أحمد فتحي.. مسيرة بين المطرقة والسندان

يفاجئ المنتخب المصري في الجابون بإصابة محمد عبد الشافي قبل مباراة غانا، فتتجه الأنظار نحو رجل واحد ليشغل مركز المدافع الأيسر ثم يصاب محمد النني أحد ركائز هيكتور كوبر في خط الوسط فلا يري الأرجنتيني سوى نفس الرجل.

كتب : محمود عصام مصطفى عصام

الإثنين، 30 يناير 2017 - 12:20
مصر احمد فتحي

يفاجئ المنتخب المصري في الجابون بإصابة محمد عبد الشافي قبل مباراة غانا، فتتجه الأنظار نحو رجل واحد ليشغل مركز المدافع الأيسر ثم يصاب محمد النني أحد ركائز هيكتور كوبر في خط الوسط فلا يري الأرجنتيني سوى نفس الرجل ليشغل مركزه الثالث خلال رابع مباريات البطولة.

حسنا عندما تعجز عن إيجاد بديل مناسب لأي لاعب يظهر فتحي في رأسك كخيار أمثل، الرجل الذي لا يشعر بالرهبة لتغيير مركزه تحت أي ظرف، نثق تماماً أنه إذا أُصيب الحضري سيرتدي قميص الحارس بذات نفس الوجه الصارم و الحاجبين المنعقدين و سيدافع عن مرماه بكل ما يستطيع دون أن يكترث لنقد بناء أو مسموم.

أحمد فتحي، يصنفه البعض كواحد من أفضل من شغل الجانب الأيمن في تاريخ الكرة المصرية، مواليد العاشر من نوفمبر عام 1984، ابن مدينة بنها، بدأ حياته في ناشئي فريق المدينة كمهاجم.

بالتأكيد كان فتى صغيرا يتابع بحسرة، وهو ابن الثانية عشر، أمام فرص المنتخب القومي الضائعة أمام المرمي المغربي المحصن عام 1996

وعاش جزء من تلك الكوابيس بكرته الضائعة أمام أسود الأطلس عام 2006 أمام الجماهير الغفيرة في كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت في مصر، فاستحق دشا ساخنا من حسن شحاتة بين الشوطين لدرجة جعلته يخاصم المعلم طوال البطولة، قبل أن يقدم قرابين المصالحة في مركز المساك بنهائي القاهرة 2006 و يبطل مفعول الخطير أرونا كونيه أمام أفيال كوت ديفوار.

الكثير من الجماهير و النقاد يرجعون تعدد مراكز فتحي في الآونه الأخيره إلى نضجه و تمتعه بالخبرات الكافية كلاعب مثل مصر دوليا منذ عام 2002 و تدرج بكل المراحل العمرية للمنتخبات، لدرجة وصلت إلى مشاركتها مع ثلاث منتهبات في آن (الشباب – الأوليمبي – الأول )، إلا أن الرجل يمتاز بالهدوء منذ زمن بعيد، لنعد للوراء لتاريخ معلوم و محدد.

الاثنين، العشرون من شهر مايو لعام 2002

كان كل ما يفكر به المهندس الألماني فيرنر مارس عندما شرع في تصميم استاد القاهره الرياضي أن يكون علي غرار الملعب الأوليمبي في ألمانيا إلا أنه لم يكن يتخيل أبداً أنه يخطط بيديه أكثر الأماكن إثارة في تاريخ المصريين، ربما إهتزت يداه أثناء تخطيط ممر دخول اللاعبين، فهو الأكثر رعبا للمنافسين، بشهادة كل من لعب عليه، استاد له طعم مختلف.

تستطيع أن تسمع صياح 64 ألف مشجع ينتظرونك، فاليوم المباراة الأهم في الموسم، الأهلي يقابل الإسماعيلي لتحديد بطل الدوري، الفريقان يمتلكان 57 نقطة خلال مشوار الدوري، الأهلي فاز بسداسية علي الزمالك قبل أربعة أيام، كل هذا جعل الصياح اعلي، الرعب أكثر علي وجوه الجميع سواء لاعبي الأهلي أو الإسماعيلي.

لكن هناك شاب لم يكمل عامه الثامن عشر في صفوف الفريق الضيف القادم من عروس مدن القنال، غير آبه بالموقف ككل. اللاعب القادم للإسماعيلي من بنها و الذي يعرف بأهلاويته الشديدة منذ صغره لا يشعر بأي تأثر في مواجهة الخوف و الانتماء في تلك المباراة، الأمر أشبه بجندي يستمع إلي موسيقاه المفضلة المنبعثة من داخله و خارجه مغمض العينين فلا سبيل لديه ليدرك ما حوله من دوي الحرب.

الرجل الذي صنع هدف فريقه الأول في المباراة، أهلاوي يقاتل أمام الأهلي بلا رحمة. منذ ذلك اليوم، اللاعب الذي لا ينتظر هتاف الجماهير ولا أضواء الكاميرات ولا جمالية الأداء، يريد فقط أن يفوز.

مشهد أخر في قلب الأجواء الرمضانية، على ملعب المنزه بتونس، يبدو أن مغامرة الإسماعيلي لم تنته بعد، الفريق متفوق بثلاثية عبد ربه و تراوري وجاباتي في الجولة الأولى من نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا 2003. إصرار غريب من إدارة الترجي على إقامة المباراة نهارا والدراويش يصممون على إكمال صيامهم، لم يمنع ذلك من تكرار الإسماعيلي لفوزه 3-1، مباراة شهدت تألقا فريدا لأحمد فتحي في مركز وسط الملعب المهاجم، فسجل هدفا و تألق في صنع الثاني لتراوري.

نحن نتحدث هنا عن الصفة التي يتفرد بها فتحي وحده، فهو رجل لا يتاثر بالإعلام أو الجماهير إطلاقا، يؤمن بأن هذا العنصر في اللعبة يستطيع أن يرفعك عاليا بسبب مباراة ثم يذهب بك إلى الجحيم بسبب أخرى، عبارة يحفظها جيدا كل لاعبي الكرة إلا أن اللاعب بمجرد أن تهتف له الجماهير يشعر بأنه أصبح لديه رصيد يعتمد عليه. بطلنا اليوم يتعامل مع كل مباراة و كأنه لم يمارس اللعبة من قبل.

والسؤال هنا، هل عند انتقاد فتحي بعد رجوعه من أم صلال القطري إلى الأهلي بسبب مستواه المنخفض، هل من الممكن أن تنسي جماهير الأهلي و جماهير مصر بأنه ركن أصيل من ثلاثة أمم أفريقيا في والتجارب المميزة في كأس عالم للقارات بجنوب أفريقيا و أوليمبياد لندن وكأس العالم للشباب بالأمارات إلى جانب تجربتين بالدوري الأنجليزي و مع كاظمة بالدوري الكويتي، و خبرات عدة ببطولات الدوري و الكأس و دوري أبطال أفريقيا.

هل من الممكن نسيان أهدافه الحاسمة سواء مع الإسماعيلي ببطولة دوري أبطال أفريقيا 2003، أو تكملة المسيرة معهم حتى أوان الإحتراف، وأهدافه التاريخية مع الأهلي مثل هدف إنقاذ الدوري أمام طلائع الجيش 2009، و التألق اللافت للنظر ذهابا وإيابا أمام أورلاندو الجنوب أفريقي في نهائي 2013، وهل يمكن نسيان هدف السبق أمام الإيفواريين في 2008.

كل ما سبق يشبه المطرقة و السندان، اللاعب يستند على إنجازاته و إسهاماته السابقة، والمطرقة تنهال من عصف الجماهير عند حدوث كبوة للجواد، للاعب القوي وحده هو من يستطع صد المطرقة و عدم الإكتفاء بالنوم منبطحا على السندان، بإختصار أحمد فتحي.

فتحي هو الخيار الأمثل للمدربين، مدافع أيمن صلب، خط وسط مدافع مقاتل، خط وسط مهاجم يصنع، مدافع أيسر ينفذ مهامه دون حذلقة أو تفلسف، قلب دفاع صريح إن لزم الأمر، وفي كل دور لا يتوقف عند نقد أو إشادة، الرجل يمارس عمله بأقصي مجهود لديه، و يثق أن النتيجه تصبح مرضية.

فتحي ابن بنها الذي بزغ نجمه صغيرا و حاول الالتحاق بناديه المفضل الأهلي إلا أنه لم يستطع ليقرر أن يترك الكرة فيثنيه عن ذلك النادي الذي يلتقط الصغار بعين ثاقبة، النادي الإسماعيلي ليحقق معهم بطولة دوري من بين ثلاث بطولات في تاريخ نادي المواهب و هو لم يكمل الثامنة عشر و كان الخيار المنطقي للاعب بهذه الإمكانيات هو الاحتراف خارج مصر.

فترة معايشة خارج مصر مع الأرسنال، كادت أن تنتهي بتوقيع العقود، و لكن حالت الإصابة دون ذلك.

يُكمل المشوار ثانية مع الإسماعيلي، حتى تأتي بطولة أمم أفريقيا 2006، يتألق في النهائي رغم مشاركته بديلا في أغلب المشوار نحو اللقب.

يتحول فتحي إلى شيفيلد يونايتد في 2007 وتصنف عدة مواقع أجنبية تجربته ضمن أسوأ 20 تجربة للاعبين بالدوري الإنجليزي، مع لاعبين أمثال توماس برولين وأندي كارول.

يعود لمقارعة المجد مع الأهلي مجددا، و يلعب أساسيا لمنتخب مصر، و يتمم مشوارا دوليا بدأ منذ عام 2002 مع محسن صالح، مشوارا شغل فيه معظم المراكز، و يتوج بجائزة أحسن لاعب بمصر موسم 2013-2014، و أحسن لاعب في الأهلي عام 2016، و دخوله تشكيلة القارة عام 2008 و 2010، و جوائز عدة على المستوى الفردي قبل الجماعي.

لاعب خصص له جمهوراً هتاف " بالصلاة على الحبيب .. فتحي بـ100 لعيب".

فتحي عاش معنا طفولتنا و مع غيرنا شبابه و مع أحدهم كهولته، و مازال يكبر و نحن نراه، يرتقي مراتب غير المراتب، ليصبح دون مبالغة أو تشكيك هو واحد من القلائل من الممكن تصنيفهم ب أعظم لاعب أتى للكرة المصرية في الألفية الثالثة.