قصص كروية حزينة - قرار شخصي صعب لروبيرت إنكه

الخميس، 11 مايو 2017 - 13:35

كتب : علي أبو طبل

روبيرت إنكه

تأهلت ألمانيا إلى نصف نهائي كأس العالم 2010 ونصف نهائي يورو 2012، وتوجت بكأس العالم في 2014، وفي كل تلك المحافل حرس عرينها مانويل نوير.

أراد القدر أن يكون نوير هو الحارس الأوحد للألمان طوال السنوات الماضية، ولولا ما حدث في العاشر من نوفمبر 2009، ربما لسارت الأمور بطريقة مختلفة، ووجد نوير منافسة أقوى على مركزه في تشكيلة يواكيم لوف.

كانت ألمانيا تستعد للسفر إلى جنوب أفريقيا بعد أشهر قليلة من أجل المشاركة في نهائيات كأس العالم. وفي شهر نوفمبر، قرر يواكيم لوف خوض مباراتين وديتين ضد تشيلي وكوت ديفوار.

بشكل عام، كانت خيارات حراسة المرمى في ألمانيا في ذلك الوقت بعد اعتزال الأسطورتين أوليفر كان ويانز ليمان تتمحور حول 3 أسماء. الصاعد مانويل نوير في بداية العشرينيات، وروبرت آدلر بالإضافة إلى روبرت إنكه الذي يمتلك الخبرة الأكبر من بين حراس ألمانيا بعد تجاوزه للعام الـ30 من عمره.

الأفضلية كانت للأخير، والذي لعب لصفوف برشلونة وبنفيكا وعدد من الأندية في أوروبا قبل أن يستقر في هانوفر الألماني في عام 2004. ولكنه كان يغيب عن معسكر نوفمبر بسبب آلام في المعدة.

الألمان جميعهم يتحدثون عن إنكه الذي سيحرس مرمى الماكينات في جنوب أفريقيا، بينما يظل مانويل نوير خيارا بعيدا. ولكن في العاشر من نوفمبر، قرر إنكه بنفسه بعثرة الأوراق متسببا في فاجعة فاجئت وآلمت العديدين.

قرر حارس المرمى الدولي الألماني إنهاء حياته متأثرا باكتئاب حاد.

رونالد رينج، كاتب صحفي ألماني كان يعمل مع إنكه على كتاب يحكي سيرته الذاتية، قبل أن يكملها بنفسه بعد وفاة الحارس الألماني ليخرج كتابا بعنوان "حياة قصيرة جدا – مأساة روبرت إنكه" صدر في الأسواق في عام 2011، ويتضمن الكتاب تفاصيل من حياة إنكه والأسباب التي أدت إلى انتحاره وكذلك تفاصيل يوم الحادثة، وقد حاز على جائزة ويليام هيل لأفضل كتاب رياضي في عام 2011.

ويقول رينج: "في مساء الثلاثاء العاشر من نوفمبر، اتصلت بروبرت. وعلى عكس عادته بدا هادئا ومتحدثا بكلمات قليلة ولا يرغب في اكمال المحادثة".

ويضيف: "لم يذهب فكري بعيدا. ظننت أنه ربما لا يريد الإثكار من الكلام لتركيره في قيادة سيارته وخوفه من ارتكاب مخالفة مرورية. ثم أخبرني أنه سيحدثني لاحقا".

الكل في ألمانيا يتذكرون ما كانوا يفعلونه حين تلقوا ذلك النبأ المفجع. رينج كان يعمل في مطبخ منزله حين تلقى مكالمة من توماس هيتزلسبرجر –مدافع دولي ألماني سابق- يخبره فيها بوفاة صديقه روبرت.

يصف رينج شعوره الشديد بالصدمة لدرجة أنه لم يستطع استيعاب كلمات هيتزلسبرجر للحظات.

بعد وفاته بساعات، خرجت زوجته في مؤتمر صحفي لتعلن عن أنه زوجها يعاني من اكتئاب حاد منذ عام 2003.

حدثان رئيسيان كانا فارقان في حالة إنكه النفسية.

الأولى كانت في عام 2003، حين شعر بأنه لا قيمة له في فريق برشلونة والذي لعب له في تلك الفترة.

إنكه لم يكن أساسيا مع البلاوجرانا، ولكنه حصل على فرصة للعب أمام فريق نيفيدو من الدرجة الثالثة في مسابقة كأس ملك إسبانيا.

يقول رونالد رينج: "لو سارت الأمور بشكل طبيعي في هذه المباراة، لفاز برشلونة بثلاثية أو رباعية نظيفة ولما ذكر أحد حارس المرمى. لكن لو ارتكب خطأ ما سيصبح كل اللوم عليه".

ويضيف: "لم تسر الأمور على ما يرام. خسر برشلونة بنتيجة 3-2 بسبب خطأ ارتكبه روبرت. الهولندي فرانك دي بور –وكان وقتها لاعبا لبرشلونة- وقت في وسط الملعب وصاح في وجه إنكه موجها اللوم له على النتيجة. لم يرد إنكه وأصبح وجهه شاحبا".

الحدث الثاني كان مؤلما للغاية لنفسيا إنكه، حيث فقد طفلته الصغيرة في عام 2006 وهي في عمر عامين بعدما عانت من مرض نادر في القلب.

الحادث كان مأساويا لروبرت وزوجته، ورغم محاولاتهما سويا تجاوز الأمر من خلال تبني طفلة أخرى، إلا أن روبرت إنكه من داخله لم يتمكن من تجاوز كل ذلك.

في صباح الثلاثاء، العاشر من نوفمبر، خرج إنكه من المنزل مخبرا زوجته بأنه يتجه للتدريب.

تقول تيريزا، زوجه إنكه: "لقد كانت كرة القدم هي كل العالم بالنسبة له. التوجه للتدريبات يوميا كان أمرا شديد الأهمية".

لم يكن هناك تدريب في ذلك اليوم، وكانت مجرد كذبة.

د/فالانتاين ماركسيل، الطبيب النفسي الخاص بإنكه، قال أنه لم يتوقع أن يصل الأمر لحد الانتحار.

ويقول: "قبل الحادثة بيوم، علمت أن روبرت قد اتصل بمستشفى المدينة ليلغي الجلسات الاستشفائية لعدة أسابيع تالية، قائلا أنه يشعر أنه بخير".

ويضيف متأثرا: "لم نستطع حمايته من فكرة الانتحار".

استمر إنكه في قيادة سيارته متجولا في شوارع هانوفر لمدة قاربت الـ8 ساعات، قبل أن يتوقف بالقرب من مسار للقطارات في المدينة. ترك سيارته وترك محفظته الشخصية على الكرسي الأمامي، بجانب رسالة اعتذار، ثم ألقى بنفسه في طريق القطار.

رحل إنكه عن العالم تاركا رسالة اعتذار استمرت فحواها سرا لفترة، لكن فيما بعض عرف أنها تضمنت اعتذارا لزوجته وأصدقائه وأهله وصولا إلى زملائه ومدربينه على أنه أخفى عنهم حقيقة سوء حالته النفسية طوال السنوات السابقة، عكس ما كان يخبرهم به بأنه على ما يرام.

بعد الحادثة بأيام قليلة، كانت من المفترض أن تخوض ألمانيا مباراة ودية ضد تشيلي، ولكن تم الغاءها كنوع من إظهار للاحترام للحارس الذي يمتلك في رصيده 8 مباريات دولية.

بعد ذلك، خاضت ألمانيا مباراة ودية ضد كوت ديفوار، لعب خلالها نوير أساسيا، لتكون تلك المباراة بمثابة علامة فارقة في مركز حراسة المرمى للماكينات.

ارتدى حارس بايرن ميونيخ الحالي القميص رقم 12، وترك لاعبو ألمانيا قميصا يحمل رقم 1 وإسم إنكه عليه بجوارهم على مقاعد البدلاء كنوع من اظهار التشريف لإسمه.

يواكيم لوف، المدير الفني لمنتخب ألمانيا في ذلك الوقت وحتى الآن، لم يخف شعوره بالصدمة، قائلا أنها مأساة شديدة ولا يستطيع إيجاد كلمات مناسبة لوصف حزنه.

خسرت ألمانيا كرويا حارسا موهوبا، ربما كان ليخسر مقعده لنوير يوما ما، ولكنه كان سيظل منافسا قويا له حتى عام 2012 على الأقل.

الجميع في ألمانيا يدرك موهبة وروعة الأول خلال السنوات الأخيرة، ولكن ذلك لا يمحي اسم الأخير من ذاكرتهم.

التعليقات