كأس العالم - استراحة شرب المياه.. مكاسب مليارية بين قبول واعتراض ومستقبل غامض

في كأس العالم 2026، هل تؤثر تلك استراحة شرب المياه على المباريات؟ وهل يستفيد فيفا من وراءها، وما هي المكاسب المالية التي تجنيها القنوات الناقلة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

كتب : إسلام أحمد

الجمعة، 26 يونيو 2026 - 12:52
استراحة شرب مياه

حتى الآن في كأس العالم 2026 لم نشهد سوى شوطا واحدا غابت فيه استراحة شرب المياه الممتدة لـ 3 دقائق.

مباراة فرنسا ضد العراق غاب عن شوطها الثاني فترة التوقف بعدما انتظرنا 120 دقيقة راحة بين الشوطين بسبب سوء الأحوال الجوية بدلا من الـ 15 دقيقة المعتادة.

الاتحاد الدولي لكرة القدم أقر استراحة شرب المياه لأول مرة في كأس العالم 2014 في البرازيل بسبب ارتفاع درجات الحرارة وكان تطبيقها مقتصرا على المباراة التي تُلعب في درجات حرارة مرتفعة.

لكن في 2026 زادت مدة التوقف لتصبح 3 دقائق في الدقيقة 22 من كل شوط وفي كل المباريات وليست المباريات التي تقام في فترة الظهيرة، وحتى في الملاعب المغطاة.

فأصبحت مباراة كرة القدم تشبه السلة، شوط مقسم إلى ربع أول وثان.

عند إصدار القرار، قال مانولو زوبيريا، مدير قسم فيفا المسؤول عن تنظيم كأس العالم في أمريكا: "ستكون هناك استراحة ترطيب لمدة 3 دقائق في كل مباراة بغض النظر عن مدينة استضافتها وما إذا كان الملعب مجهّزا بسقف أم لا، وبغض النظر عن درجة الحرارة".

فهل تؤثر تلك استراحة شرب المياه على المباريات؟ وهل يستفيد فيفا من وراءها، وما هي المكاسب المالية التي تجنيها القنوات الناقلة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

استراحة شرب مياه

هل تؤثر فترة الاستراحة على نتائج المباريات؟

شبكة "ذا أثليتك" حاولت الإجابة على هذا السؤال بعد نهاية الجولة الأولى، فمن أصل 48 فترة راحة في 24 مباراة، فقط تغيرت مجريات الأمور في اللقاء فنيا بعد 14 فترة راحة أي 14 شوط بمعدل 7 مباريات.

البرازيل على سبيل المثال أبرز المستفيدين، بعد بداية مخيبة أمام المغرب وتأخر في النتيجة، أدرك السامبا التعادل بعد فترة التوقف بـ 6 دقائق بفضل هدف من فينيسيوس جونيور.

حينها صرّح الإيطالي كارلو أنشيلوتي عقب اللقاء في المؤتمر الصحفي: "يمكنك شرح المشكلة للاعبين، يمكنك إجراء تعديل تكتيكي قد يكون جيدا جدا".

أيضا ألمانيا استفادت من تلك الفترة وهو ما أقره يوليان ناجلسمان الذي قال إن فترة التوقف سمحت لفريقه بتعديل الأمور فقال: "لعب فريق كوراساو بخطة 4-3-1-2، وعدلنا أسلوب هجومنا قبل استراحة شرب الماء، ولأنه نادرا ما تواجه فريقا يلعب بتلك الخطة استغرقنا وقتا لتعديل الأمور في الملعب، وكانت استراحة شرب الماء مفيدة لمراجعة ما قمنا بتعديله مسبقا".

قبل التوقف النتيجة كانت 1-1 بين كوراساو وألمانيا، لكن بعد توقف فترة الشرب في الشوط الأول قلب الألمان الأوضاع تماما وفازوا بنتيجة 7-1 في النهاية.

لكن هنا من يعترض، خوان ماتا نجم إسبانيا الفائز بلقب 2010 قال لشبكة ITV الإنجليزية: "بصفتي لاعبا، لا أعتقد أن الأمر رائع، عندما تخسر، تريد أن تسجل هدفا، وعندما تفوز تريد أن تحتفظ بالكرة. أعتقد أنهم يكسرون الزخم".

وأيضا إيما هايز مدربة منتخب أمريكا للسيدات ومحللة شبكة "فوكس سبورتس" الأمريكية لم تؤيد التجربة فقالت لصحيفة "ذا جارديان" الإنجليزية: "لست من مؤيدي فترات الراحة لشرب الماء التي طبقت في هذه النسخة من كأس العالم، لكنها مُطبقة حاليا، ومن المثير للاهتمام من وجهة نظر التدريب أن زخم الفريق قد تغير مباشرة بعد عدة فترات راحة. قد يُشير ذلك إلى أن تدخل المدربين ساعد الفرق على تحسين أدائها".

"تحويل المباراة إلى أربعة أشواط كان محتوما، وآمل ألا يستمر الوضع على هذا النحو. لا يعجبني هذا، ولكن دعوني أوضح أيضا، عندما يكون الجو حارا، فأنتم بحاجة ماسة إلى ذلك، حفاظا على الصحة والسلامة".

"لذا تخيلوا أنفسكم مكان فيفا. إذا اقتصرت فترات الراحة لشرب الماء على المدن الحارة فقط، فقد تُتهمون بمنح فرق معينة ميزة من خلال إتاحة الفرصة لمناقشة تكتيكية، على سبيل المثال، مع فريق يلعب في سياتل، حيث يكون الجو أبرد. تخيلوا أن تقولوا: سنستخدم تقنية الفيديو (VAR) في بعض الملاعب فقط، وليس كلها. إما أن تطبقوها أو ترفضوها".

قبل كأس العالم ظهر ماوريسيو بوتشيتينو مدرب أمريكا وهو يحمل جهاز محمولا (لاب توب) ويشرح للاعبيه أفكاره في مباراة السنغال الودية.

عقب اللقاء قال المدرب الأرجنتيني: "أعتقد أن رؤية اللاعبين للأفعال أمر مفيد للغاية. ليس الهدف فقط إخبارهم بما تريد منهم تحسينه، أو ما يحتاجون إلى فعله. عندما يرون الصورة، يصبح الأمر في غاية الأهمية الآن".

لكن استاذه مارسيلو بييلسا مدرب أوروجواي رأى أن التوقف يغير مفهوم كرة القدم: "تقسيم المباراة إلى 4 أشواط بدلا من شوطين يغير مفهوم ما تم بناؤه لتفسير كرة القدم".

وأضاف "هذا التغيير الثقافي لا يُضيف شيئا، بل يُنقص الكثير. أقول فقط إن كرة القدم قبل هذا القرار كانت لها سمة مميزة، أما الآن فلها سمة أخرى. الناس يُحبّون اللعبة بسبب سماتها المميزة".

كاب فيردي - أوروجواي - مارسيلو بييلسا

هوجو بروس مدرب جنوب إفريقيا الذي اعتدنا اعتراضاته منذ أمم إفريقيا 2025 كان تصريحه بهذا الشأن منطقيا: "في هذا الملعب، لا يحتاج اللاعبون إلى شرب الماء بعد 20 دقيقة".

والسبب أن فريقه خاض مباراة التشيك على ملعب مرسيدس بنز أرينا معقل أتلانتا يونايتد الأمريكي وهو ملعب مُغطى من الأعلى.

ماذا عن الجانب الاقتصادي؟

خرج جياني إنفانتينو رئيس فيفا معلنا أن "السبب الرئيسي هو درجة الحرارة، ولكن علينا أيضا أن نفهم أنه في منافسة مثل كأس العالم التي تُقام على مدار 39 يوما، حيث من المحتمل أن تلعب الفرق 8 مباريات في تلك الأيام الـ 39، فإن الحصول على لحظة للراحة أمر في غاية الأهمية".

وشدد السويسري: "لا نجني دولارا واحدا إضافيا من فترت التوقف، حيث تم توقيع جميع الاتفاقيات التجارية مسبقا، لذا، فهذه ليست مسألة مالية بالنسبة لنا، بل هي مسألة رياضية بحتة".

جياني إنفانتينو - رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم

هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" كشفت في تقرير لها أن كل مباراة تشهد خلال فترة الاستراحة 4 دقائق و20 ثانية من عرض الإعلانات عبر القنوات المختلفة التي تبث البطولة.

وبالتالي مع نهاية البطولة إذا شاهدت الـ 104 مباراة فستكون قد شاهدت 7 ساعات و30 دقيقة و40 ثانية في منتصف الشوط الأول ومثلها في الثاني من الإعلانات خلال كأس العالم.

الإعلانات تبدأ بعد 20 ثانية من إعلان الحكم لتوقف المباراة ويجب أن تعود قبل 30 ثانية من عودة الكرة للدوران مجددا.

4 دقائق و20 ثانية في المباراة تعنى أنك على الأقل ستشاهد 8 إعلانات مختلفة في منتصف المباراة.

استراحة شرب مياه

في أمريكا فقط تدر إعلانات فترة الاستراحة أكثر من 250 مليون دولار أمريكي لقناة "فوكس سبورتس"، الأمر مـــــــــــــــــربح جدا.

فقال دينيس دينينجر، مؤلف كتاب "الإعلام الرياضي المباشر: ما هو البث الرياضي وكيف ولماذا" لـ BBC: "حصلت فوكس سبورتس على حقوق بث كأس العالم هذا مقابل 485 مليون دولار فقط، إذا كانوا يحققون 250 مليون دولار من فترات الراحة لشرب الماء، فإن هذه تعتبر صفقة رابحة حقا."

في أمريكا اعتادت الجماهير على ذلك وفقا لـ روب دي جيسي المحاضر في إدارة الرياضة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا خلال تصريحه لـ BBC: "اعتاد الأمريكيون على الإعلانات أثناء اللعب لمدة 40 أو 50 عاما، لذا فإن هذا يتناسب تماما مع ثقافتهم".

وأضاف "لا يوجد هنا سوى القليل من الاعتراضات. أي تغييرات تجعل الألعاب أكثر أمريكية سيتم الترحيب بها دون أن يلاحظها الناس."

جيسي كشف أن القنوات الناقلة لكأس العالم حول العالم بما فيها أمريكا سيجنون ما يقارب مليار دولار.

وعاد دينينجر مصرحا: "عندما يدخل فيفا في مفاوضات حقوق البث في المرة القادمة، يمكنهم القول إن منتجهم يستحق أكثر، لأن شركات البث يمكنها بيع الرعاية في فترات الاستراحة هذه، والحصول على المزيد من الإعلانات، وهناك زيادة في عدد المباريات، لذلك يمكنهم فرض المزيد من المال على كل شركة بث في كل دولة."

والآن بعدما لم يجنِ فيفا أي دولارا مثلما قال إنفانتينو بالتأكيد سيعُظم من مطالبه المالية مستفيدا من مكاسب القنوات الناقلة من الإعلانات.

وهو ما يعني أن رئيس فيفا سينظر للأمر بعين الاعتبار قبل بيع حقوق البث لكأس العالم 2030 إذا استمررنا في تطبيق فترة التوقف.

هل نراها مستقبلا؟

منذ كأس العالم 2014 لا نتذكر استخدام فترة توقف شرب المياه بكثافة في بطولة مجمعة كبرى مثل كأس العالم 2026.

في 2020 أقر الاتحاد الإنجليزي حصول اللاعبين على استراحة لشرب الماء لمدة دقيقة في كل شوط بعد عودة النشاط الكروي في بداية الصيف بعدما توقف دام 3 أشهر بسبب انتشار فيروس كورونا.

وقال كلوب آنذاك في مؤتمر صحفي: "إنها فكرة جيدة جدا للاعبين وليس للمدربين، أتحدث معهم لمدة 10 ثوان لذا الأمر لا يفيدني شخصيا بل يفيد اللاعبين".

وأكمل "لا أعتقد أن يستمر ذلك الموسم المقبل لكني أتمنى استمراره، أتفهم أراء من يعارضون استمرار ذلك، لكن اللاعبين يحتاجون هذه الاستراحة بالتأكيد".

فيما عارضه بيب جوارديولا في تصريحات أبرزها موقع مانشستر سيتي: "لا أريد أن تبقى استراحة شرب الماء في الموسم المقبل، أعتقد أننا فعلنا هذا الأمر بسبب قصر فترة الإعداد بالنسبة لكل الفرق، فقط 3 أسابيع قبل العودة، وربما أيضا بسبب حالة الطقس".

بيب جوارديولا - يورجن كلوب

تم الاعتماد على تلك الفترة في الدوري المصري على سبيل المثال لمدة دقيقة واحدة بسبب إقامة المباريات في أوقات مبكرة صيفا مع ارتفاع درجات الحرارة، وتم استغلالها بالفعل بعرض مادة إعلانية مثلما حدث في العديد من المسابقات.

لكن الاتحاد الأوروبي (يويفا) أعلن بشكل واضح منذ أيام عدم تطبيق فترة الاستراحة في بطولاته، وأولها يورو 2028 في بريطانيا وجمهورية أيرلندا.

وفي تقرير نقلته شبكة "الشرق الأوسط" أوضح يويفا أيضا أن فترات التوقف لشرب المياه في دوري أبطال أوروبا لن تحدث إلا عند وجود درجات حرارة مرتفعة جدا.

كما سبق وأن سخر مارك بولينجهام رئيس الاتحاد الإنجليزي بالفعل من فكرة تطبيق هذه الاستراحات في بطولة يورو 2028 التي ستقام في الجزر البريطانية، نظرا لطبيعة الطقس المعروف ببرودته وكثرة الأمطار.

فيما أكدت رابطة الدوري الألماني أنه لا توجد خطط لتطبيق استراحات شرب المياه، إلا عند الضرورة بسبب الطقس الحار.

والآن الأيام ستمر وسنرى هل سنشاهد مجددا فترة توقف شرب المياه في البطولات الكبرى والمحلية، أم ستقتصر على بطولات كأس العالم فقط أم إنها موضة أمريكية نشاهدها بشكل استثنائي.