وصل لأقصى عنفوانه، وفاز بالمركز الرابع بأوليمبياد طوكيو عام 1964، بل وتعادل مع القوة اللاتينية "البرازيل" في عرض لن ينسى.

والآن ندخل لشهر مايو عام 1967. الإسماعيلي قد فاز بالدوري العام والمنتخب المصري ينوي على الفوز ببطولة أمم إفريقيا عام 1968 المقامة بالكونغو الديمقراطية ويلعب مباراة أمام منتخب أوغندا يوم الرابع من يونيو عام 1967.. يوم واحد فقط يفصل على زيادة تسارع ربيع الكرة المصرية القوى العظمى بإفريقيا.

ثم.. قررت دانات المدافع واشتباكات الطيران وقيام حرب يونيو على إيقاف هذا الربيع، لتبدأ الكرة المصرية شتاءً كئيبا ستتوقف فيه لعدة سنوات، بعد أن قطعت الهزيمة أجواء الحراك الكروي الذي وصل لأعظمه.

توقفت الكرة المصرية وبدأ الجميع يفكر في تخطي مرارة الحرب، ولكن واحدا فقط قرر أن يعيش مرحلة القصور الذاتي ويحتفظ بجزء من الحركة.\

الإسماعيلي استمر على الحراك بالسفر خارج مصر ولعب مباريات ودية من أجل المجهود الحربي، ووصل لأقصى حركة من الممكن أن يحتفظ بها حين توج بأول بطولة إفريقية بتاريخ أندية مصر أمام الإنجلبير.. أمام فريق مثل منه 7 بالتشكيل الأساسي للفريق الفائز بأمم إفريقيا عام 1968، والتي بالطبع اعتذرنا عن المشاركة بها.

ولكن ما أن انتهى الإسماعيلي من فترة القصور الذاتي، حتى عادت الكرة المصرية إلى فترة المعاناة من آثار السكون جراء الحرب وتوقف الكرة.

دخلت الكرة المصرية بالسبعينيات مرحلة مريرة من التمثيل الخارجي الضعيف، بل وكاد أن يصيبها العطب نهائيا جراء حرب أكتوبر، إلا أن جرس إنذار أمم إفريقيا 1974 أعاد لها الحياة مجددا، وعادت للدوران من جديد، حين قررت الكرة المصرية بعد الهزيمة القاسية أمام الكونغو في نصف نهائي أمم إفريقيا الاكتفاء من أساطير الكرة بمرحلة الستينيات.

وبدأت ربيعا جديدا بعده بجيل سبعيني جديد، جيل يقوده الخطيب، مصطفى عبده وفاروق جعفر وعناصر خبرة من أواخر مرحلة الستينيات مثل حسن شحاتة. جيل جديد فعل الكثير للكرة المصرية حتى علق حذائه قبل مونديال إيطاليا 1990.

ولكن الآن، كيف مررنا بفترة السكون بعد حراك الكرة المصرية وأين نهاية فترة القصور الذاتي.

وصلت الكرة المصرية إلى أقصى تسارع لها في تاريخها بنهاية 2010، بوصول منتخب مصر إلى التصنيف التاسع لمنتخبات الفيفا وتحقيقه ثلاثة ألقاب أمم إفريقيا متتالية ومشوار فارسي للأهلي بإفريقيا.

بل أن الدوري المصري وصل لأعلى مستوياته بالمنافسة مع الإسماعيلي عام 2009 والزمالك نسخة حسام حسن، وحتى لم تتأثر الكرة المصرية بتوقفات ثورة يناير بل أعطت الدور الثاني موسم 2010-2011 والدور الأول موسم 2011-2012 الملغي على أعلى ما يكون.

إلا أن حدثا مأساويا مثل مذبحة بورسعيد أوائل 2012 كان كافيا لإجبار الكرة المصرية على توقف الحركة.

هل كرر التاريخ نفسه؟

كرر التاريخ نفسه، ودخل الأهلي تلك المرة فارسا جديدا لمرحلة القصور الذاتي، فعلى الرغم من بدء مرحلة السكون مجددا، فاز الأهلي مدفوعا بتلك الظاهرة ببطولتي دوري الأبطال عام 2012 و2013.

مرت تلك الظاهرة لتبهر جميع المتابعين بأن كيف حقق الأهلي تلك المعادلة رغم المعاناة مثل الإسماعيلي 1970، إلا أن حدثين مثل الخسارة القاسية للمنتخب المصري بغانا 6-1 في تصفيات كأس العالم، وعدم الوصول لأمم إفريقيا، كانوا تبعات انتهاء مرحلة القصور الذاتي ودخول الكرة المصرية لنفق مظلم.

ولكن على غير العادة كانت مقاومة الكرة المصرية لفترات السكون تلك مغايرة عن فترة السكون بداية السبعينيات.

مرت الكرة المصرية من مرحلة السكون تلك سريعا مع بدء زيادة عدد المحترفين الممثلين لمنتخب مصر، فبات التشكيل الأساسي لا يعتمد كليا كما الماضي على عناصر الأهلي والزمالك والتطعيم من عناصر بقية أندية الدوري المتأثرين بتوقف النشاط الكروي واعتزال جيل ما قبل 2012، فحقق المنتخب المصري خطوات متقافزة مثل الوصول لكأس العالم بعد غياب 28 عاما والوصول لنهائي أمم إفريقيا 2017.

أما عن الأندية، فظل الأهلي والزمالك محلك سر منذ نهاية 2013، فعلى الرغم من أن الأهلي متحليا بقصوره الذاتي قد فاز بالكونفدرالية عام 2014، إلا أنه باعتزال أغلب جيل 2005 دخل نفقا مظلما على المستوى الإفريقي، فخرج من نصف النهائي بالكونفدرالية عام 2015 ودور المجموعات عام 2016 وخسر آخر نهائيين عامي 2017 و2018، وتبعه الزمالك بإخفاقات متكررة أبرزها نهائي عام 2016 أمام صن داونز.

ولكن في الموسم الجديد، تشهد الكرة المصرية نورا جديدا يلوح في الأفق، فالتدعيمات مع بدء دخول الجماهير تصل بمستويات كبيرة لم نرى جودتها منذ فترة كبيرة، مثلما رأينا ظهور 7 لاعبين موندياليين في مباراة الزمالك وبيراميدز على ملعب بتروسبورت، وعودة المنافسة بشكل جديد بأطراف جديدة بعد أن كانت المنافسة تحسم بطل الدوري بصورة شبه نهائية بنهاية الدور الأول.

بل وأجرت الكرة المصرية سوقا تعاقديا في فترتي الصيف والشتاء بمبلغ قد يتجاوز المليار ونصف لأول مرة، وفتح للكرة المصرية سوقا جديدة من أمريكا الجنوبية كتعاقد الأهلي مع الأوروجويائي مارتن لاسارتي، أو تعاقدات بيراميدز مع كينو البرازيلي وسيفونتي الإكوادوري وبيافينتي البيروفي.

لاعبون أظهروا للجميع بأنهم ليسوا مثل بضاعة أمريكا الجنوبية الضئيلة مسبقا في تجارب أول اثنين برازيليين مع المريخ مطلع 1990 أو تعاقد الأهلي مع رجل يصاب في الاحتفال بالهدف مثل بينو جيلبرسون أو رجلا أتى من أجل الكرات الثابتة فأضاعها بالكامل مثل الكولومبي كاستيلو.

تجاوزت الكرة المصرية فترة القصور الذاتي التي لحقت إيقاف النشاط الكروي بعد أحداث شهداء مذبحة بورسعيد عام 2012، وخطت خطوات واسعة في تجاوز آثار مرحلة السكون بقوة دفع جديدة أبرزها مستويات الأندية بالدوري هذا الموسم.

إلا أن العودة لأقصى حراك تم الترتيب له مع استضافة مصر لكأس الأمم الإفريقية عام 2019، لن يكتمل الدفع به - مع اعتزال ما تبقى من جيل مجد الكرة المصرية بداية 2004 - حتى يكتسب الجيل الجديد نضجا لن يعرفه إلا بحضور الجماهير.

مقالات أخرى للكاتب

نرشح لكم

أخر الأخبار

التعليقات

قد ينال إعجابك