تأثير سيميوني – (4) الشغف وبداية الرحلة

الأربعاء، 01 يونيو 2016 - 12:14

بقلم : محمد الفولي

أعيش الحياة وكرة القدم بكل قوة. أمتلك دوافع رائعة حينما يتوجب علي القيام بأمر ما. أصبح مجنونا وحينها يسري شيء ما في عروقي وتشتعل حماستي. إذا ما قال لي أحدهم أنني لا أستطيع حينها كسر حائط برأسي فهو مخطىء. يكفي فقط أن يظهر التحدي أمامه وحينها تكون المهمة قد بدأت. سيصبح هذا هو شغلي الشاغل طوال ساعات اليوم الـ24. تبدأ حالة الشغف وأصبح مستعدا للموت من أجل تحقيق مهمتي، دون الاهتمام بما قد يقوله الآخرون.

كان رئيس راسينج في حينه فرناندو مارين أول من شاهد في سمات المدرب وأيقظ داخلي الرغبة لكي أدخل هذه المهنة في يوم من الأيام. عرض علي ثلاث مرات تولي تدريب راسينج. عرضه كان يرتكز على القيام بهذا الأمر عقب انتهاء مسيرتي. في المرة الثالثة عرض علي الأمر وأنا أصعد للطائرة. كنت متحمسا للفكرة دون استشارة أي أحد. كافح كثيرا لكي أقبل عرضه. في ثالث مواسمي مع راسينج كلاعب وثالث محاولة له كان حاسما. "لا يمكنك أن تقول لا لهذه الفرصة. النادي يحتاجك لتخرج الفريق مما يمر به". هذه كانت كلماته.

الجهاز الفني الذي يصاحبني أمر مهم للغاية. نحن مثل العائلة. حينما وصلني عرض راسينج كنت أعرف بالفعل من الذي أريد العمل معه: نيلسون فيفاس الذي وافق على بداية المشوار ولكنت حينما عدت لأتلتيكو لم يتمكن من القدوم وشغل محله خيرمان الـ"مونو" بورجوس.

بداية الرحلة

اتهمني الجميع في البداية بالجنون لقبول عرض تدريب راسينج. الفريق كان يمر بوضع معقد للغاية وكان من المرجح أن يهبط للدرجة الثانية. كان الجميع يرى أنني لن أتمكن من انقاذ النادي، الأمر الذي سيؤثر على سمعتي كمدرب مستقبلا، ولكن أنا كنت أحب راسينج أيضا. كانت هناك حالة من الشغف لدي من أجل انقاذ الوضع. كان الكل يظنني مجنونا ولكن كانت لدي قناعتي.

الأمور جرت في البداية بشكل لا يتوقع. لعبت مباراة يوم الجمعة وبعدها بيومين كنت أنا مدرب الفريق. الميزة أنني كنت أعرف زملائي على أكمل وجه. كنت أعرف عيوبهم ومميزاتهم. ربما يرى البعض هذا الأمر بمثابة عائق لأنهم أصدقائك وتشاركتم معا مواقف "لاعب مع لاعب" وليس "لاعب مع مدرب"، ولكن تعاملت مع الأمر بشكل ايجابي واتخذت قرار بأنه سيلعب فقط من يستحق.

هنالك شيء واحد فقط أندم عليه ولم أقله من قبل ولا يفارق ذهني. هناك ثقل على صدري لأنني لم ألعب مباراة وداع مع راسينج. هذا دين يجب أن أسدده وهذا الأمر سيحدث بمرور الوقت، ولكن عامة عملية التحول من لاعب لمدرب كانت سريعة جدا بشكل لم أفهمه في البداية.

لهذا طلبت في البداية بأن يجهز أحد رجال النادي المباريات الثلاث التالية لكي أتمكن من تنظيم أموري والاجتماع مع مجموعة العمل التي اخترتها. هذه كانت الفكرة المبدئية ولكن الوضع الرياضي تعقد وعقب المباراة الأولى توسل المدير الرياضي لكي أتولى المنصب قبل الوقت المتفق عليه.

خسائر ومعسكر وشكاوى نسائية

قبلت الأمر وكانت مهمتي الرئيسية هي الاستعداد لمواجهة اندبندينتي في كلاسيكو مدينة أفيانيدا في فبراير عام 2006. هذه المباراة هي الجنون بعينه. يتوقف أي نشاط في المدينة أثناء لعبها. بدأت عملية الاعداد الذهني مع الفتية وذهبت بهم لأحد الفنادق الجبلية. كنت أرغب في عزلهم ليركزوا في المباراة فقط. لم تكن تجربتي الأولى على مقاعد الادارة الفنية جيدة.

أجويرو لعب مباراة رائعة بأداء لا يوصف وفاز إندبندينتي علينا بهدفين نظيفين وأسوأ شيء كان رد فعل جمهورنا الذي ثار غضبه. لم نتمكن من الخروج من الملعب لأن المقاعد كانت تطير في كل اتجاه. يتضح الآن أن ظهوري الأول كمدرب لم يكن تماما كما حلمت به: هزيمة وأمام الخصم الذي لا يمكنك أن تخسر أمامه أبدا ولكن هذا لم يجعلني أستسلم كنت أثق في نفسي وفريقي. جاءت المباراة الثانية ولم تتحسن الأمور.

تعرضنا للهزيمة من أوليمبو الذي كان يمر بوضع مشابه لنا. ثلاث أهداف منيت بها شباكنا بل وأن لاعبنا كابريا الذي لم يهدر أبدا ركلة جزاء أضاع واحدة. الأشياء ساءت بصورة أكبر في المباراة الثالثة: هزيمة من بوكا بثلاثية على ملعبنا دون وجود الجماهير. بداية تجربتي على مقاعد الادارة الفنية كانت مرعبة. ثمانية أهداف في شباكي دون أن نسجل هدفا واحدا وثلاثة هزائم. هذه الأرقام لم تحبطني. كانت لدي قناعاتي القوية التي يجب أن أتبعها. لم أفكر في الاستسلام. في المباراة الرابعة حصدت نقطة من روساريو سنترال الذي كان يسعى لتجنب الهبوط هو الأخر ولكن الهدف الرئيسي كان لا يزال بعيدا.

في المباراة التالية تعادلنا وبتلك التي تليها كان يجب أن نواجه انستيتوتو كوردوبا متذيل التصنيف وخسرنا منه بهدف. الوضع الآن كان أسوأ مما هو عليه حينما توليت المهمة. كانت فوضى مطلقة في ظل تبقي 10 جولات لانقاذ الفريق من الهبوط.

كانت الفكرة السائدة لدى الجميع أنني سأتقدم باستقالتي ولكن هذا الأمر لم يكن في ذهني لأنني كنت أرغب في اتمام مهمتي بانقاذ الفريق. كنت أعرف أن رد فعل هذه المجموعة سيأتي عاجلا آم أجلا بشكل يجنبنا الهبوط. كان يتبقى شهران وعلمت أنه يجب أن أضرب بقبضتي على الطاولة لتغيير الوضع. تحدثت مع عائلتي وقلت لهم "سيصفونني بالمجنون. سأخبر النادي واللاعبين بأننا سنعسكر وننعزل عن الجميع حتى نخرج من هذا الموقف. ما هي الفترة المطلوب؟ شهران؟ حسنا فلتكن 90 يوما على هذه الشاكلة".

دعمتني عائلتي فيما قلته وتحدثت مع اللاعبين وقلت لهم "من الآن لا توجد عائلة. لا يوجد أي شيء. يوجد فقط راسينج ويجب اخراج الفريق من هذا الوضع". نظر اللاعبون بعضهم لبعض كما لو كانوا لا يصدقون ما سمعوه. ظنوا أن هذا الاجتماع لاخبارهم بأنني قررت الاستقالة والرحيل. بعضهم تقبل الأمر بحماس ولم يفعل هذا آخرون وهذا كان أمرا منطقيا. أتذكر أننا تعادلنا في المباراة الأولى مع سان لورنزو ولكننا خسرنا في الثانية وبدأ الاستياء. كانت زوجات اللاعبين لا يتوقفن عن الاتصال لإنهاء المعسكر وإعادة أزواجهم.

مع تبقي خمس مباريات على انتهاء البطولة بدأت قيود المعسكر في التفكك بعض الشيء. كنت أكافح من أجل انقاذ الوضع الرياضي ولكن في نفس الوقت كان هناك تغيير داخل الوضع المؤسسي للنادي بدخول ملاك جدد. استدعاني في يوم من الأيام وقالوا لي "انظر يا تشولو، أنت تصرفت بشكل جيد للغاية مع النادي ونرغب أن يكون رينالدو ميرلو هو مدرب الفريق القادم". اختيارهم كان جيدا. ميرلو الشهير بـ"مسطردة" كان خيارا جيدا لأنه كان يمثل تاريخ النادي.

عرض علي الملاك الاستمرار في النادي ولكن كأحد الكشافين. كان ردي حاسما وقلت لهم "أنا المدرب وخضت هذا التحدي حينما كنت لاعبا مخاطرا بكل مستقبلي. قلت للاعبين أنه حتى الجولة الأخيرة لن يتمكن أحد من اقالتي من منصبي. اذا ما كنتم ترغبون في فصلي الآن فلتفعلوا هذا ولكن لن أرحل عن منصبي لأنني سأتمكن مع اللاعبين من اخراج الفريق من هذا الوضع".

تمكننا في النهاية من الفوز بأربع مباريات من الخمس المتبقية. صعدنا عدد من اللاعبين ولم تكن الجماهير ترغب في رحيلنا ولكن في النهاية تمكنت من تنفيذ المهمة. بعد مرور خمسة أيام تلقيت اتصالا من خوليو أليجرى، أحد قيادات استوديانتيس ليطلب مني تولي تدريب الفريق. البعض قال أنني كنت لا أزال شابا لكي أسيطر على هذا الفريق كما حدث سابقا ولكن الزمن عاد ليمنح كل ذي حق حقه: توجنا بالبطولة.

في بعض الأحيان يجب ألا تستمع لما يقوله الآخرون. اذا ما استمعت كثيرا لمن حولك ربما تصاب بالجنون. الاستماع للأراء ووجهات النظر المختلفة شيء جيد ولكن عليك أن تصنع عالمك الخاص وتقرر ما الذي سيفيدك حقا في عملك. عليك دائما أن تسير خلف ما تؤمن به وأن تكون عنيدا بخصوص كل ما تثق به.

--

هذه كانت الحلقة الرابعة من كتاب "تأثير سيميوني – استراتيجية التحفيز".

الكتاب هو سيرة ذاتية يحكيها سيميوني ويترجمها FilGoal.com للمهتمين برحلة التشولو الملهمة.

اقرأ الحلقات السابقة

تأثير سيميوني – (1) كيف تقنع لاعبا بطيئا بأنه سيحقق لقبا لا ينسى

تأثير سيميوني – (2) ركنية روبن كازان و"حكاية" ما قبل النوم

تأثير سيميوني – (3) درس من لاعب والحظ والحكام والنظام

التعليقات