كتب : محمد مصطفى
في الدوحة، لم يكن محمد صلاح مجرد لاعب يرتدي قميص ليفربول في بطولة عابرة، كان علامة تجارية كاملة تمشي على قدمين.
قبل مباراة ليفربول ومونتيري في كأس العالم للأندية 2019، نقلت وكالة AFP عن مصريين في قطر أن أبناءهم ضغطوا عليهم لشراء التذاكر فقط لأنهم "مهووسون بصلاح".
في بلد يضم جالية مصرية تقارب 300 ألف شخص، تحولت زيارة ليفربول إلى حدث عربي، لا إنجليزي فقط.
وبعد أيام، تُوج ليفربول بكأس العالم للأندية للمرة الأولى، وسط 45,416 متفرجًا في استاد خليفة، وفاز صلاح بجائزة أفضل لاعب في البطولة.
كانت تلك الليلة تلخص ما صنعه صلاح خارج الملعب: لاعب مصري مسلم، في ناد إنجليزي تاريخي، يخلق سوقًا عاطفية جديدة لليفربول في الوطن العربي.
لم يعد النادي يُتابَع في القاهرة والدوحة والرياض والدار البيضاء لأنه فقط فريق جيرارد ودالجلش وكلوب، بل لأنه أيضًا فريق صلاح الذي وصل من نجريج إلى أنفيلد.
قبل صلاح، كان ليفربول يملك جمهورًا عربيًا ومصريًا، فوز الريدز بدوري الأبطال، وجماهيرية الدوري الإنجليزي صنعت له قاعدة واسعة، لكن مع وصول صلاح عام 2017 تغيرت طبيعة العلاقة بين الجماهير والنادي.
الموقع الرسمي لليفربول نشر عام 2019 حوارًا بعنوان "عندما يلعب صلاح لليفربول، تتوقف مصر للمشاهدة".
وفي الحوار نفسه، جاء أن شعبية ليفربول في مصر زادت بوضوح بعد صلاح، وأن كثيرًا من المصريين تتبعوه من تشيلسي إلى روما ثم ليفربول، وأن مبارياته تشاهد في المقاهي والبيوت والأندية التي تضع شاشات كبيرة خصيصًا له.
وتحول قميص ليفربول من مجرد قميص لناد أوروبي ناجح، لحكاية صعود عربي.
وقال صلاح في حوار مع صحيفة تايم "جماهير الشرق الأوسط تشعر كأنني ابنهم."
ازدياد عدد المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بليفربول، توضح كيف أثر صلاح على متابعي النادي.
في موسم 2023 -2024 أعلن ليفربول أنه أصبح النادي الأكثر تفاعلًا في الدوري الإنجليزي، بأكثر من 1.5 مليار تفاعل، و11.9 مليار مشاهدة عبر منصاته الاجتماعية، و186 مليون متابع عالمي.
كما وصل النادي إلى 10 ملايين مشترك على يوتيوب، ليصبح أول نادٍ في الدوري الإنجليزي يحقق هذا الرقم.
وارتفعت أرقام المتابعين على منصات ليفربول، لتتجاوز في يناير 2025، 200 مليون متابع عبر منصاته الاجتماعية.
قبل أن يعلن ليفربول في نوفمبر من العام نفسه، أن موسم 2024 - 2025 كان أنجح موسم في تاريخ ليفربول، بـ 1.7 مليار تفاعل، و13.3 مشاهدة فيديو على المنصات الاجتماعية، و215 مليون متابع، و12 مليون مشترك على يوتيوب
بالطبع ليفربول، استفاد من وجود نجوم آخرين، مثل يورجن كلوب مدرب الفريق، وساديو ماني، وفيرمينو، وفيرجيل فان دايك، وغيرهم إلا أن صلاح ظل الاسم المستمر في قائمة الفريق طوال تلك السنوات، فلا يمكن فصل المشاهدات الخاصة بصلاح عن فريقه.
كما نشر ليفربول في يناير 2025 أن الدوري الإنجليزي تصدر المشاهدات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بـ 133.8 مليون مشاهد لأول 9 مباريات فقط في موسم 2024 - 2025.
وهو ما يعكس النمو التدريجي في مشاهدات فريق ليفربول، حيث وصلت موسم 2023- 2024 إلى 471 مليون مشاهد تراكمي لمباريات ليفربول الـ38 في الدوري.
كما نشر ليفربول مع نهاية موسم 2023 - 2024، تقريرا عن تصدر ليفربول للمشاهدات العالمية في مباريات الدوري والكأس الإنجليزيين، حيث بلغ 415 مليون مشاهد خلال الفترة من أغسطس 2023 إلى مارس 2024.
وبحسب صحيفة "جارديان" فإن ليفربول استفاد اقتصاديا من ارتفاع إيرادات البث، ونمو الإيرادات بعد التعاقد مع 12 شراكة جديدة، وزيادة إيراد أيام المباريات، وتوسعة المدرج الرئيسي في أنفيلد، لتتحول من خسارة 21 مليون جنيه إسترليني في الميزانية، لربح 39 مليون جنيه إسترليني عام 2017، بحسب جارديان.
ولكن بعد سنوات صلاح اختلف الأمر كليا، فأعلن ليفربول في فبراير 2026 أن النادي حقق إيرادات قياسية تجاوزت 700 مليون جنيه إسترليني، بعد نمو الإيرادات التجارية والشراكات والرعاية غير المرتبط بالمباريات.
بالطبع لا يمكن وضع صلاح بمعزل عن ذلك التطور الكبير في إيرادات ليفربول.
تأثير محمد صلاح لم يكن على المستوى التجاري فقط، وإنما كان شخصية مؤثرة، إذ اختارته مجلة تايم الأمريكية في قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم، بالولايات المتحدة الأمريكية.
صلاح كان ضمن 6 أسماء رياضية فقط انضمت للقائمة، وهم ليبرون جيمس نجم السلة، وتايجر وودز أسطورة الجولف، ولاعبة التنس اليابانية نعاموي أوزاكا، والعداءة الجنوب إفريقية كاستر سيمينيا، والأمريكية أليكس مورجان لاعبة كرة القدم النسائية.
وكان لصلاح تأثير كبير في تراجع "إسلاموفوبيا". عام 2021 نشرت دورية أمريكية دراسة عن تراجع جرائم الكراهية في إنجلترا بنسبة 16 %، وقللت جماهير ليفربول من تغريداتها المعادية للمسلمين، مقارنة لجماهير الأندية الأخرى.
وتشتمل أغنية جمهور ليفربول على جزء يقول: "إن سجل عددا آخر من الأهداف فسأتحول إلى الإسلام".
وحدث بالفعل أن قرر بن بيرد مشجع نوتنجهام فورست الدخول للإسلام، وشرح في حواره مع صحيفة جارديان الإنجليزية كيفية مساهمة صلاح في ذلك (طالع التفاصيل)
وعندما تعرض صلاح لإساءات عنصرية أمام تشيلسي عام 2019، كان رد ليفربول ويورجن كلوب مدرب الفريق حاسما بشأن الهتافات، ووصفها وقتها بـ "المقززة" داعيا إلى مواجهة أقوى ضد العنصرية.
تأثير صلاح لم يقف عند حدود ملعب كرة القدم، بل كان له تأثيرا إيجابيا لفتح أسواق جديدة لليفربول لزيادة مداخيل النادي المالية، وكذلك توسيع قاعدة مشجعيه، وأخيرا تقليل طاب الكراهية، ليدشن صلاح جسرا بين مجتمعين مختلفين.