كتب : نصري عصمت | الجمعة، 18 يونيو 2004 - 01:48

مباراة من إخراج .. هيتشكوك!

"اضطررت لتمزيق التقرير الذى كتبته عن هذه المباراة إربا بمرارة ممزوجة بعدم التصديق لما حدث".

.. ارتسمت على شفتاى ابتسامة عريضة عند قراءة هذه الجملة فى جريدة التايمز البريطانية والتى تخص مارك بوجاتش احد الصحفيين الانجليز المرافقين لمنتخب إنجلترا فى كأس الامم الاوروبية عقب مباراة فرنسا التى انتهت بنتيجة 2-1 بصورة عجيبة.

وسر الابتسامة هو ان ما شعر به بوجاتش أحس به كل الصحفيين المسئولين عند تغطية هذه المباراة العجيبة , وأنا منهم , لأن كل من يحرر اخبار المباريات لمواقع الإنترنت تحديدا عادة ما يكتبون تقرير المباراة اثناء اقامتها , ويتركون مساحة للتفاصيل النهائية , أما فى تلك المباراة فقد اضطررنا جميعا لتمزيق الاوراق او الضغط على زر delete لمسح كل ما كتبناه لأن النتيجة تغيرت ببساطة فى ثلاث دقائق , من انتصار عزيز لانجلترا الى فوز اسطورى لفرنسا , وبات مطلوبا منا ان نكتب تقريرا لوصف احداثا جديدة تماما , ولمباراة جديدة تماما جرت وقائعها في الدقائق من 91 إلى 93!

وفى الواقع , أثبتت هذه المباراة ان مبارايات الكرة يمكنها ان تقدم لنا دراما اكثر امتاعا وتاثيرا مما نشاهده فى افلام السينما ولا أفلام المخرج ألفريد هيتشكوك .. لقد كانت احداث هذا اللقاء مثل فيلم يلعب فيه الانجليز دور الشرير الذين يسعى لخطف الفوز غير المستحق من بين يدى الفرنسى الطيب المعتمد على مهاراته الفردية.

وتبلغ القصة ذروة التعقيد حينما يحتسب الحكم ضربة جزاء للانجليز يكفى تسجيلها لانهاء مسيرة البطل الطيب , ويتقدم لتسديدها من؟ انه ديفيد بيكام "زعيم الاشرار" وابرعهم على الاطلاق , فتكون المفاجأة ان تطيش رصاصة "الشرير" , بل وينجح "البطل الاسطورى" زيدان فى الثانية الاخيرة من انقاذ "الاميرة المخطوفة" قبل قتلها بثوان ثم القضاء على "الاشرار" بهدف من ضربة الجزاء!

وبعد كل هذه الاحداث , كنا عادة نخرج من السينما لنقول الجملة الشهيرة : "المخرج عاوز كده" .. ولكن امتع ما فى كرة القدم انه لا يوجد مخرج ولا مؤلف , والممثلون يرتجلون الاحداث على الهواء مباشرة واى شىء وارد امام كاميرات تنقل الكرة للملايين وهذه هى روعة المباراة.

لقد تعاطفت مع الانجليز ومدربهم السويدى اريكسون لأنهم لعبوا مباراة تكتيكية رائعة كافحوا ضد منتخب فرنسى رهيب يضم خط وسطه زيدان وفييرا وبيرس وماكاليلى , والأخير هو (الكسر اللى فيهم) , ولم نشهد خطورة لهنرى سوى فى اخر لقطة من المباراة وربما لم يستحق الانجليز الفوز لكنهم لم يستحقوا الهزيمة ايضا.

واثبت زيدان انه اسطورة حقيقية لتماسك اعصابه حتى اخر لحظة فى الضربة الحرة وضربة الجزاء , اما بيكام فاسمحوا لى أن أقول إنه "بطل من ورق" لم يتجاوز ما قدمه اى لاعب خط وسط عادى فى الملعب ويكفيه الظهور فى الاعلانات واضافة وشم جديد على جسده ولا ادرى ان كان يفشل فى تسديد ضربات الجزاء امام فرنسا وتركيا وفى كل المناسبات الكبرى فمتى يسجل.

وحتى ستيفن جيرارد "اللى طالعين بيه السما" , فكانت سخرية القدر ان جاءت ضربة الجزاء على يديه رغم اجتهاده طوال المباراة , بينما كان افضل الانجليز هو الشاب واين رونى الذى سخر منه ليليان تورام قبل البطولة فرد عليه فى المباراة ببهدلة الدفاع الفرنسى مع كل كرة يلمسها واكد انه موهبة نادرة , إلى أن بلغ قمة تألقه في مباراة سويسرا التالية التي أحرز فيها هدفين رائعين.

بل شاء القدر ان يتجرع الانجليز مرارة ما فعله بطلهم مانشستر يونايتد عام 1999 ببايرن ميونخ فى نهائى دورى ابطال اوروبا والذى سجل هدفيه فى نفس الدقيقتين 91و93 , وكان وقتها ليزارازو مدافع فرنسا فى صفوف الخاسر وبيكام وسكولز ونيفيل فى صفوف الفائز.

ولا ادرى هل سيصدقنى احد اذا قلت ان اول اربع مباريات دولية جمعت بين انجلترا وفرنسا فى نهايات القرن التاسع عشر انتهت جميعها لصالح الانجليز بنتائج تتجاوز العشرة اهداف من عينة 13- صفر و15- صفر ..

لهذا , هل تتفقون معي في أن المباراة كانت أحلى وأروع من السينما؟

مقالات أخرى للكاتب
التعليقات
قد ينال إعجابك