خاص مذكرات في الجول - علي أبو جريشة (1).. بطل من رحم الحرب والتهجير

الإثنين، 10 سبتمبر 2018 - 14:15

كتب : مصطفى عصام

علي أبو جريشة

"كنت أخاف من أصوات الغارات على الإسماعيلية إبان العدوان الثلاثي وأنا بعمر تسع سنوات، لاحقا عرفت ما انتابني وقتها، كان نوعا من نوبات الهلع والقلق، فانتقلنا من مقر سكننا بالعرايشية إلى وسط البلد بالإسماعيلية لبيت جدتي وذلك غمرني بالسعادة لتمكني من لعب كرة القدم، كانت تلك النقلة في حياتي، بدأت لعب الكرة الشراب مع أغلب نجوم البلد مثل رضا وشحتة والعربي بكرة تشبه كرة التنس، يستمر اللعب حتى يأتي الصوت المفزع المعتاد فنختبئ بالبيوت ونطفئ الأنوار كلها إيذانا بحظر التجوال بالشوارع خوفا من التعرض للقصف، ووقتها كانت تصل لنا الأخبار بأن العدو قام بعملية إنزال على بورسعيد، وأنهم قريبون لا محالة".

كانت تلك البداية للنجم الأبرز في تاريخ نادي الإسماعيلي ومنتخب مصر إبان فترة الستينات والسبعينات علي أبو جريشة، ولد في التاسع والعشرين من نوفمبر لعام 1947، لم يبدأ بالإسماعيلي عكس ما يظن البعض.

FilGoal.com أجرى حوارا مطولا مع أبو جريشة يحكي فيه مذكراته مع كرة القدم، ستنشر على حلقات تباعا.

"الأغلبية تظن أنني بدأت بالإسماعيلي وهذا غير صحيح، حين بدأت كانت الوجهة بنادي هيئة قناة السويس بالإسماعيلية، النادي كان الأبرز للجاليات الأجنبية بالمحافظة، كان الإسماعيلي قد هبط للدرجة الأدنى وقتها، وقد انتقل سيد شارلي وبيضو وفتحي نافع وأغلب نجوم الفريق باستثناء شحتة ورضا لنادي القناة، وأولهم اخي صلاح أبو جريشة، فحين فكرت وقتها قررت اللعب للقناة وبدأت أتدرب مع الناشئين بالفعل، حتى نزلت يوما للتدريب مع الفريق الكبير وحدث التالي".

صلاح أبو جريشة: "إيه اللي جابك هنا"

علي: "ألعب مع نادي القناة".

صلاح أبو جريشة: "عايز تلعب وتبدأ كورة.. العب للإسماعيلي".

"كنت وقتها صغيرا وتركت القناة وذهبت مكروها للإسماعيلي، فكل أصدقائي ومعارفي ذهبوا للقناة شمالا وأنا اخترت التيار المعاكس، ولكن فيما بعد فهمت نصيحة صلاح لي، صلاح وسيد إبو جريشة لعبوا للقناة لتأمين حياتهم المادية في أواخر لعبهم للكرة وهذا حقهم، ولكن حين بدأوا نالوا النجومية والشهرة مع الإسماعيلي فقط، لم أكن أعرف رضا وشحتة، ميمي درويش والعربي.. أسمع عنهم فحسب، ولكن شيئا فشيء بدأت أحب اللعب بالفريق.. فبدأت بعد التمرين مع الناشئين أتابع تدريبات الفريق الأول".

"لن تدرك وقتها مدى العداوة بين الإسماعيلي والقناة، ترك نجوم كثر الفريق حين هبط للدرجة الثانية، حتى أن أول مباراة للإسماعيلي حين عاد للدرجة الأولى كانت أمام القناة، نقلها الأمن للقاهرة لكي يستطيع السيطرة على الأجواء والشغب المحتمل".. هكذا تحدث دكتور شريف حمودة الصديق المقرب لعلي أبو جريشة.

"كان رضا الفتى الأوحد وقتها بالإسماعيلية، ثنائية رضا وشحتة من أفضل الثنائيات التي رأيتها، رضا تميز أيضا عن ذلك بأنه كاريزما، هو حديث الشارع قبل كل مباراة بالدوري، حين يشاع إنه مصابا لاختبار مدى تعلق الجماهير به وكنوع من المكر لتضليل الخصم.. تنقلب الدنيا رأسا على عقب ويصبح الكل في انتظار لحظة "هل سينزل فجأة كالعادة لأرض الملعب ليبدأ المباراة".. ولذلك كان مثالا أمامي يحتذى به دون شك".. كانت تلك إجابة الهر علي أبو جريشة عن قدوته بنادي الإسماعيلي.

متى أتت اللحظة التي شاركت فيها لأول مرة مع الفريق الأول؟

"يوم الأربعاء قبل مباراة الدوري بيومين، كان يجري الفريق مباراة ودية مع فريق الناشئين أمام الجماهير للاطمئنان على مستوى الفريق، الزخم قبل التدريبات كان عظيما، حوالي ألفي عجلة تصطف حول الملعب لكي يروا الفريق الأول ولمعرفة التشكيل الذي قد يلعب مباراة يوم الجمعة، كنت معتاد دوما على هذا الضغط ولم أشعر بالرهبة من اللعب أمام الفريق الأول..

في التقسيمة كنت أسبق دائما في الكرات العالية مدافع الفريق الأول "ميمي درويش" وهذا أمر نادر الحدوث لأغلب مهاجمي الدوري المصري وقتها، صحيح كنت أنال كوعا أو ضربة إلا أنني قدمت في مرة مباراة مميزة جعلت المدير الفني اليوغوسلافي كوفاتش يصعدني للفريق الأول، كان قرارا حكيما وقتها من اتحاد الكرة بجلب 12 مدربا أجنبيا لـ 12 فريقا للدوري الممتاز بهدف رفع مستوى الكرة المصرية وهذا ما حدث مع كوفاتش والإسماعيلي".

البدايات مع الفريق الأول

"بدأت بأواخر موسم 1965-1966، وقتها الفريق كان متأثرا بشدة وصدمة كبيرة بعد وفاة رضا في الحادث الأليم وأصبح الحمل كله على "شحتة" وباقي أعضاء الفريق، رضا كان شيئا كبيرا ليس للإسماعيلية فقط، فهو أول لاعب مصري يلعب الدرجة الثانية ومنتخب مصر معا، كان الفريق في صراع لينهي الدوري في المركز الثاني وحولنا الصدمة لروح كبيرة لنلعب من أجله، كل ما فات عجّل ببداياتي مع الفريق وعجّل بشئ أسوأ نظرا لسني الصغير وهو المقارنة مع رضا. خسرنا أول مباراة لي مع الترسانة 4-1، أجواء كانت تنذر بالتشاؤم لا شك، في أول ربع ساعة تقدم الترسانة بثلاثية دون رد، كان ميمي درويش يعاني من إصابة بركبته وأصر أن يلعب عليها وتيقن من ذلك حسن الشاذلي ومصطفى رياض باكرا فأنهوا المباراة دون تردد، وحتى أنا وقتها لعبت مباراة سيئة جدا وأضعت انفرادا.. فكان ذلك سببا لثورة الجماهير علينا جميعا، كانت أجواء غريبة عليّ لأول مرة.. ولكن كان كوفاتش يثق بي جدا".

لعبت بعدها مباراة الاتحاد السكندري في كأس مصر وهنا كانت البداية!

"أحرزت أول أهدافي مع الفريق الأول وأقصينا الاتحاد من كأس مصر، وبعدها جاء الدور لنلاعب الزمالك في الدوري مجددا، مباراة تقع عليها كل الأضواء نظرا لأننا نواجه أقوى فريق في مصر، وقتها انتابني الخوف أن أعود مجددا حالة لقاء الترسانة فحاولت الهرب من المباراة حتى قبل البداية بنصف ساعة تقريبا لدرجة أن الجهاز الفني أشار لسيد حامد من المدرجات كي يلعب بديلا لي".. حتى جاء لي شحتة وقال: "لازم تلعب، لعبت وحش أو كويس كدا كدا أنت لازم تبقى موجود وسطينا".

"في الشوط الأول لم أكن سيئا، أما الشوط الثاني لعبت كأنني ألعب قبل هذا اللقاء بحوالي 20 عاما وكانت بداية شهرتي وفاز الإسماعيلي بثلاثية، صحيح أنني لم أسجل خلالها ولكن صنعت هدفا جميلا لشحتة، هذا اللقاء ذهب بالدوري لأول مرة خارج القاهرة وتحديدا الإسكندرية حين زحزح الزمالك عن الصراع مع فريق الأوليمبي السكندري والذي أحرز الدوري سنتها، وكان هذا الشوط كافيا بأن أنضم لمنتخب مصر في معسكر ألمانيا الشرقية، وبعدها لعب الإسماعيلي مع السكة وفزنا 3-2 وأحرزت أول هدفين لي بالدوري وحجزت مكانا كمهاجم أساسي للفريق الموسم القادم".

"في رحلة سفري مع المنتخب القومي، ظللت أتدرب لشهر مع الفريق بألمانيا قبل لعب المباراتين مع المنتخب، ولكن فجأة استبعدوني من المعسكر، كان الكل مندهشا لكنني كنت فرحا، كنت اشتقت وقتها للإسماعيلية وأهلي وأصدقائي، وأحتفظ بمطبوعة ورقية من الأهرام عمودا بالكامل من نجيب المستكاوي ينتقد فيه عدم اختياري للمنتخب وقتها".

"لم يكن لي وقتها عقدا مع الإسماعيلي، بل لم أكن أملك عقدا حتى اعتزلت عام 1979، مجرد بضع وريقات وقع عليها ولي أمري أثناء انضمامي وأنا 14 عاما أكملت بها حتى الثانية والثلاثين من عمري"..!

ولكن كان لبطلنا علي أبو جريشة باب أخر يدخله من أجل المجد في موسمه الثاني.. أصغر هدافا للدوري في تاريخ مصر، بل ليس كذلك فحسب، أول بطولة دوري في تاريخ الإسماعيلية، ودحض لمقولة شهيرة التصقت بالفريق حتى بفترة الستينات وليس الأن فحسب، الإسماعيلي "فرقة كورة حلوة لكن متجيبش بطولة".

"كانت هناك اتهامات موجهة لفريقنا عام 1967 بأنه فريق لا يلعب الكرة الجميلة مثل فريق رضا –رحمة الله عليه- هذا بالفعل صحيح، كنا نلعب كرة عملية تزور الشباك من أقصر الطرق، من بداية الموسم اتضحت معالم الصراع على بطولة الدوري مع فريق الأهلي، القيادة الفنية كانت لعمي صلاح أبو جريشة خلال الدور الأول، ولكن الانقلاب بالكامل بدأ مع الأيرلندي طومسون في الدور الثاني".

"في الدور الأول كانت تطلعات عثمان أحمد عثمان هي الحصول على بطولة الدوري، لاعبنا الأهلي بإستاد القاهرة وخسرنا بثلاثية مقابل هدف وكانت أهداف الأهلي الثلاثة تحكيميا كلها خطأ، كان هذا سببا في تعاقد عثمان مع طومسون لقيادة الفريق الدور الثاني من أجل إرساء المنافسة للفريق، بل وجلب حكما أجنبيا من اليونان خصيصا بعد طلبه من اتحاد الكرة للقائنا المرتقب مع الأهلي بالإسماعيلية".

"مباراة الأهلي بالإسماعيلية عام 1967 والتي بشكل كبير أهدت الدوري للإسماعيلي، لم تكن مقرا لشغب كما أشاع الجميع، المباراة مرت بكل سلام بل أخرج جماهير الإسماعيلية وقتها يافطات ترحب بجماهير الأهلي القادمة من القاهرة، كان موعد المباراة حوال الساعة الثالثة عصرا وكان فريق الأهلي يعسكر بالجلاء في الأسكندرية كما طلب الفريق عبد المحسن مرتجي، تأخر الأهلي في الوصول حتى الثالثة والنصف عصرا ومعه جماهيره، فحضر جمهور الأهلي وقتها وجلس جانبا بجنب مع جماهير الإسماعيلي، وقتها حصلت على ركلة جزاء في الشوط الأول وفجأة وجدت نفسي وحيدا أمام مرمى الأهلي لأسددها أنا، هرب منها جميع لاعبي الإسماعيلي وأنا أول مرة أسدد ركلة جزاء في حياتي وأمام عصام عبد المنعم.. سجلتها وقتها"..

"الجماهير حضرت وقتها من جميع العمارات المواجهة للملعب وملأت الاستاد، إلا أن الجماهير المحيطة بالملعب كانت جماهير الأهلي، أذكر وقتها في إحدى الركلات الركنية على فريقنا تلقف أحد الجمهور حول الملعب الكرة وقبلها من أجل أن تزور شباكنا، كان ذلك دليلا يقينا أن الجمهور تابع للأهلي.. وفزنا بأخر مباراة أمام السكة الحديد وخسر الأهلي أمام الأوليمبي وفزنا بالدوري في أول مايو 1967 وفزت أنا بلقب أصغر هداف في تاريخ الدوري المصري".

بين الخامس من مايو وحتى الخامس من يونيو من نفس العام شهدت المنطقة العربية تطورات جمة إزاء التواجد الإسرائيلي المحتل بالمنطقة، الخامس من مايو حين دقت قذيفة سيد بازوكا مرمى السكة إيذانا بثان بطولة تنتقل من القاهرة مباشرة إلى إحدى مدن خط النار بالقنال.. كان ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل يلقي بيانا فجا يحذر فيه من أن بلاده سترد بعملية كبرى ما لم تكف جيرانها عن العمليات التوسعية في الخلجان، بنفس التوقيت كانت "الضمات- أماكن الرقص على السمسمية" تمارس عاداتها بهدوء في الإسماعيلية فرحة بالنصر الكبير، محافظة صغيرة بطلها الأول علي أبو جريشة في بلد مترامي الأطراف بطله جمال عبد الناصر ومطربته الأولى "أم كلثوم".

15 مايو وقت أن اجتمعت القيادات المصرية السورية لمناقشة التصعيد والقيام ربما بعملية كبرى على البلد الوليد، كان المنتخب القومي في أزهى عصوره والمتوج حديثا بمركز رابع أوليمبياد طوكيو في معسكر داخلي من أجل السفر لأوغندا لخوض تصفيات كأس الأمم الافريقية 1968، وبطل المعسكر الأوحد هو ذو التاسعة عشر من عمره علي أبو جريشة، دق المنتخب المصري حصون كمبالا برأسية الملازم أول محمود بكر في الرابع من يونيو، وأثناء التسوق في اليوم الثاني أعلنت الحرب، والتقط المنتخب القومي خيوطا من أنباء سعيدة نقلتها بعثة المنتخب المليئة بالعسكريين مثل حمادة إمام وزامر عزت مدير المنتخب ومحمد لطيف، وتواتر أخبار أخرى تثير قلقا من إذاعة البي بي سي ومونت كارلو، ما اتفق عليه الجميع أن عليهم الرحيل من أوغندا ذات النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.. فكانت الوجهة السودان.. بين حياة كروية ستنتهي وقلق على بلده بالإسماعيلية.. يكمل لنا الهر علي أبو جريشة.

"في رحلة ذهابنا لأوغندا كنا نعلم أن البلاد على وشك حالة حرب، بل وأننا سنصبح على بعد فراسخ من تل أبيب كما يملي أحمد سعيد بإذاعة صوت العرب، بعد مباراة أوغندا بيوم كنا نتجول غي السوق قبل العودة لمصر وفجأة وجدنا مسؤولي السفارة في مقر البعثة يخبروننا بأن الحرب بدأت، وأن علينا الذهاب إلى أقرب بلد عربي وهى السودان بالطيران، وكلنا في حالة فرحة من النصر اليقين لجيشنا، حتى ركبنا القطار من السودان إلى وادي حلفا في رحلة استمرت تقريبا ثلاثة أيام. في القطار علمنا أن الجيش المصري هُزم، كان مصابا ثقيلا على قلوبنا أكثر من إيقاف الكرة، في رحلة القطار لم يكن هناك استيعاب لما حدث، في مرحلة الانتقال من حلفا إلى أسوان بالمركب سمعنا خبر تنحي جمال عبد الناصر عبر الإذاعة وأدركنا أننا بكارثة كبيرة وأتذكر وقتها بكاء الصحفي فهمي عمر بلهجته الصعيدية الشهيرة (هتفوتنا لمين يا خال)، لم أفكر وقتها سوى بأهلي في الإسماعيلية المترامية قرب خط النار مع ترامي إشاعات بأن الإسرائيليين قد دخلوا الإسماعيلية، من أسوان ذهبت بالقطار إلى القاهرة وحتى نفيشة بالإسماعيلية، يومها ركبت عربة حنطور إلى بيتي والشوارع كلها فارغة وآثار الهدم على بكرة أبيها، حتى وصلت لبيتنا في وسط البلد كنت أطرق الباب ولا أعلم إن كنت سأجدهم أم لا، حمدا لله لم يصبهم أذى، كانت الإسماعيلية كلها قد هجرت إلى مساكن جديدة على النيل في بنها، استقرينا فيها طيلة فترة التهجير حتى العودة عام 1975".

في الحلقة المقبلة، الإسماعيلي رائد المجهود الحربي وقصة رفض الاستضافة من الأهلي، وأنا أفضل لاعب في افريقيا عام 1970، الشوفينية هي سبب خسارتنا لأمم 1974، وأول مباراة بعد التهجير مع المصري، وحين قلت لطومسون no more football "" .

نرشح لكم

التعليقات

قد ينال إعجابك