الأفضل في أفريقيا – أن تكون محمد صلاح

الإثنين، 07 يناير 2019 - 12:24

كتب : عادل كُريّم

محمد صلاح

"البعض يقول إن الحياة قصيرة، بالنسبة لي هذا ليس صحيحا، فأنا أقوم بما يجعل حياتي تمتد للأبد، سأبقى حيا بما أحققه في كل يوم". المخرج والممثل الأمريكي جون مالكوفيتش من فيلمه "أن تكون جون مالكوفيتش".

محمد صلاح

النادي : ليفربول

لكن قصتنا هنا ستختلف قليلا، فيلما واقعيا سنسميه "أن تكون محمد صلاح".

مساء الثلاثاء، وبمركز عبده ضيوف الدولي للمؤتمرات في عاصمة السنغال داكار، سيتم الإعلان عن لقب أفضل لاعب إفريقي لعام 2018، جائزة يتنافس عليها نجمنا المصري محمد صلاح، وزميله في ليفربول السنغالي ساديو ماني، وهداف أرسنال الجابوني بيير إيمريك أوباميانج.

FilGoal يستعرض معكم مشوار محمد صلاح نجم مصر.

محمد صلاح، ابن قرية نجريج في مدينة بسيون محافظة الغربية يوم 15 يونيو 1992، والذي خاض مشوارا طويلا من نجريج إلى ليفربول.

"وقعت في حب كرة القدم منذ الطفولة، تحديدا مع بلوغي السابعة أو الثامنة من العمر. أتذكر متابعتي لمباريات دوري أبطال أوروبا بشكل دائم ومحاولة تقليد رونالدو البرازيلي وزيدان وتوتي حينما ألعب في الشارع مع أصدقائي".

يعتقد صلاح أنه لم يكن لاعبا جيدا ولكنه مع ذلك واصل الحلم حتى انتقل للعب مع مقاولون طنطا، ومنه للمقاولون العرب. بدأ التدريب بشكل احترافي للمرة الأولى في سن الرابعة عشرة. مشوار يستغرق أكثر من أربعة ساعات يوميا من بسيون للقاهرة، وإذن يومي من المدرسة حتى يغادرها مبكرا ليلحق بالمران.

قبل أن يكمل عامه السابع عشر أصبح صلاح لاعبا بالفريق الأول للمقاولون العرب. هدفه الأول في الدوري الممتاز كان يجب أن يلفت الانتباه، لذلك اختار أن يسجله في مرمى الأهلي، تحديدا في الدقيقة الثانية والخمسين من مباراة الفريقين يوم 25 ديسمبر 2010 بملعب الكلية الحربية.

"حينما أنظر للخلف، أجد أن ذكرياتي مع المقاولون العرب جيدة. كنت صغيرا وكان لدي حلم".

في التاسعة عشرة من عمره ارتدى قميص منتخب مصر لأول مرة. الفراعنة قرروا خوض آخر مباراتين لتصفيات كأس الأمم الأفريقية 2012 بلاعبي منتخب الشباب بعد أن ودعوا المنافسة مبكرا، ليظهر صلاح أمام سييراليون ثم يسجل أول هدف دولي في مسيرته في مرمى النيجر في 8 أكتوبر 2011.

8 أكتوبر، نفس اليوم الذي عاد صلاح فيه بعد ست سنوات بالتمام ليسجل الثنائية الأغلى في مشواره ويقود مصر لنهائيات كأس العالم 2018.

كأس العالم للشباب 2011 في كولومبيا، ثم أولمبياد لندن 2012، هنا كان محمد صلاح قد أصبح اسما معروفا لدى الجمهور المصري. لاعب شاب لم يلعب للأهلي أو الزمالك، لكنه وقع عقدا ليلعب لفريق سويسري اسمه بازل، وسجل هدفا في مرمى البرازيل، ثم جرى إليه أسطورة مثل محمد أبو تريكة ليحتضنه بعد هدف في بيلاروسيا أمن لمصر عبورا للدور ربع النهائي للمرة الأولى منذ عام 1984.

بعدما رفض رئيس الزمالك وقتها ممدوح عباس فكرة ضم لاعب "يحتاج لوقت طويل للتعلم"، بدأ صلاح الرحلة في أوروبا مع بازل في صيف 2012.

"كان الأمر صعبا للغاية. لم أستطع فهم اللغة لأنني لم أكن قادرا على معرفة الإنجليزية أو الألمانية. لم أكن أعلم أماكن شراء الطعام أو أي شيء. انتقلت إلى هناك وعشت بمفردي. أخبرت نفسي حسنا، علي أن اتعامل مع الموقف أو سيصبح أصعب، وهذا ما فعلته".

توقع الكثيرون وقتها أن يقضي صلاح ستة أشهر أو أكثر قليلا مع بازل ثم يعود إلى مصر لاعبا بالقميص الأحمر أو الأبيض. لكن صلاح اختار أن يسير في طريقه حتى النهاية.

أفضل لاعب شاب في إفريقيا 2012، أفضل لاعب في الدوري السويسري موسم 2012-2013، بطل الدوري السويسري مع بازل، هدفان في مرمى توتنام ثم تشيلسي في الدوري الأوروبي.

"كنت سعيدا ولكنني كنت أتطلع لمساعدة الفريق على العودة لدوري الأبطال وهذا ما فعلناه في الموسم التالي. ما أستطيع قوله هو أن بازل نادي رائع للغاية. الجميع هناك أصدقائي وأنا أحبهم للغاية".

أصبح صلاح عنصرا أساسيا مع الفراعنة، سجل ستة أهداف في تصفيات مونديال2014 لكنه أنهاها بالدموع في أحضان أبو تريكة بعد الخسارة من غانا.

لعب في دوري الأبطال، وسجل من جديد في تشيلسي، ليس مرة واحدة بل مرتين ليلفت الانتباه في انجلترا. كان قاب قوسين أو أدنى من الانتقال إلى ليفربول في يناير 2014، لولا رسالة على الهاتف من جوزيه مورينيو.

"كان هناك اهتمام من ليفربول حينما ذهبت إلى تشيلسي، ولكن أعتقد أنني إذا كنت قد انضممت للحمر وقتها ربما لم تكن الأمور لتسير بشكل جيد مثلما هو الحال حاليا. أنا لاعب مختلف الآن بنسبة 100 بالمئة. أنا هنا في ليفربول في التوقيت المناسب".

19 مباراة فقط ارتدى خلالها صلاح قميص تشيلسي. لم يكن الخيار المفضل للمدرب الاستثنائي لكنه تعلم منه الكثير على حد تعبيره. قرر في يناير 2015 الرحيل إلى فيورنتينا على سبيل الإعارة. قبل ذلك اتخذ قرارا واحتفظ به لنفسه.

"عندما كنت في تشيلسي لعبت على آنفيلد للمرة الأولى. قلت لنفسي علي أن ألعب هنا يوما ما".

ستة أشهر فقط سجل خلالها صلاح تسعة أهداف في 26 مباراة بقميص الفيولا، منها ثنائية تاريخية في مرمى يوفنتوس بملعبه في نصف نهائي كأس إيطاليا، تمسك به فيورنتينا لكنه فضل أن يشد الرحال إلى روما بعدما بدا واضحا أنه لن يرتدي قميص تشيلسي من جديد.

في روما كان صلاح يواصل التقدم نحو النضج الكامل، حقق لقب أفضل لاعب بالفريق في موسمه الأول مع الذئاب بعدما سجل 15 هدفا في 42 مباراة. الموسم التالي شهد تسجيله 19 هدفا في 41 مباراة بقميص روما، أصبح محبوبا للجماهير وتأثر كثيرا بما قدمه له لوشيانو سباليتي.

"سباليتي ساعدني كثيرا، هو ذكي للغاية. كنت أتحدث معه دائما عقب التدريب، ولم يقل لي لا أبدا. لقد ساعدني حتى على تحسين شخصيتي".

"حينما ذهبت لإيطاليا، الجميع كانوا يقولون ربما هو جيد وربما لا، إيطاليا ستكون صعبة عليه، هو لم يشارك مع تشيلسي، ولكن عقب ستة أشهر، عام، عامين، أعتقد أن ما كان يدور في أذهان الجميع قد تغير".

في الوقت نفسه كان صلاح يتحول تدريجيا إلى أسطورة حقيقية في مصر، كانت المقاهي تترك مباريات ريال مدريد وبرشلونة وتلهث وراء فيورنتينا وروما من أجله، أصبح لدى المصريين أمل كروي كبير يدور حول شخص واحد، اسمه محمد صلاح.

منتخب مصر عاد لنهائيات كأس الأمم الأفريقية بعد غياب لثلاث دورات متتالية، بل وبلغ نهائي البطولة قبل الخسارة في اللحظات الأخيرة من الكاميرون، وكان يتقدم رويدا رويدا في تصفيات كأس العالم نحو حلم غاب 28 عاما.

لقطته الأخيرة مع روما كانت تاريخية، حينما خرج ليدخل الأسطورة فرانشيسكو توتي بدلا منه في آخر مباريات الملك مع فريق العاصمة.

في هذا الوقت قرر صلاح تحقيق ما قاله لنفسه حينما كان لاعبا في تشيلسي، العودة إلى أنفيلد "يوما ما".

"شعرت بسعادة غامرة عندما علمت برغبة ليفربول في ضمي. كنت أقول لنفسي أنني أرغب في العودة لإنجلترا. أردت اللعب هنا وإظهار قدراتي للجميع. حينما أدركت أنني قريب للغاية من الانضمام لليفربول، كنت سعيدا للغاية".

في الثاني والعشرين من يونيو 2017 أعلن نادي ليفربول عن ضم محمد صلاح إلى صفوفه في صفقة كانت وقتها هي الأغلى في تاريخ الحمر. البعض تخوف من عودة صلاح إلى انجلترا بعد تجربة غير ناجحة مع تشيلسي، والبعض الآخر اعتبر قيمة 50 مليون يورو (42 + 8 إضافات) كبيرة للغاية.

"صلاح سيجعلنا أكثر خطورة. صلاح يؤمن بما نحاول القيام به هنا في ليفربول، ونحرص بشدة على أن يكون جزءا منه. ببساطة هو لاعب طموح يريد الفوز والوصول لأعلى مستوى، ويعلم أنه يمكن تحقيق هذه الطموحات مع ليفربول". يورجن كلوب

لم ينتظر صلاح طويلا ليجعل نفسه نجما لجمهور ليفربول، الفريق الذي اعتاد اللعب به في ألعاب الفيديو بتشكيلة تضم جيرارد وهيبيا وأوين. اندمج سريعا مع اللاعبين وبدأت الأغاني المخصصة له تنتشر في كل أرجاء الميرسيسايد.

لكن ذهنه كان منشغلا بمهمة أخرى، ويوم 8 أكتوبر 2017، بعد ست سنوات بالتمام والكمال على اليوم الذي سجل فيه أول هدف دولي في مشواره كان صلاح يدخل أرض ملعب برج العرب أمام أكثر من ثمانين ألف مصري ينتظرون هذا اليوم منذ قرابة العقود الثلاث. وحين كانت الساعة تدق التاسعة من مساء هذا اليوم كان 100 مليون مصري يحتفلون وهم يرددون اسمه في كل مكان.

عاد إلى ليفربول ليبدأ فصل جديد من المشوار، عاد ليحطم الرقم تلو الآخر.

أفضل انطلاقة للاعب في تاريخ ليفربول، أول عربي يتوج بجائزة لاعب الشهر، ثالث مصري يفوز بلقب أفضل لاعب في إفريقيا من BBC. كل هذا جعله في يناير الماضي ثاني مصري يفوز بلقب الأفضل في إفريقيا والأول منذ أدخل الكاف الجائزة بشكلها الحالي في 1992.

"إنه ذكي ورائع، ولديه توازن ممتاز وسريع وقوي، ويجيد الركض خلف المدافعين. لديه كل شيء القوة والقرار والسرعة والدقة، كل شيء لدى صلاح". آلان شيرار

عاد صلاح بلقب الأفضل في القارة إلى ليفربول ليواصل تحطيم كل الأرقام الممكنة، في إبريل حصد لقب أفضل لاعب في الدوري الانجليزي الممتاز باستفتاء اللاعبين. وفي مايو أتبعه بذات اللقب في استفتاء الكتاب الرياضيين. ثم حصد لقب هداف الدوري الإنجليزي، ولم يكتف بذلك بل حصده برقم قياسي بلغ 32 هدفاً، الرقم الأعلى في تاريخ المسابقة في مواسم إقامتها بحضور 20 فريقاً.

قاد صلاح ليفربول لبلوغ نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ 2005، لكنه لم يستمر في الملعب سوى لأقل من نصف ساعة قبل أن يخرج مصاباً بعد التحام شهير مع سيرجيو راموس. وتسبب في غيابه عن افتتاح مباريات الفراعنة في المونديال أمام أوروجواي. ثم عاد ليسجل هدفين في كل من روسيا والسعودية ليتساوى مع عبد الرحمن فوزي في صدارة هدافي الفراعنة في تاريخ المونديال، وإن لم يمنع تشكيلة هكتور كوبر من الخسارة.

بداية موسم 2018-2019 شهدت تشكيك البعض في أن يواصل صلاح ما قدمه من قبل. "ظاهرة الموسم الواحد" كانت الجملة التي ربما ضايقته ودفعته للتسجيل دون احتفال أحياناً، لكنه لم يتوقف، سجل 16 هدفاً وصنع نصفهم في 27 مباراة ارتدى فيها قميص الحمر هذا الموسم. وسجل هدف تأهل رجال يورجن كلوب لدور الستة عشر في دوري الأبطال بمرمى نابولي.

الثالث في استفتاء الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لأفضل لاعب في الموسم. الثالث في استفتاء الفيفا لأفضل لاعب في العام. السادس في سباق الكرة الذهبية للأفضل في العالم. كلها أرقام لم يكن المصريون يحلمون بأن يجدوا واحداً منهم يحققها، لكن صلاح كان يحقق حتى ما لم يرد في أحلامهم.

"أعتقد أنني أستطيع أن أكون أفضل بنسبة 100%. أستطيع التطور على عدة أصعدة، لهذا علي مواصلة العمل بقوة والتطلع للأمام".

اليوم يسعى صلاح لمواصلة كتابة التاريخ. يسعى لأن يصبح أول مصري يحتفظ بلقب الأفضل في القارة. ولم لا وهو بكل المقاييس والأرقام بين الأفضل في العالم، وبالتأكيد هو "الأفضل في أفريقيا".

نرشح لكم

أخر الأخبار

التعليقات

قد ينال إعجابك