شعوب المونديال - حين اختلطت صرخات الفرح والألم معا في عهد خونتا الأرجنتين

"شعوب المونديال" سلسلة يقدمها في الجول تهتم بالجانب الإنساني لحياة هذه الشعوب التي استضافت الحدث العالمي ودفعت ثمنا باهظا من المعاناة على كافة الأصعدة في سبيل إخفاء الحقيقة فقط ولا شيء غيرها.

كتب : لؤي هشام

الأربعاء، 02 مايو 2018 - 16:47
خورخي فيديلا - كأس العالم 1978

مهرجانات وفلوكولورات شعبية تجوب الشوارع.. مظاهر الفرحة والاحتفال تعم الأرجاء.. ومشهد من التوحد بين كافة الأطياف خلف راية واحدة، فترة تشهد إعلاءً للقيم والشعارات الوطنية لتتصدر تلك الصور المبهجة المشهد في حياة هذه الشعوب.

ولكن خلف تلك الصورة الزاهية كانت هناك صورة أكثر واقعية وبالتالي أكثر قتامة، صورة حملت معاناتهم وآلامهم والثمن الذي دفعوه في سبيل رغبة أنظمتهم في تجميل الوجه وتصدير صورة بكل بساطة تحمل الكثير من التضليل.. ثمن لم يكن يوما باخسا.

"شعوب المونديال" سلسلة يقدمها FilGoal.com تهتم بالجانب الإنساني لحياة هذه الشعوب التي استضافت الحدث العالمي ودفعت ثمنا باهظا من المعاناة على كافة الأصعدة في سبيل إخفاء الحقيقة فقط ولا شيء غيرها.

الحلقة الأولى.. البداية من بلاد الفضة

"اسمعوا يا إنسان الصرخة القدسية.. يا حرية.. يا حرية.. يا حرية.. اسمعوا ضوضاء الأغلال المكسورة..." مقدمة النشيد الوطني الأرجنتيني.

لطالما كانت كرة القدم من أولويات الاهتمامات بين الشعب الأرجنتيني فشغفهم الكبيرة تجاه اللعبة يعرفه القاصي والداني ولكن ذلك لا يمنع أن خلف ذلك أيضا كانت هناك دواعي سياسية.

ولمحاولة رؤية معاناة هذا الشعب والتي تجسدت بشكلها الأبرز خلال فترة السبيعينيات ولفتت أنظار العالم إليها في مونديال 1978 فإنه يجب تناول القصة من البداية.

وأحداث القصة التالية بكل ما فيها قد تبدو غريبة للبعض.

مع صعود خوان بيرون للحكم تنامى الاهتمام بكرة القدم وبنيتها التحتية وذلك رغبة من بيرون في تصدير صورة إيجابية وصنع بروباجندا سياسية لبلاده حتى أن أحد الشعارات التي أطلقها حزبه "بيرون راعي الرياضة.. والرجل الرياضي الأول" وتواكب ذلك مع حضوره الدائم للمباريات.

ذلك الاهتمام صنع له شعبية بين مشجعي الكرة حتى أن مشجعي بوكا جونيورز كانت أحد أغانيهم الشهيرة (بوكا، بيرون، قلب واحد).. وخوان أدرك أن ملاعب الكرة هي المكان الأمثل لتمرير أفكاره القومية والاجتماعية.

تواصل الاهتمام الكروي وإن لم يكن بالصورة ذاتها في عهد زوجته إيزابيل التي كانت نائبة الرئيس في عهده، قبل أن يصنع خورخي فيديلا انقلابه العسكري في مارس من 1976.

المونديال وتردي الأوضاع

مع تولي الخونتا (كلمة إسبانية تطلق على المجلس العسكري الذي أدار الحكم) برئاسة فيديلا كانت هناك القصة الأهم. قصة صرخات الفرحة والألم التي اختلطت معا في ذات الوقت.

فيفا أسند تنظيم البطولة إلى الأرجنتين بعد الانقلاب بـ10 أيام وانتقادات عديدة وجهت إلى الاتحاد الدولي بسبب "الصورة الضبابية" لتلك البلاد ومخاطر تنظيم البطولة على أراضيها ولكن فيفا تمسك بقراره.

وفيديلا وجد أنها الفرصة الأمثل لتحسين صورة نظامه التي طالها العديد من الانتقادات من منظمات حقوق الإنسان بسبب حملات الاعتقال العشوائية والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون.

تزامنت تلك القبضة الحديدية والدموية مع أوضاع اقتصادية بالغة السوء، إذ كان أحد أسباب الانقلاب العسكري يرجع إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير خلال فترة إيزابيل ومعه صعود الإرهاب اليساري.

وخلال فترة خورخي كانت تعاني الصحافة من القمع والتحكم ولم يعد هناك سوى الصوت الواحد. صوت الجنرال ومن معه.

كل هذه الأوضاع تزامنت مع تنظيم بلاد الشمس الذهبية للحدث العالمي، وفيديلا ورفاقه أعتقدوا أنها الفرصة الأنسب لتجميل صورتهم، ولكن الأرجنتيين كانوا من دفع الثمن غاليا.

45% زيادة في الأسعار في نفس العام، و700 مليون دولار تكلفة استضافة المونديال وكل ذلك من جيب الشعب اللاتيني، و"بينما كان يجلس الشعب الأرجنتيني على مقاعد التلفاز لمشاهدة البطولة كان الألاف من النشطاء السياسيين يتم اختطافهم" هكذا وصفت صحيفة جارديان.

ومحاولات الخونتا لتكميم أفواه الصحافة ظهرت مع ضرورة تواجد صحفيين من كل الجنسيات لمدة شهر في الأرجنتين، وبناءً على ذلك حذر فيديلا من تناول الصحفيين لأي أمور تخص انتهاكات حقوق الإنسان في البطولة.

جان بيير كليرك مراسل صحيفة لو موند الفرنسية كتب أول تقرير مفصل ومدعوم بالوثائق والصور عن انتهاكات حقوق الإنسان وغادر الأرجنتين قبل بداية البطولة بأسبوع، والنظام أدرك أن ذلك قد لا يكون جيدا لصورته.

وقرر فيديلا إلغاء مرسومين – صدرا في عهد إيزابيل بيرون – يقضيان بمنع الوكالات الأجنبية من تغطية أخبار خاصة بالأرجنتيين في الأرجنتين، ولكن ذلك فتح الباب على مصراعيه لكشف انتهاكات الخونتا بشكل أكبر.

وتقارير من رويترز وباقي الصحف الأجنبية تحدثت عن تلك الانتهاكات حتى أن ريتشارد جوت كتب في صحيفة جارديان واصفا معاناة الشعب الأرجنتيني خلال تلك الفترة "لم أر الناس في العاصمة يبدون بهذا الإنهاك والصمت والكئابة من قبل".

أمهات المختفين قررن التواجد في ميدان بلازا دي مايو يوميا وهن يحملن صور أطفالهم وأقربائهم مع أول يوم للبطولة.

بداية البطولة وتلاعب في خدمة نظام الخونتا

"نحن جميعا معكم، الأرجنتين تريد الفائزين كما يحتاج القائد لجنوده قبل المعركة، سوف تكونوا فائزين" فيديلا في خطابه للمنتخب الأرجنتيني قبل بداية البطولة.

تنامى إحساس متناقض داخل الأرجنتيين إن كان ذلك المنتخب يمثل بلادهم أم يمثل فيديلا ومن معه في الحكم، البعض اعتبر أن ذلك المنتخب لا يمثله وأن أي انتصار له بمثابة هزيمة لهم فيما اعتبره البعض الآخر انتصارا للفقراء والكادحين.

بداية التانجو في تلك البطولة لم تكن الأفضل إذ فازت بشق الأنفس على المجر 2-1 وتكررت نفس النتيجة أمام فرنسا قبل أن تأتي المباراة الأكثر جدلا حتى الآن أمام بيرو.

البرازيل لعبت مبارياتها الثلاث ومعها 5 نقاط وفارق أهداف كبير وللتأهل للنهائي كانت الأرجنتين بحاجة للانتصار على بيرو بفارق 4 أهداف على الأقل وهي مهمة صعبة للغاية إذ كانت الأخيرة تملك منتخبا قويا في ذلك التوقيت توج بكوبا أمريكا.

ولكن ما حدث أن التانجو انتصر بسداسية نظيفة في مباراة شهدت لعب بيرو بأسلوب مغاير للأسلوب الدفاعي الذي اعتادت عليه وأجرى مدربها عدة تغييرات منعت أفضل لاعبيه من المشاركة.

والبعض أشار إلى زيارة فيديلا لغرف ملابس بيرو قبل بداية المباراة، حتى أن فيفا قبل ما يقرب من 6 سنوات قرر التحقيق في نتيجة تلك المواجهة.

توفيلو كوبيلاس مهاجم بيرو وهداف البطولة برصيد 5 أهداف أهدر فرصتين من انفرادين، والاتهامات طالت رامون كيروجا الحارس البيروفي المولود في الأرجنتين كذلك.

صحيفة صنداي تايمز كشف بعد ذلك في 1986 عن أن النظام الأرجنتيني بعد تلك المباراة أفرج عن 50 مليون دولار تخص بيرو وكانت مجمدة في بنوكه بسبب خلافات سياسية كما أرسل 35 ألف طن من محاصيل الحبوب والغلة.

وعقب الوصول للنهائي أمام هولندا وتحقيق الانتصار بهدف ماريو كيمبس الشهير لتتوج بلاد الفضة بأول ألقابها قال فيديلا جملته الشهيرة أثناء تسليم كأس البطولة للاعبيه.

"هذا الانتصار تحقق بالقدرة والشجاعة والانضباط" كلماته كانت واضحة. هذا الانتصار لفيديلا وليس للأرجنتين.

شهادات تاريخية عن الانتهاكات أثناء البطولة

كانت المدرسة الميكانيكة البحرية أحد أهم معتقلات فيديلا والتي كان يمارس فيها التعذيب بشكل يومي، تقارير المنظمات الحقوقية أشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 5 ألاف سجين.

ومن سخرية القدر أنها كانت تبعد عن ملعب إلمونيمونتال الذي استضاف مباريات أصحاب الأرض مسافة 1000 مترا.

شهادات عديدة من معتقلين في ذلك التوقيت تحدثت عن أنهم كانوا يسمعون صرخات الاحتفال بالأهداف في نفس الوقت الذي يسمعوا فيها صرخات زملائهم من التعذيب.

جراسيلا ديلو كانت أحد المتواجدين في المدرسة الميكانيكية البحرية وقالت في شهادتها عن معذبها خورخي أكوستا: "أتذكر أنهم كانوا يهينونا عند الفوز ويقولون لنا لقد فزنا لقد فزنا.. أتذكر هذا الشعور جيدا، إن كانوا قد فازوا فقد خسرنا، إذا كان هذا انتصارا لهم فإنه هزيمة لنا".

وتتابع "أتذكر أنهم قرروا نقلي في سيارة بينما كان الناس يحتفلون في الشوارع ويهتفون باسم الأرجنتين، فكرت في أنني حتى لو صرخت إنني مختطفة فلن يلتفت أحدا إلي".

فيلم "تخيل الأرجنتين" لأنطونيو بانديراس وإيما تومسون تناول تلك الفترة بكل ما فيها من انتهاكات صارخة، وأحد المشاهد تناولت تلك الشهادات عن التعذيب أثناء البطولة.

via GIPHY

بعد مرور السنوات تكشفت تفاصيل أخرى وشهادات مختلفة.

ريكي فيلا لاعب وسط التانجو قال: "لا يوجد شك أنه تم استخدامنا سياسيا" والمهاجم ليوبولدو ليكي اتفق معه "بما عرفته فإنني لست فخورا بهذا الانتصار، ولكننا لم ندرك، معظمنا لم يدرك كنا نلعب الكرة فقط".

حتى أن سيزار لويس مينوتي مدربهم المعروف بتوجهه اليساري تم الكشف عما قاله للاعبيه قبل نهائي البطولة في ظل تشتتهم بين إن كان الانتصار لفيديلا ونظامه أم للأرجنتيين.

وقال مينوتي حينها للاعبيه الذين كان أغلبهم من الطبقة العاملة "أجلبوا هذا الانتصار ليس من أجل الخونتا وإنما من أجل الفقراء من أجل الخبازون وسائقو التاكسي والعمال المتواجدين في هذا الملعب".

ويشير في سيرته الذاتية بعد ذلك إلى أن منتخبه كان يلعب "بحرية وإبداع كما كان الأرجنتينيين يتمتعون بحرية وإبداع قبل عهد الخونتا".

العارضة السوداء والمعارضة الخفية

يحكي الكاتب الأسكتلندي دافيد فورست عن الصدفة التي قادته لاكتشاف حقيقة وجود علامة سوداء على عارضتي المرمى طوال البطولة، وهو السؤال الذي شغل ذهنه لفترة طويلة.

والصدفة وحدها من قادته لمعرفة السبب أثناء سفره إلى بوينوس أيريس رفقة زوجته التي كانت تحضر دكتوراة عن الأوضاع الاجتماعية في بلاد التانجو أثناء فترة الحكم العسكري.

ويقول فورست إنه كان يجلس في أحد المطاعم وقاده الحظ للتحدث مع نادل بشأن تلك العلامات السوداء ليكتشف فيما بعد وعقب فترة من التقصي أن هذا النادل كان من شارك في دهن العلامات السوداء بالمرمى خلال البطولة.

ويوضح له النادل أنه كان ضمن الطاقم التنظيمي المتواجد في أرض الملعب وأنهم قرروا البحث عن إشارة تضامن للمختفين والمعتقلين في ذلك التوقيت ولكن دون لفت أنظار النظام العسكري والذي قد يعرضهم لما لا يحمد عقباه.

إزكييل فالنتيني كان اسم النادل، وديفيد فورست نقل في صحيفة جارديان الحوار الذي دار بينهما.

فورست: هل كنتم تعلمون بشأن المختفين قسريا؟

فالنتيني: في منتصف 78 الكل أدرك وعلم أن هناك مختفين.. كانت مشكلة لكل الطاقم واللاعبين كان لديهم نفس المشكلة. كيف يمكن أن نلعب ويستفيد الجنرالات؟!

فورست: ماذا عن العلامات السوداء الموجودة في العارضتين؟

فالنتيني: كانوا بمثابة الشارات السوداء على الأيدي، لم تكن وسيلة للمعارضة بقدر ما كانت وسيلة لتذكرهم.. الكل كان يعرف شخصا اختفى أو يعرف أحدهم الذي يعرف شخصا اختفى.

ويضيف: فكرنا في طبع رسالة تضامن مع الأمهات المتواجدين في بلازا دي مايو على العشب أو حتى رسالة ملونة على لوحة الإعلانات.. ولكن الاعتراض ضد نظام الخونتا بهذه العلنية يبدو انتحارا.

ولكن كيف قدموا تلك الفكرة للجنرالات المسؤولين عن البطولة؟ يوضح فالنتيني أنه حينما سألهم الجنرالات أخبروهم أنه تقليد في كرة القدم، وأن الجنرالات لم يكونوا على دراية كبيرة بكرة القدم وهو ما سهل المهمة.

_ _ _

30 ألف معتقل تم قتلهم فيما عرف بمصطلح "الحرب القذرة" من جانب المنظمات الحقوقية، قتل خارج نطاق القانون بعدما تم إلقاء العديد منهم في نهر بليت من الطائرات حتى لا يعثر على جثثهم، واتهامات باستغلال أطفال السجناء المولودين وتبنيهم من قبل رجال في الدولة.

"إنهم مختفون.. ليسوا أحياء ولا أموات، إنهم فقط مفقودون" هكذا رفض فيديلا الاعتراف بجريمته، وفي عام 2010 حكم عليه بالسجن مدى الحياة قبل أن يتوفى في السجن في شهر مايو 2013.

"الأمور تتغير بسرعة، ولكني أريدكم أن تتذكروا دائما هؤلاء الجنرالات الذين لم يضطربوا من أجل من اختفوا.. لم يتركوا شيئا قط، فقط وجوه لنتذكرها. قريبا سيحاولون نسيان هذه السنين ويتظاهرون أن الأمر لم يحدث قط، إذن سيظل الأمر بأيدينا لنبقي الحقيقة حية.. إنهم يعلمون أن نهاياتهم اقتربت ولذلك يفرغون السجون ويدفنون الجثث ويمسحون السجلات ثم يدعون أعضاء حقوق الإنسان ليقولوا لهم انظروا الصحافة الحرة والمسارح المفتوحة، وهناك مهرجانات في الشوارع ثم انتهى كل شيء ولكن ما يقصدونه حقا أنه انتهى فقط حتى المرة المقبلة".. من فيلم (Imagining Argentina).

اقرأ أيضا:

الأهلي يقرر قيد باكاماني قبل موقعة الترجي

رويترز: بداية من 2021.. فيفا يستحدث كأس عالم مصغرة كل عامين وإلغاء بطولة القارات

قائد الترجي لـ في الجول: افتتاح المجموعة يزيد صعوبة مواجهة الأهلي.. ووعد للجماهير

الخطيب يعود من الإمارات.. ويحضر مران الأهلي

حكايات المونديال - رجل أنقذ كأس العالم من دمار الحرب العالمية الثانية

تخطى كريستيانو رونالدو.. دي خيا لاعب الموسم في مانشستر يونايتد