أحمد الصاوي

ميسي.. فيض الاستثناء

في مقال من أذكى ما قرأت كتب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، بعنوان "عدمية فيض المعنى". وهو المقال و العنوان اللذان أول ما أتيا في بالي كمفسر لحالة ميسي الإستثنائية.
الإثنين، 22 أكتوبر 2018 - 20:30
ليونيل ميسي أمام تشيلسي

في مقال من أذكى ما قرأت كتب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، بعنوان "عدمية فيض المعنى". وهو المقال و العنوان اللذان أول ما أتيا في بالي كمفسر لحالة ميسي الإستثنائية.

المقال فكرته الأساسية بإختصار مخل جدا جدا أعتذر عنه بشكل صادق، هو وجود عامل مشترك بين انتحار عدميو الغرب كمخرج لعدميتهم، وبين العمليات الانتحارية التي يقوم بها المتطرفون، التي يراها أيضا فعل عدمي.

إذا عدنا لمفهوم الاستثناء نفسه سنجد أن ركيزته الأساسية هي الندرة. كون أن حدثا لا يتكرر كثيرا فهو مؤهل كخطوة أولى أن يكون استثنائيا.

الرابط هنا أن ميسي بالفعل قلب مفهوم الاستثناء، بسبب تفرده في هذا الاستثناء.

استثنائية ميسي كانت فريدة و متطرفة "فيض" كما في حالة المتطرفين الذين قلبوا ركيزة العدمية.

كيف؟

إذا أصبح لاعبو الكرة قادرين بشكل متكرر على إحراز هدف يقومون فيه بمراوغة كل لاعبي الخصم تقريبا، و أحرزوا هذا الهدف بشكل أسبوعي، سينزع هذا من هدف مارادونا الشهير استثنائيته و تفرده.

إذا أصبح من السهل على أي لاعب أن يُصوب كرة تغير اتجاهها في الهواء 3 مرات لما وٌضع هدف روبيرتو كارلوس في فرنسا كمٌعرف للاعب من أهم اللاعبين في التاريخ بالرغم من تاريخه الضخم.

إذا كان باستطاعتنا حين نلعب مع أصدقائنا أن نحرز خلفية مزدوجة بشكل روتيني لما وقفت جماهير يوفنتوس للتصفيق لرونالدو بعد خلفيته المزدوجة المذهلة والتي كانت من أهم أسباب ذهابه للسيدة العجوز.

ما يفعله ميسي هو عكس هذا تماما. ميسي و لمدة 13 عاما أحال الاستثناء لروتين أسبوعي، استطاع فقط بموهبته ومثابرته أن يبهرنا بشكل لم ينقطع على الإطلاق.

13 عاما ولم نتوقف على اعتبار كل ما يفعله ميسي ليلة كل سبت أو أحد، أو في بعض الأوقات الثلاثاء والأربعاء، استثنائيا يحدث في العمر مرة واحدة.

نعم هو هدم الركيزة الأساسية لفكرة الاستثناء، وهي الندرة. على العكس، ميسي عنده فيض من الاستثناء لدرجة أنه خلق معنى خاصا جدا.

فيض من الاستثناء شيد ركيزة جديدة أقامها ميسي لنوع جديد من الاستثناء.

بسبب ميسي اكتشفنا أننا ممكن أن نتمتع بهذا اللعب الاستثنائي كل هذه السنوات و ننبهر كل مرة مع إنعدام الندرة. نعم ميسي يستطيع مراوغة 11 لاعبا كل أسبوع و يحرز هدفا و سنندهش كل مرة.

باستطاعته إحراز المئات من الخلفيات المزدوجة و سيصفق له جماهير تورينو كل مرة، هذه ليست مبالغة مني، ميسي لمدة 13 عاما يحرز ضربات حرة مباشرة، كل أسبوع و كل مرة مازال قادرا على إثارة دهشتنا، يفعل هذا بأقل من الحد الأدنى من الذكاء الإجتماعي أو تسويق أو علاقات عامة وحسابات على إنستجرام، نعم هو فذ لهذا الحد.

ملاحظة لابد منها هي أنني لست بمشجع لبرشلونة ولا أحب الدوري الأسباني، لكن ما نراه على أرض الملعب والجزء من الثانية الذي يفرقه عن كل إنسان على الأرض هو استثنائي، إستثنائي بفيض. فيض استطاع أن يقلب و يلعب و يغير في إدراكنا لمعنى راسخ في أدمغتنا.

أغلب محبي كرة القدم في العالم أصيبوا بالهلع من إصابة ميسي، و أصابنا توتر من فكرة ألا يلعب ميسي لثلاثة أسابيع متتالية.

ونشعر دائما بوخزة بسيطة عند نتذكر أنه جاوز الـ30 عاما و لن يلعب أكثر مما لعب، نحاول التمسك بكل لحظة يلعبها لأن "اللي فاضل مش كتير".

لكن ما يعزينا قليلا أننا أصبحنا في عصر متاح أن يتم تسجيل و حفظ كل لمسة لمسها ميسي لكرة القدم لنعيد و نستزيد في المستقبل، بين كل فترة و الأخرى و نشاهد ما جاد به الزمان علينا، لعلنا لن نرى في حياتنا مثل ما رأينا من ميسي.