كتب : أحمد نجيب | الأحد، 07 فبراير 2016 - 23:54

في ذكرى بورسعيد والدفاع الجوي

عام بالتمام والكمال مر مرور الكرام علي أحداث مأساة ملعب الدفاع الجوي بضاحية القاهرة الجديدة الواقعة أطراف العاصمة المصرية ولم يجد بعد جمهور الكرة بصفة عامة وأهالي الضحايا العشرون بصفة خاصة من تشير إليه جهات التحقيق الرسمية بأصابع الاتهام.

البعض تطرق في حديثه لتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً ما بين مسؤولي وزارة الداخلية من جانب أو مسؤولي اتحاد الكرة ونادي الزمالك نفسه من جانب آخر.

ولكن في مصر لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد إذ يبقي الاستقرار وانتظام المسابقة المحلية هو الهدف الأسمي مهما كان الثمن.. وبالتالي يصبح الإعلام الرياضي المرئي هو الأعلي صوتاً والأكثر تأثيراً بإلقاء مسؤولية ما حدث علي جمهور نادي الزمالك نفسه الذي تدافع وتشاجر حتى قتل بعضه بعضاً.

الأمر ليس غريباً على قوم ضاع الحق بينهم.

قبل ذلك التاريخ بأربعة أعوام صعدت أرواح أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك الرقم من جمهور النادي الأهلي إلى خالقها تحت أعين المسؤولين فيما لا زالت القضية متداولة أمام المحاكم إلى الآن.

الأصل في القانون والقصاص هو إرساء العدالة وإرجاع الحقوق.. ولكن في بلاد ما لا يحدث ذلك عادة وما بين احتقان متزايد هنا وهناك قد تتغير دفة الأمور ليصبح الجاني مجنياً عليه والمقتول قاتلاً لما لا طالما أراد بعض الإعلاميين ذلك.

أولي الأمر من أصحاب الكلمة والمنابر الإعلامية المسموعة فقدوا صوابهم بعد خروج بعض الأصوات العاقلة من كبار المسؤولين لاحتواء الأمور والدعوة للتحاور مع كافة الأطراف المعنية.. ربما ستؤثر تلك التصرفات المحسوبة على نسب المشاهدة وعدد الساعات الإعلانية.

"اللي هيقرب هيتعلق".. "أبلغنا الأمن عن الجمهور"..

جملتان تستحقان الدراسة خرج بهما علينا رئيسا أكبر ناديين في مصر.

الأولى قالها رئيس الزمالك محذراً جمهور ناديه من الاقتراب من أسوار النادي لتأبين شهداء الدفاع الجوي في ذكراهم الأولى.. بل زادهم من الشعر بيتاً بأن من يقترب فهو يعرض حياته وحياة أسرته للخطر.

هل يضير الشاه سلخها بعد ذبحها؟! أشقائهم وأصحابهم قتلوا غدراً وهم في طريقهم لمشاهدة مباراة في كرة القدم.

لا تندهش كثيراً من وقاحة التصريح.. الشخص نفسه له مئات التصريحات المماثلة والتي كان آخرها وصف مبادرة رئيس الجمهورية بالجلوس مع شباب جمهور الكرة بالفاشلة دون أن يحرك أحد ساكناً.

المثير في الأمر إدعاء الشخص نفسه وترويجه أن البعض من جمهور الزمالك هو من قتل البقية وكأن هؤلاء المتهمين هم من أطلقوا قنابل الغاز المُسَيل للدموع.

أكاد أسمع بعض الأصوات التي تتمتع بمصداقية إعلامية عرجاء تستعد لتوجيه الاتهام لهم بأنهم أيضاً مسؤولون عن إطلاق تلك القنبلة في ملعب أسوان قبل بضعة أيام.. لما لا ونحن نحترف تضييع الحقوق والبديل الوحيد أمامنا هو الشرب من "الخرارة"..

أما الجملة الثانية فقد أطلقها رئيس الأهلي "المُعين" في سابقة هي الأولى من نوعها في عهد رؤساء النادي الأهلي، خرج رجل الأعمال المُعين على رأس القلعة الحمراء ليتنصل من جمهور ناديه وأفعالهم بعد تأبينهم لذكرى رفقاء المدرج الرابعة.

ذاك الرئيس الصوري برر فعلته بأنهم قد تخطوا الحدود بإطلاق الشتائم والألفاظ المسيئة تجاه المسؤولين.. بينما في الواقع العدالة الغائبة قد تدفع أحياناً لأكثر من ذلك.

الرجل نفسه أَبَى ألا يزيد الشعر بيتاً هو الأخر كسابقه.. قام بإبلاغ الأمن عن استعداد الجمهور لحضور مران فريقه الأخير قبل لقاء القمة وطلب منعهم من الاقتراب.

المسؤولون لم يدخروا جهداً لإعلاء راية الحق من وجهة نظرهم.. قاموا بحصار النادي وإلقاء القبض علي خمسة من المشجعين دون سند أو وجه حق قبل أن يقوموا بالإفراج عنهم مساء اليوم نفسه ليثيروا مزيداً من اللغط حول أسباب إلقاء القبض عليهم.

تلك العدالة التي يتناسى الجميع غيابها في القضيتين.. ذلك التناسي الذي دفع البعض لتنظيم الوقفات الاحتجاجية والمؤتمرات الشعبية بغرض غلق القضية ورفع العقوبات الشكلية عن ملعب بورسعيد علي سبيل المثال.

عالم موازي..

في عالم مواز يوجد البعض ممن يحترمون الحقوق ولا يكذبون أو يقتلون.. وإن فعلوا بادروا بالاعتذار وعقاب المخطيء وإعادة الحقوق لأصحابها طال الزمن أو قَصُر.

قبل ما يقرب من 27 عام أو في 15 إبريل 1989 على وجه التحديد حدث ما يشبه كارثة الدفاع الجوي ولكن في بلادٍ أخري تم تعريفها يوما ما بأنها إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.. ربما كان المقصود بذلك الوصف هو شمس الحق.

المأساة الأبشع في تاريخ اللعبة الشعبية الأولي إلى يومنا هذا حدثت في انجلترا خلال مباراة ليفربول ونوتنجام فورست في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي علي ملعب هيلزبره بمدينة شيفيلد.

هنا وهناك قرر الجميع أن يفرض حلاً أمنياً للسيطرة علي فئة من المشجعين تُعرف في مصر بإسم الأولتراس وفي انجلترا بإسم الهوليجانز.. إذن فلتكتمل أركان التشابه المأساوي بأن تشير أصابع الاتهام للمشجعين أنفسهم بأنهم السبب الرئيسي فيما حدث نتيجة سوء تصرفهم وتدافعهم للدخول إلى ملعب المباراة بدون توجيه اللوم حتى للشرطة أو منظمي اللقاء.

ملاحظة علي الهامش.. الأمر فاق التقصير المعتاد في واقعة مذبحة بورسعيد.. الأسلحة دخلت دون تفتيش.. الفواصل بين الجمهورين كانت مفتوحة.. بوابات خروج جمهور الأهلي موصدة وبإحكام.. وأخيراً إطفاء أنوار مسرح الجريمة فتعجز الكاميرات عن رصد تفاصيل الحدث.

عودة لذلك العالم الموازي.. قرر أهالي الضحايا ونادي ليڤربول عدم التنازل عن إثبات براءة ذويهم والبحث عن المتسبب الحقيقي في الكارثة.

الأمر لم يكن سهلاً بالمرة ولكن الثبات على المبدأ والإيمان بالهدف المنشود جعلهم يحققون ما سعوا إليه دوماً ولكن بعد 23 عاماً من البحث والمعاناة.

في سبتمبر 2012 ظهر إلي النور تقرير أحد لجان تقصي الحقائق المستقلة التي ظلت تبحث في الأمر لفترة طويلة.. التقرير المُكَون من 395 صفحة أكد أن إخفاق الشرطة في السيطرة على الأحداث كان السبب الرئيسي في سقوط الضحايا.

كما ألقي الضوء أيضا على التستر من قِبَل السلطات التي سعت بانتظام إلى إلقاء اللوم علي المشجعين أكثر من الشرطة وخدمات الإسعاف.. كذلك أشار إلى تقديم أدلة فيها تغييرات جوهرية عن مثيلتها التي ظهرت خلال التحقيقات العلنية الخاصة بالكارثة.

من جهته تقدم رئيس الوزراء البريطاني "ديڤيد كاميرون" باعتذاره إلى عائلات الضحايا الذين لقوا حتفهم في المأساة عما سماه "الظلم المزدوج" الذي عانوا منه.

وقال "كاميرون" أمام مجلس العموم البريطاني: "باسم الحكومة والدولة بأكملها بطبيعة الحال أنا متأسف جداً على هذا الظلم المزدوج الذي بقى دون تصحيح لفترة طويلة"..

كما أشار الشخص نفسه أمام البرلمان إلي أن الشرطة حاولت مراراً أن تخفي البراهين التي تكشف عن أنها تتحمل مسؤولية ما حدث.. كما سعت إلي تحميل المشجعين المسؤولية الكاملة في هذه المأساة.. وكشف كذلك عن أنه كان هناك تقصير من قِبَل رجال الإسعاف أيضاً لأنه كان بإمكانهم إنعاش بعض الضحايا لو قدموا لهم المساعدة بشكل أسرع..

العبث قبل البعث..

هل بدأت أركان التشابه في الوضوح والاكتمال داخل ذهنك؟

قد لا تتشابه التفاصيل الدقيقة.. ولكن الكارثة واحدة في كل الأحوال.. البعض يفقد حياته بفعل فاعل عند الذهاب لمشاهدة مباراة في كرة القدم.

هل أدركت طبيعة الاختلاف بين عالمنا وبين ذلك العالم الأخر الموازي؟

بعد مرور خمسة أعوام علي الحادثتين مجتمعتين في مصر وصلنا إلى اللاشيء.. فقط العبث هو من يحكم أفعالنا وأقوالنا.. وربما عند البعث سوف ندرك حقيقة الأمور التي اقترفناها والمصير الذي سنؤول إليه نتاج ذلك..

أما هناك فقد توصلوا للحلول بعد أربعة أشهر بالتمام والكمال من أجل ضمان عدم تكرار ما حدث.. قبل أن تستمر التحقيقات لمدة 23 عاماً قبل أن تعود الحقوق لأصحابها..

قبل الختام وقبل أن يطالب البعض بالانتظار مثلهم.. نحن نفتقد للمعايير اللازمة من أجل ضمان مستقبل أفضل في أي مجال من مجالات الحياة سواء كانت رياضية كروية أو غير ذلك..

الحادثة تكررت بعد 3 أعوام في مصر مثلما تتكرر حوادث الطرق والقطارات وغيرها بشكل دوري.. ولكن المهم عندنا هو أن يستمر الدوري..

Follow: @ahmednaguibgad

التعليقات
قد ينال إعجابك