كتب : خالد يوسف
"بحق السماء ما الذي يحدث هنا".. المعلق الأرجنتيني لقناة فوكس سبورتس في نسختها اللاتينية.
صيحة جماعية مكتومة في مدينة لوكيه في باراجواي، تحديداً في ملعب فيليثيان كاثيريس. 18000 ألف متفرج يركزون لعناتهم، شتائمهم، نكاتهم، ربما بصقهم تجاه شاب وحيد بشعر أشقر بقميص أبيض وسماوي يضع يده في وسطه وهو غير مصدق.
مارتين باليرمو أضاع للتو ركلة الجزاء الثالثة له في 85 دقيقة أمام نفس الفريق كولومبيا، أمام نفس الحارس كاليرو!
للحظات تمنى باليرمو أنه لو كان اختار الاستمرار كحارس مرمى مركزه الأول كصبي في الـ12 من عمره. إنه جلب العار لعائلته ذات الطابع النقابي، والتي تحمل تاريخاً طويلاً في الدفاع عن العمال.
مجموعة الـ11
باليرمو مزاجي، انفعالي، عاطفي وشعلة من الفعالية داخل منطقة الجزاء. اللاعب الأخرق الأرعن في نظر مشجعي الكرة اللاتينية طيلة عشرين عاماً هو نفسه الذي يستقر تمثاله الذهبي على مدخل البونبونيرا معقل البوكا.
يعلم ويعشق كونه شخصاً مستفزاً للجميع، بما فيهم مدرج "مجموعة الـ11" الخاصة بألتراس بوكا جونيورز في كل مرة يحرز فيها هدفاً، تماماً كما ذكر المغني الإسباني خواكين سابينا في تحيته الغنائية لفريق بوكا جونيورز.
باليرمو مستفز بشكل مضاعف لجماهير ولاعبي المنافسين، بل إنه كان موضع كراهية أهم رفاقه خوان رومان ركيليمي خلال نهاية التسعينات مع القطب الآخر للبوكا والمنتخب الأرجنتيني!
بالميرمو بداخله مقامر غير قادر على التوقف، الفاشل في رحلته الأوروبية مطلع القرن الجديد هو نفسه صاحب الرقم القياسي كهداف تاريخي للبوكا على مر العصور.
ركلات الجزاء الـ3
هناك شيء بالغ الإثارة في القرارات التي اتخذها باليرمو في كل ركلة جزاء.
رحلة خلال 85 دقيقة من الثقة إلى التدمير الذاتي، من محاولة لمس السماء كالنجم الجديد لمجموعة المدرب مارسيلو بييلسا الجديدة في المنتخب الأرجنتيني إلى اليأس المطلق في محاولة أخيرة لحفظ ماء الوجه فقط لا غير.
قبل ثلاثة أيام فقط كان باليرمو يصرخ في الجمهور بعد هدفه الثاني في مرمى إكوادور في أول خطوات مشوار الأرجنتين في البطولة. صرخة تليق بلاعب حارب طويلاً ليحظى بقبول أي مدير فني للمنتخب من أجل حجز مكان له ضمن قائمة الـ18 وليس حتى التشكيلة الأساسية.
باليرمو بدا كنسخة محدثة من باتيستوتا، نفس الاندفاع البدني، التواجد في المكان المناسب داخل الأمتار الأخيرة أمام المرمى، المرور من المدافعين ربما عن طريق دهسهم إذا تطلب الأمر، التنفيذ النهائي برؤية الشباك تهتز بأي وسيلة ، القبح أو الجمال أثناء تحقيق هذا هو أمر نسبي.
المفارقة الأكبر أن فلسفة باليرمو هي التي أهدته الركلات الثلاث أمام كولومبيا، التواجد في المكان المناسب الذي يجبر الخصوم على اتخاذ أكثر القرارات حماقة كما كان في الحالة الكولومبية، بين لمس الكرة باليد أو ركل ساقه بشكل مباشر على بعد بضعة أمتار من الحكم.
باليرمو كان يرى في باتيستوتا نموذجاً طيلة مشواره، فكرة الفعالية كانت تشغل باله كثيراً إلى الحد الذي جعله يدخل في صدامات مع رومانسية ركيلمي الحالمة.
باليرمو قرر أن يسدد ركلته الأولى أمام كولومبيا في الدقيقة الخامسة بتسديدة صاروخية في منتصف المرمى. الأمر بدا ناجحاً خاصة أن كاليرو قرر الارتماء في الزاوية اليسرى إلا أن الكرة بدت مرتفعة لامست العارضة وخرجت في السماء.
وقتها كان باليرمو غاضباً ، ولكن الثقة في التعويض كانت قائمة، الثقة قدراته كنجم محتمل للبطولة كله.
بعد أن أحرز إيفان كوردوبا هدف التقدم لكولومبيا من ركلة جزاء، بدا الفريق الأرجنتيني في حاجة ماسة لاستدراك الوضع، باليرمو كان معزولاً عن بقية الفريق في ليلة قرر فيها الحكم أوبالدو أكينو من باراجواي عدم التسامح في أي ألعاب مشكوك فيها داخل منطقة الجزاء.
احتسب ركلة جزاء لكولمبيا في مطلع الشوط الثاني وأهدرها ريكارد في مواجهة الحارس الأرجنتيني بورجوس.
الحكم أكينو قرر احتساب ركلة جزاء رابعة خلال اللقاء لصالح باليرمو هذه المرة في الدقيقة 76، في فرصة حقيقية لأن يسطع باليرمو كمنقذ لمنتخب بلاده. سارع بأخذ الكرة ملتزماً بنفس الفلسفة، وكأنه يريد أن يريد إثبات صحتها، متقدماً كالرصاصة، مسدداً الكرة بقسوة أكثر من الركلة الأولى.
كاليرو ارتمى هذه المرة في الزاوية اليمني مشاهداً الكرة وهي تتجه إلى منتصف المرمى، بنفس "الديجا فو" تلامس العارضة وتتجه إلى السماء!
باليرمو يبدو مهزوماً، في حالة حرج حقيقي من النوع الذي يرغب معه في الاختفاء. الرغبة تتزايد بعدها بثلاث دقاق فقط عندما أحرز البديل كونجو هدفاً رائعاً بكعبه في مرمى بورجوس ليضع كولومبيا في المقدمة بهدفين.
وقتها أصبحت الأرجنتين ومديرها الفني بييلسا في حالة تيه حقيقية.
الموضوع انتهى عملياً مع إحراز كولومبيا لهدفها الثالث عن طريق مونتانيو قبل النهاية بثلاث دقائق من تسديدة مخادعة من خارج المنطقة.
لكن أكينو رفض التنازل عن موقفه مقرراً احتساب ركلة جزاء خامسة في المباراة وثالثة لباليرمو في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع.
قرار باليرمو بتسديد الركلة مرة ثالثة كان مذهلاً للجميع، حالة عناد تامة ، ولكنها من أجل قضية واحدة تشغل رأسه. فكرة رفض فشل فلسفته الخاصة.
هذه المرة كانت الشكوك هي التي تحتل رأسه، مسدداً الكرة في وسط المرمى أيضاً ولكن بشكل أكثر رقة وبارتفاع أقل كثيراً، كاليرو تصدى لها بسهولة ليشتعل الملعب بين اللعنات والضحكات، باليرمو أضحى كابوساً ومهرجاً للتسلية في نفس الدقيقة.
تلك المباراة ظلت كالوشم في جبهته كعلامة للعار والسخرية وكسر العين طيلة بقية سنوات مسيرته الاحترافية.
حتى لو كانت تلك المسيرة تتضمن هدفاً من منتصف الملعب أمام إستوديانتس أو المشاركة وتسجيل هدفين في مباراة بالدوري المحلي بعد ثلاثة أيام فقط من وفاة ابنه عام 2006.
العودة للمنتخب بعد عشرة سنوات كاملة وبضعة إصابات بالرباط الصليبي. 10 أعوام كاملة قبل أن يحول لنفسه بطلاً على ملعب المونيومنتال نفس الملعب الذي كان مقراً للسخرية منه لعقدين كاملين من قبل جمهور الريفر. هذه المرة يحرز هدف الوصول لكأس العالم 2010 أمام بيرو.
وفي الدقيقة الأخيرة، نفس الدقيقة الأخيرة، نفس الصراخ المكتوم الذي كان خارجا من جماهير الأرجنتين حين أهدر 3 ركلات ترجيح، ولكنه غير قادم من موضع السخط.
كان قادماً من موضع الذهول أن يكون الخلاص على يد ذلك الأرعن، باليرمو مر بكل التجارب خلال عقدين كاملين، ولكن حرفته الأكبر هي الاستفزاز على حسب تفسيرك الخاص للكلمة.
--
"لم أتمكن من النوم في تلك الليلة، لا أعرف ما الذي حدث، لم يوجه لي أحد من رفاقي أو من الجهاز الفني اللوم".
"لم يكن هناك وقت للتفكير في أسباب ما حدث، فقد كان يتوجب علينا الاستعداد بعدها بيومين لمباراة أاوروجواي الحاسمة لتحقيق تأهلنا لدور الثمانية".
"لا أحد يتذكر أني أحرزت هدف الضمان لنا في تلك المباراة، وبعين واحدة بعد أن تورمت الثانية في كرة مشتركة مع أحد مدافعي أواروجواي، لا أحد يتذكر هذا".
*مارتين باليرمو في حوار مع قناة كانال بلوس الإسبانية عام 2012.