بوشكاش الذي تعرف به المجر وسحبت منه جنسيته.. أسس مملكته في مصر

الخميس، 17 نوفمبر 2016 - 14:18

بقلم : أحمد العريان

فيرنك بوشكاش

حالها كحال دول كثيرة، قد تعرفها باسم لاعب واحد.. إذا ذُكرت المجر فلابد أن اسم بوشكاش هو أول ما يخطر في بالك..

تحل اليوم الذكرى العاشرة لرحيل بوشكاش عن الحياة، وفي هذه المناسبة يتذكر FilGoal.com مسيرة أحد أشهر أساطير كرة القدم.

فيرنيك بوشكاش أحد أساطير كرة القدم، صنع تاريخ المجر، ثم قضى نصف حياته غير معترف به من حكومة بودابست.

كعادة عشاق كرة القدم تبدأ علاقتهم بها منذ الطفولة، وبوشكاش أيضا كان صديقا وفيا للكرة منذ نعومة أظافره.

تقول الوثائق أن 2 أبريل هو تاريخ ميلاد بوشكاش، لكن النجم المجري يصحح الخطأ الشائع عبر موقعه الرسمي ويؤكد أنه ولد في 1 أبريل.

انتمى والد بوشكاش لعائلة ذات أصول ألمانية-مجرية، وأيام قليلة بعد ولادة بوشكاش الصغير حين قرر والده أن ينتقل لمدينة "كيبيست" لحصوله على وظيفة جديدة هناك كصانع للأقفال، بجانب عمله الثاني كمدرب لكرة القدم.

كبر بوشكاش وقرر خوض اختبارات كرة القدم لاستكمال مسيرة والده اللاعب السابق، وحينها كان لوالده دور في تأسيس شهرته.

كان لبوشكاش خياران في اختيار الاسم الذي سيشتهر به، إما بوستايي أو بوشكاش، إلا إن والده نصحه باختيار الاسم الأقرب للغة المجرية، ولم يكن يعلم أنه حين اختار ذلك الاسم، فقد اختار الكلمة المجرية الأكبر شهرة بالتاريخ فيما بعد.

صديق مقرب

عائلة بوشكاش كانت الأصغر في منطقتهم، مكونة فقط من أب وأم معهما ولد هو بوشكاش وشقيقته الأصغر إيفا، العائلة تعد صغيرة مقارنة بعدد الأبناء المعتاد لكل أسرة في هذه الفترة، ويكفي القول بأن 8 منازل في منطقة بوشكاش كان بها قرابة الـ 100 ابن.

وبين المائة طفل، كان لبوشكاش صديقا وحيدا هو الأقرب له، وهو من شاركه أمجاده فيما بعد.. هو جوزيف بوتشيك.

بوشكاش وجوزيف بوتشيك قضيا معا أغلب طفلوتهما يلعبان كرة القدم في الشارع وينظمان المباريات مع أطفال المناطق المجاورة، وحين جاءهما الاستدعاء العسكري لأول مرة كانا معا أيضا.. وبوتشيك بالمناسبة هو ثاني أكثر اللاعبين المجريين تمثيلا للمنتخب في التاريخ برصيد 101 مباراة دولية، بعد أن حطم رقمه الحارس المعتزل حديثا جابور كيرالي برصيد 107 مباراة.

البداية

انضم بوشكاش وبوتشيك لناد محلي يسمى "كيبست" وكان والده هو مدرب هذا الفريق، وفي عام 1949 قرر الجيش المجري ضم نادي كيبست له، قبل أن يغير الجيش اسم النادي إلى "هونفيد".

وبما إن بوشكاش وبوتشيك كانا في الخدمة العسكرية حينها، فقد استمرا مع هونفيد ومنحا رتب عسكرية.. بوشكاش حصل على رتبة "ميجور" أو ما يعادل الرائد.

بوشكاش تألق مع هونفيند وصنع تاريخ النادي، فريق العاصمة بودابست حصل على لقب الدوري 13 مرة، 5 منهم مع بوشكاش.. يكفي القول بأنه حصل على لقب هداف الدوري في 4 مرات، منهم مرة برصيد 50 هدف جعلوه الهداف الأفضل على الصعيد الأوروبي في ذلك الموسم 1947/1948.

منتخب المجر

حين وصله الاستدعاء الأول للمنتخب المجري، لم يكن بوشكاش قد بلغ عامه الـ 18 بعد، لكنه كان قد صنع اسما كبيرا يمكن الاعتماد عليه لقيادة الفريق.

بداية بوشكاش مع المجر كانت عام 1945 في مباراة أمام النمسا، سجل فيها هدفا وفازت المجر بخمسة أهداف مقابل هدفين.

مع المجر قاد بوشكاش الجيل الأعظم في تاريخهم، المنتخب الذي لم يخسر على مدار 32 مباراة متتالية وتوج بذهبية أولمبياد هلسنكي 1952 وتغلب على إنجلترا مرتين وديا 6-3 في ويمبلي ثم 7-1 في بودابست، ثم بلغ نهائي برن في مونديال 1954 في سويسرا قبل الخسارة من ألمانيا الغربية 3-2 في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ كرة القدم وقتها.

بوشكاش سجل الهدف الأول في نهائي البطولة، قبل أن تضيف المجر الهدف الثاني في الدقائق الثمان الأوائل من اللقاء.

ألمانيا الغربية قلصت الفارق وتعادلت في الدقيقة الـ 18 فقط من المباراة، قبل أن تتسيد المجر اللقاء كاملا في الشوط الثاني.

هجمة وحيدة من ران لألمانيا في الدقيقة الـ 84 كانت كفيلة بإحراز الهدف عكس سير اللقاء، ورغم أن بوشكاش سجل هدف التعادل في الدقيقة الأخيرة، لكن الحكم ألغاه بداعي التسلل لتخسر المجر. وأختير بوشكاش كأفضل لاعب في البطولة.

سحب الجنسية وريال مدريد

صدفة جديدة كانت بوابة بوشكاش إلى ريال مدريد، حيث أسس الجزء الأكبر من تاريخه هناك.

في عام 1956 وبعد كأس العالم بعامين فقط، كان بوشكاش في رحلة مع فريقه هونفيند إلى إسبانيا لمواجهة أتليتكو مدريد في الكأس الأوروبية.

وأثناء تواجده في العاصمة الإسبانية، اندلعت الثورة المجرية، ليرفض بوشكاش ومعه بعض لاعبي الفريق العودة إلى بودابست ويخوض المران وبعض المباريات الودية مع فريق إسبانيول.

الحكومة المجرية أصدرت قرارا بسحب الجنسية من بوشكاش ومنعه من دخول البلاد مدى الحياة، وإضافة إلى ذلك قرر الاتحاد الدولي إيقاف اللاعب لعامين بسبب رفضه العودة لناديه.

إيقاف بوشكاش منعه من الانضمام ليوفنتوس وميلان الإيطاليين اللذان رغبا في ضمه بتلك الفترة، وعقب انتهاء فترة إيقافه كان قريبا جدا من الانضمام لمانشستر يونايتد في عام 1958.

صفقة انتقال بوشكاش توقفت في اللحظات الأخيرة، والسبب أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية، وهذا ما يخالف قوانين الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم.

اسم بوشكاش بعد عام ونصف من الإيقاف لم يعد هذا الاسم الرنان، لكن ثمة صدفة قدرية جديدة تكون بوابة فصل جديد في تاريخه.

أميل أوستيريشر مدربه السابق في هونفيند يشغل حاليا منصف المشرف الرياضي على ريال مدريد، وبما أنه الأكثر معرفة بقدرات لاعبه السابق، فقد نجح في إقناع سانتياجو برنابيو رئيس ريال مدريد حينها بضم اللاعب صاحب الـ 31 عاما.

بوشكاش بدأ فترة تأهيل قوية مع ريال مدريد، ونجح في إنقاص وزنه 18 كيلو قبل أن يلعب من جديد، ورغم كبر سنه، لكنه قضى 8 مواسم مع الفريق الأبيض كون فيها الثنائي الأقوى في تاريخ إسبانيا مع ألفريدو دي ستيفانو.

8 أعوام كانت كفيلة لبوشكاش أن يحقق ثلاثة ألقاب من دوري أبطال أوروبا، بالإضافة لخمسة ألقاب دوري وكأس ملك إسبانيا في مناسبة وحيدة.

إسبانيا

ريال مدريد حصل لبوشكاش على الجنسية الإسبانية عام 1958، وفي مونديال تشيلي 1962 قرر الاتحاد الإسباني إشراك الأسطورة المجرية معهم في البطولة رغم بلوغه الـ 37.، ولم تكن قوانين الفيفا تمنع ذلك حينها.

ورغم مشاركته في 4 مباريات دولية بقميص إسبانيا، إلا إنه لم يسجل أي هدف، قبل أن يعتزل كرة القدم عام 1967.

ـ ـ ـ ـ ـ

"كنا نشرف على تدريب مجموعة من الأطفال في أكاديمية لكرة القدم بأستراليا، واصطحبنا معنا بوشكاش لكن الأطفال لم يعرفوه وبدأم في إطلاق النكات على وزنه السمين".

"تحدينا الأطفال في الدخول بتحدي في تسديد 10 كرات بالعارضة من مسافة بعيدة، وبالتأكيد الجميع اختارم هذا المدرب السمين الذين لا يعرفونه".

"وقبل أن يبدأ سألنا الأطفال عن توقعاتهم لعدد الكرات التي سينجح في تسديدها، الكل توقع أن يحقق علامة أقل من 5 لكنني وحدي قلت سيحقق 10 من 10".

"بوشكاش سدد 9 كرات ناجحة في العاضرة، وبالكرة العاشرة سدد الكرة في الهواء. الكل نظر باستغراب وظنوا أن الأمر انتهى، لكنه استقبل الكرة على صدره وجعلها تسير على كتفيه، وقبل أن تنزل للأرض سدد مباشرة نحو المرمى، لتصطدم بالعارضة ويحقق العلامة الكاملة".

"وهنا وقف الكل في صمت يتساءلون من هذا؟ فقلت لهم، إنه مستر بوشكاش".

جورج بيست هو من سرد القصة السابقة، وبيست كان أحد الذين قورنوا ببوشكاش لاحقا، وهكذا لم يخيب بوشكاش ظن من راهن عليه أبدا.

مملكة جديدة في بورسعيد

في مصر وتحديدا في بورسعيد، قاد القدر بوشكاش لتأسيس مملكة جديدة.

في بورسعيد لا عجب أن تجد أعلام المجر في بعض المحال أحيانا إلى الآن، والسبب هو جماهيرية فيرنك بوشكاش الطاغية.

وصل بوشكاش لتدريب النادي المصري عام 1979، وحصل حينها على راتب يعد خياليا في الكرة المصرية في هذا التوقيت قدره 3500 دولار شهريا.

عرف المصري معه شكلا جديدا لينهي الدوري موسم 1979-1980 في المركز الثالث خلف الأهلي والزمالك للمرة الأولى منذ 27 عاما.

وفي الموسم التالي واصل المصري عروضه الطيبة مع بوشكاش لينهي الدوري في المركز الثالث للمرة الثانية على التوالي خلف الأهلي والزمالك، وبعد أن اقترب نسبيا من المنافسة في بعض فترات الموسم ليصبح بوشكاش هو معشوق بورسعيد الأول.

الموسم الثالث مع المصري 1981-1982 أنهى الفريق الدور الأول في القمة وسط حماس جماهيري بالغ، وواصل المنافسة بقوة مع الكبيرين الأهلي والزمالك حتى التقي الأخير في بورسعيد في الجولة الـ22.

وبعدما تقدم الزمالك بهدف لنصر إبراهيم قبل النهاية بثمان دقائق وقعت أحداث شغب أدت لإلغاء المباراة.

تقرر اعتبار المصري خاسرا بهدفين ونقل مبارياته المتبقية خارج أرضه وتحديدا في طنطا.

بوشكاش رحل عن المصري وصرح قائلا: "في ظل تلك المنظومة، لن يفوز أي فريق بالدوري سوى الأهلي والزمالك".

وفي المقابل اعترض المصري على قرار اتحاد الكرة وقرر استكمال المسابقة بناشئية. قرار أثر سلبا على نتائج الفريق ليتراجع وينهي الموسم في المركز الثالث.

السيد متولي رئيس المصري نجح في إعادة بوشكاش من جديد لقيادة المصري في موسم 1983-1984 وبعد غياب موسم عن بورسعيد.

واستعاد معه المصري التألق ليحتل المركز الرابع في الدوري ويبلغ المباراة النهائية لكأس مصر، والتي جاءت قمة في الدراما أمام الأهلي.

المصري تقدم بهدف حسام غويبة حتى الدقيقة الحادية والتسعين حين أدرك علاء ميهوب التعادل للأهلي ليفرض وقتاً إضافياَ، سجل فيه الأهلي هدفين آخرين ليفوز بالكأس ويحرم بوشكاش من تحقيق بطولة مع المصري، ليرحل المجري مرة أخرى بنهاية الموسم.

عبود الخضري نجم المصري السابق يقول: "بوشكاش لم يكن مدربا فذا لكنه كان إنسانا رائعا، كان يجيد التعامل النفسي مع اللاعبين ويخلق معهم جو رائع من الألفة، إضافة لأنه كان يجيد ترتيب اللاعبين في الملعب وتكوين ثنائيات قوية".

ربما أن كلام الخضري حقيقي، فبوشكاش لم ينجح خارج المصري أيضا كمدرب بشكل كبير، لكن النصف الثاني من كلامه عن شخصيته يستحق التوقف.

إلى الآن لا يخلو أي شارع في بورسعيد ممن يلقبونه ببوشكاش. لم ولن تنسى تلك المدينة اسم بوشكاش أبدا، ولعل حمادة أحد أشهر مشجعي المصري سببا في استمرار سيرة بوشكاش الطيبة هناك إلى الآن.

هل تعرفون "حمادة" مشجع المصري ذو الاحتياجات الخاصة الذي يتواجد بشكل دائم خلف مرمى النادي البورسعيدي في كل مباراة؟

حمادة كان طفلا صغيرا حين وصل بوشكاش إلى بورسعيد، كان والده يصطحبه لمران المصري ولم يكن الطفل يجيد المشي، ويبدو عليه المرض لكن لم ينته أحدا لذلك.

بوشكاش وحده لاحظ ذلك على طريقة سير "حمادة" ومن هنا قرر أن يتبنى علاجه. الرجل المجري حرص على تمرير الكرة معه وإجراء بعض التدريبات العلاجية له يوميا قبل وبعد التدريب، وبعد سنوات من عمل بوشكاش في المصري لاحظ الجميع الفارق بين حالة حمادة عند وصول بوشكاش ووقت رحيله.

حمادة الآن لم يعد طفلا. محمد النقيب "حمادة" صاحب الـ 37 عاما مازال حريصا على حضور كل مباريات المصري من الملعب، ولولا بوشكاش لما كان حمادة قادرا على تحريك أقدامه الآن.

الوفاة

في عام 1993 صدر قرار من الحكومة المجرية بالعفو الشامل عن أسطورة بلادهم والسماح له بالعودة إلى أراضي الوطن. توفى بوشكاش في 17 نوفمبر عام 2006. وفاة بوشكاش كانت طبيعية، لكنها جاءت في وقت عانى فيه العزلة بعد إعلان معاناته من مرض "ألزهايمر" عام 2000، ليقضي أعوامه الأخيرة مريضا في رعاية زوجته وابنته في مستشفى بودابست.

وبعد وفاته، أقيمت جنازة عسكرية مهيبة لصاحب الـ 79 عاما، شارك فيها ملايين المجريين وامتدت من استاد بوشكاش الدولي الذي يستضيف مباريات المجر إلى ميدان الأبطال في وسط العاصمة.

التعليقات