كتب : عبد الرحمن فوزي
في كل نسخة من كأس العالم تظهر أسماء جديدة لكرة القدم، بعضها لا يكون معروفًا إلا للقليل من الناس، والبعض الآخر يكون معروفًا ولكن المونديال يشهد تفجر موهبته مع منتخب بلاده لأول مرة.
كأس العالم لا تقتصر فيه الحكايات على النجوم الكبار فقط، بل تظهر أسماء جديدة تسرق الأنظار وتغير مستقبل كرة القدم وتكون نواة لجيل جديد يظهر من اللاعبين يحملون لواء كرة القدم مع نهاية مسيرة جيل آخر.
بعض تلك المواهب تدخل البطولة بدون ضجيج ثم تخرج وقد أصبحت حديث العالم، والبعض الآخر يدخل منتظرًا ظهوره بشكل جيد ولكنه يظهر بشكل أفضل مما كان منتظرًا. في هذه السلسلة سيتحدث معكم FilGoal.com حول لاعبين شباب يتوقع تألقهم في كأس العالم 2026، لن نتحدث خلال السلسلة عن لاعبين أصبحوا من نجوم الصف الأول بالفعل، مثل لامين يامال على سبيل المثال، لأنه بالفعل قد بدأ في حفر اسمه بين النجوم وليس فقط المواهب الشابة، ولكننا سنسرد لكم حكايات لاعبين يملكون الموهبة ولكنها لم تتفجر بشكل كامل حتى الآن.
موهبتنا الرابعة ستتجه إلى أمريكا الشمالية وتحديدا إلى المكسيك التي ستتجه لها الأنظار منذ اليوم الأول في البطولة، إذ ستستضيف وتشارك في المباراة الافتتاحية للمونديال.
جيلبيرتو مورا، قبل عامين فقط كان يلعب بين فرق الناشئين في أكاديمية تيخوانا، واليوم يدخل كأس العالم 2026 كأصغر لاعب في البطولة، وصاحب سلسلة من الأرقام القياسية التي جعلته أحد أكثر المواهب إثارة للاهتمام في كرة القدم العالمية.
في بلد يعيش كرة القدم بكل تفاصيلها ويحلم دائمًا بالوصول إلى الصف الأول عالميًا، ظهر مورا كواحد من أكثر اللاعبين الذين أعادوا الأمل للجماهير المكسيكية في السنوات الأخيرة.
الفتى المولود في مدينة توكستلا جوتيريز يوم 14 أكتوبر 2008 لم يحتج إلى سنوات طويلة حتى يتحول من موهبة واعدة إلى لاعب يفرض نفسه في الدوري المكسيكي والمنتخب الأول، قبل أن يصبح أحد الوجوه المنتظرة في كأس العالم التي تستضيفها بلاده.
صعود صاروخي
نشأ مورا داخل أكاديمية تيخوانا، حيث لفت الأنظار مبكرًا بقدراته الفنية وذكائه داخل الملعب، ليحصل سريعًا على فرصة التدريب مع الفريق الأول.
المدرب خوان كارلوس أوسوريو لم يحتج وقتًا طويلًا للحكم على موهبته، وقرر ضمه إلى قائمة الفريق الأول خلال موسم 2024-2025.
وفي 19 أغسطس 2024 كتب أول سطر في رحلته التاريخية عندما شارك لأول مرة أمام سانتوس لاجونا.
دخل المباراة في الدقيقة 72، وبعد دقائق قليلة صنع هدفًا لزميله خايمي ألفاريز ليقود تيخوانا للفوز بنتيجة 3-1.
لم تكن مجرد تمريرة حاسمة، بل لحظة تاريخية جعلته أصغر لاعب يشارك في تاريخ تيخوانا، وثالث أصغر لاعب يظهر في الدوري المكسيكي، وأصغر لاعب يصنع هدفًا في تاريخ المسابقة.
وبعد أقل من أسبوعين فقط، سجل هدفه الأول أمام ليون ليصبح أصغر هداف في تاريخ الدوري المكسيكي بعمر 15 عامًا و320 يومًا.
وفي الموسم التالي بدأ مورا في تأكيد أن ما حدث لم يكن مجرد ومضة عابرة.
سجل أول ثنائية في مسيرته أمام لوس أنجلوس جالاكسي في كأس الدوريات، ثم أضاف هدفًا أمام باتشوكا، قبل أن يسجل ثنائية جديدة في شباك جوادالاخارا.
أرقام قياسية صنعت الضجة
لم يكن صعود جيلبيرتو مورا سريعًا فقط، بل كان تاريخيًا أيضًا.
فمنذ ظهوره الأول ارتبط اسمه بسلسلة من الأرقام القياسية التي جعلته حديث كرة القدم المكسيكية.
أصغر لاعب يشارك في تاريخ تيخوانا.
ثالث أصغر لاعب يشارك في تاريخ الدوري المكسيكي.
أصغر لاعب يصنع هدفًا في تاريخ الدوري المكسيكي.
أصغر هداف في تاريخ الدوري المكسيكي.
لاعب يشارك رسميًا مع منتخب المكسيك الأول.
أصغر لاعب يمثل المكسيك في بطولة دولية كبرى.
أصغر لاعب في التاريخ يتوج ببطولة دولية مع منتخب أول.
أصغر لاعب يتم استدعاؤه إلى قائمة المكسيك في كأس العالم 2026.
أصغر لاعب في بطولة كأس العالم 2026.
كل ذلك تحقق قبل أن يتم عامه الثامن عشر.
ماذا يقدم مورا داخل الملعب؟
يصنف مورا كلاعب وسط هجومي، لكنه في الواقع لاعب يصعب وضعه داخل قالب تكتيكي واحد.
يتحرك بحرية كبيرة بين الخطوط، ويجيد استقبال الكرة في المساحات الضيقة، كما يمتلك قدرة لافتة على قراءة اللعب قبل وصول الكرة إليه.
أبرز ما يميز اللاعب هو الذكاء، فهو لا يعتمد على السرعة أو القوة البدنية بقدر اعتماده على فهم المساحات واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة.
يجيد التخلص من الضغط بلمسة واحدة، ويملك رؤية ممتازة للتمريرات العمودية التي تكسر خطوط المنافس.
كما يتمتع بهدوء استثنائي تحت الضغط، وهو أمر نادر بالنسبة للاعب في هذا العمر. مورا ليس من النوع الذي يبحث عن الاستعراض، بل لاعب يركز على الحل الأكثر فاعلية.
ولهذا السبب يرى كثيرون أنه يمتلك المقومات التي تؤهله للنجاح في كرة القدم الأوروبية مستقبلاً.
موهبة صنعت التاريخ مع المنتخب
تدرج مورا في مختلف الفئات السنية للمنتخب المكسيكي.
شارك مع منتخبات تحت 15 و16 و17 عامًا، وسجل تسعة أهداف خلال 16 مباراة مع منتخب تحت 15 عامًا، كما حمل شارة القيادة مع منتخب تحت 17 عامًا رغم صغر سنه.
وفي يناير 2025 شارك لأول مرة مع المنتخب الأول في مباراة ودية غير رسمية، ليصبح أصغر لاعب يظهر بقميص المكسيك على مستوى الكبار.
لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت خلال الكأس الذهبية 2025.
المدرب خافيير أجيري قرر الاعتماد عليه في الأدوار الإقصائية رغم وجود العديد من اللاعبين أصحاب الخبرات.
وفي مباراة السعودية بالدور ربع النهائي أصبح أصغر لاعب يشارك رسميًا مع منتخب المكسيك الأول.
وفي نصف النهائي صنع هدف الفوز لراوول خيمينيز أمام هندوراس، قبل أن يشارك في النهائي ويتوج مع المكسيك باللقب.
وفي نهاية العام نفسه شارك مع منتخب الشباب في كأس العالم تحت 20 عامًا في تشيلي، حيث واصل جذب الأنظار بأدائه المميز.
ومع اقتراب كأس العالم 2026، قررت المكسيك منحه مكانًا في القائمة النهائية، ليصبح أصغر لاعب في البطولة بأكملها.
"موهبة استثنائية".. ماذا قالوا عنه؟
الإشادات بمورا لم تأت من الجماهير فقط، بل من مجموعة من أبرز الأسماء في عالم كرة القدم.
خافيير أجيري، المدير الفني لمنتخب المكسيك، قال عنه: "أحضرناه إلى الكأس الذهبية وشاهدناه في التدريبات. كان واضحًا أنه يجب أن يلعب. يمتلك موهبة خاصة، وهو من نوعية اللاعبين الفريدة التي أنجبتها المكسيك مثل بنيامين جاليندو وكواوتيموك بلانكو. مستواه تطور ذهنيًا وبدنيًا، وأصبح لدينا لاعب كبير بين أيدينا".
أما سيباستيان أبرو، مدرب تيخوانا، فقال:"قد يكون عمره 17 عامًا على الورق فقط، لكن طريقة تدريبه وتصرفاته وأداؤه في المباريات تشبه لاعبًا يبلغ 25 أو 26 عامًا. إنه أكبر موهبة ظهرت في كرة القدم المكسيكية خلال آخر 15 أو 20 عامًا."
إدواردو أرسي، مدرب منتخب المكسيك للشباب، أشاد بنضجه قائلًا: "إنه فتى ناضج ومتزن للغاية، ولا تحتاج إلى تذكيره بالبقاء متواضعًا."
روبيرتو مارتينيز مدرب منتخب البرتغال أشاد به هو الآخر بعد مشاهدته في كأس العالم للشباب قائلا: "سعيد جدًا برؤية لاعب بموهبة مورا. يمكنه أن يؤدي دورًا مهمًا للغاية مع المنتخب المكسيكي. تابعته عن قرب أمام المغرب وإسبانيا، وقد لفت انتباهي بشدة."
مستقبل المكسيك؟
في الوقت الذي تبحث فيه المكسيك عن جيل قادر على تجاوز حدود الإنجازات التقليدية، يبدو جيلبيرتو مورا أحد أهم الوجوه التي تعلق عليها الجماهير آمالها.
الموهبة موجودة، والشخصية حاضرة، والأرقام تتحدث عن نفسها.
لكن الأهم من كل ذلك أن اللاعب نفسه لا يبدو خائفًا من حجم التوقعات.
مورا قال قبل كأس العالم: "أرى أننا المرشحون للفوز بكأس العالم. نحن نلعب على أرضنا، ولذلك أعتقد أننا في أفضل وضع ممكن."
قد تبدو الكلمات جريئة بالنسبة للاعب يبلغ 17 عامًا فقط، لكنها تعكس الثقة التي أوصلته من ملاعب الناشئين إلى أكبر مسرح كروي في العالم خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.
وبينما تستعد المكسيك لخوض كأس العالم على أرضها، سيكون جيلبيرتو مورا واحدًا من أكثر الأسماء التي تستحق المتابعة، ليس فقط لأنه أصغر لاعب في البطولة، بل لأنه ربما يكون بداية النجم الكبير القادم في كرة القدم المكسيكية، وربما تكون البطولة بداية انطلاقته نحو الملاعب الأوروبية على مستوى الأندية، ليضع مورا اسمه بين نجوم كرة القدم العالميين ليس فقط موهبة مكسيكية صاعدة.