جوارديولا وطرق أخرى للفوز – (6) "مافيا يوفنتوس.. ورفضي جنون ريال مدريد والمنشطات"

الأحد، 10 يناير 2016 - 12:49

بقلم : محمد الفولي

كان عمر بيب حينما لعب أخر مباراة له مع برشلونة 30 عاما. ورغم هذا تلقى بعد الرحيل عروضا من عدد من الأندية الكبرى مثل ميلان ورما ولاتسيو من إيطاليا وباريس سان جيرمان من فرنسا وأرسنال ومانشستر يونايتد وليفربول وتوتنام من إنجلترا.

لكن جوارديولا كان يأمل في شيء أخر.

كان بيب يرغب في اللعب للنادي الذي أسر خياله وفكره حينما كان طفلا يركل الكرة في قريته وهو يوفتوس الإيطالي، وذلك ليكرر ما فعله مثله الأعلى ميشيل بلاتيني الذي زينت صورته غرفة نومه في بيته بسانتبيدور لسنوات طويلة.

سارت مفاوضات الـ"بيانكونيري" مع بيب في أجواء تشبه أفلام المافيا حيث بدأت القصة بمكالمة تلقاها وكيل اللاعب، كما يقص بنفسه، مفادها أن يوفنتوس يرغب في عقد اجتماع سري معه حيث قبل الأمر.

توجه الوسيط لاصطحاب جوزيب ماريا أوروبيتج من برشلونة في السيارة التي قادها من طرق فرعية حتى الوصول لمدينة تورينو.

مافيا

لم يتجاذب الاثنان أطراف الحديث حتى وصلوا في النهاية لنزل متواضع واقع على حدود المدينة الايطالية حيث التقى أوروبيتج بالمدير العام ليوفنتوس لوشيانو مودجي.

اللقاء داخل مطعم على مائدة مستديرة، كان مودجي محاطا بأفراد حراسة شخصية حليقي الرأس يرتدون نظارات قاتمة اللون، فيما كانت النادلة تقدم أطباق المعكرونة دون قول شيء.

يأمر مودجي حرسه بالرحيل ليتوصل لاتفاق مع أوروبيتج في مدة لم تتعدى ساعة إلا ربع، لكن دون التوقيع على أي وثيقه، حيث تزامن هذا مع وجود رغبة كبيرة من سير اليكس فيرجسون مدرب مانشستر يونايتد في التعاقد مع جوارديولا ولكن الأخير كان متعلقا باليوفي.

ظل الأمر عالقا طيلة ثلاثة شهور بعد ذلك الاجتماع الذي انعقد في أجواء تليق بعصابات المافيا في الوقت الذي استمرت فيه العروض في الوصول من إنتر وليفربول وتوتنام.

جوارديولا كان يرفض، ثم أنكر يوفنتوس فجأة حدوث مثل هذا اللقاء حتى بكل ما فيه من حراس شخصيين وأطباق معكرونة ونادلة لا تتحدث، ولكن هذا التحول لم يأت من فراغ.

الجنون!

الحقيقة ان يوفنتوس كان أقال مدربه كارلو انشيلوتي الذي كان أعطى الضوء الأخضر للتعاقد مع بيب، ولكن خليفته مارشيلو ليبي كان يشك في جدوى الصفقة.

يأتي هذا بجانب أن يوفي تمكن من بيع زين الدين زيدان لريال مدريد في أغلى صفقة بتاريخ الكرة حينها لتتغير أولويات النادي الذي قرر البدء في بناء فريق شاب والتعاقد مع بافيل نيدفيد وليليان تورام ومارسيلو سالاس وجانلويجي بوفون.

بعد انتهاء قصة يوفنتوس بدأت العروض تصل من أماكن أخرى ومن ضمنها ريال مدريد ولكن رد جوارديولا كان حاسما ولم يستغرق سوى دقائق وهو "هل أصبتم بالجنون؟".

كلما مر الوقت، كلما تزايدت صعوبة تسجيل اسم جوارديولا في قائمة فريقه الجديد بدوري الأبطال ولكن بيب كان قريبا من التوقيع لأرسنال إلا أن فشل صفقة انتقال باتريك فييرا لريال مدريد تسبب في إجهاض هذه الفرصة.

كانت فترة صعبة بالنسبة لبيب، حيث تعرض فيها لحملة في الصحافة الكتالونية من بعض خصومه الذين قالوا إنه لن يتمكن من التعاقد مع أي ناد كبير وذلك في ظل مساعي يفترض أنها جاءت من قبل الادارة لمواجهة الانتقادات التي تعرض لها النادي بعدما ترك قائده يرحل دون الحصول على أي استفادة مادية منه.

بعد انتهاء فترة القيد في دوري الأبطال ودون التوصل لأي اتفاق مع نادي كبير، اضطر بيب لقبول عرض بريشيا الإيطالي الذي أوضح مدربه كارلو ماتسونى من اللحظة الأولى أن جوارديولا أصبح في صفوف الفريق برغبة من رئيس النادي وليس منه.

قبل بيب الأمر وقرر تجربة حظه وإثبات نفسه مجددا.

ووقع جوارديولا العقد مع بريشيا في 26 سبتمبر 2001 بعد انطلاق الموسم ولكنه لم يخض مباراته الأولى مع الفريق الإيطالي إلا في 14 أكتوبر أمام كييفو فيرونا.

يقول صديق جوارديولا المدرب خوانما ليو: "بعد مرور شهر ونصف على التواجد في بريشيا، اصبح الفريق الإيطالي يلعب بطريقة بيب وليس التي كان المدرب يرغب فيها، ولكن ماتسوني كان ذكيا بالدرجة التي جعلته لا يعارض أفكار الوافد الجديد".

"في يوم من الأيام طلب بيب من اللاعبين والجهاز الفني مشاهدة مقاطع فيديو للفريق الذي سيواجهونه في المباراة المقبلة، وهذا بالمناسبة شيء لم يكن سبق وأن حدث في بريشيا".

كان أفضل ما فعله بيب حينها هو أنه لم ير اللعب في هذا النادي الإيطالي المتواضع كخطوة للوراء في مسيرته بل فسر الأمر كفرصة للتعرف على أسلوب جديد في اللعب وبالتالي إثراء معرفته التكتيكية.

كان بيب قرر في تلك الفترة أنه ينوي الاستمرار مستقبلا في عالم الكرة بعد الاعتزال، حيث كانت تلك اللعبة هي عشقه وشغفه وهاجسه، فيما ان الـ"كالتشيو" كان يعتبر حينها موطن التكتيكات الدفاعية الأكثر تقدما منذ ميلان أريجو ساكي، لذا فلم يوجد مكان أفضل من هنا لتعلم تلك المفاهيم والأساليب المختلفة.

كل ما حدث في مسيرة جوارديولا قبل ذلك من إصابات طويلة أو رحيل عن برشلونة أو أي هزيمة لا يمكن مقارنته بتلك الأزمة التي بدأت حينما جاءت نتائج تحليلات الكشف عن المنشطات التي خضع لها جوارديولا عقب مواجهة مع بياشينزا إيجابية في 21 أكتوبر 2001.

وظهرت نفس النتيجة مجددا بعد مواجهة لاتسيو في الرابع من نوفمبر من نفس العام.

محامي جيد

وكانت التحليلات تظهر وجود نسبة مرتفعة من وجود هرمون الناندرولون البنائي والذي يتمتع بنفس خصائص التستوسيرون ويعمل على زيادة القوة والمقاومة، حيث اتصل بيب حينها بصديقه المقرب مانيل استيراتي البطل الأوليمبي في كرة الماء والمقيم بإيطاليا.

"هل تعرف محام جيد؟ أعتقد أنني سأحتاجه".. كان هذا هو بداية الحوار بين بيب واستيراتي الذي توجه في اليوم التالي لمقابلة صديقه معتقدا أنه سيكون في حالة إحباطة وبدأ يجهز في ذهنه خطابا عن الظلم والعدالة وتلك الأمور.

ولكنه حينما وصل لجوارديولا وجده كما كان دائما: يفكر في الخطوات التي يتوجب عليه اتخاذها.

الحقيقة أن جوارديولا لم تغفل له عين في الليلة السابقة حيث ظل طوال الليل يبحث عن وقائع مشابهة لوضعه الحالي ويقرأ أطروحات قانونية حول كيفية التعامل، لأنه لم يقبل الاستسلام.

كان يعلم أنه لم يتناول أي عقاقير أو هرمونات، حيث كان يظن أنه يجب عليه القيام بهذه الأمور دون الاعتماد على المحامين بصورة كاملة، ففي النهاية الأمر يتعلق به وبمسيرته المهنية.

مرت الأيام وتلقى بيب مكالمة من استيراتي وهو يخبره أنه وبطريق الصدفة قرأ نبأ يتحدث عن اكتشاف جديد بخصوص الحالات الإيجابية لهرمون الناندرولون.

فرغم من أن الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات تقول إنه اذا ما كان مستوى تلك المادة أقل من 2 نانوجرام لكل مليمتر في اختبارات البول، فإنه يمكن اعتبار الأمر غير كاف لاإبات تعاطي المنشطات.

لكنه وفقا للدراسة الجديدة فإن الجسد البشري بإمكانه إنتاج حتى تسعة نانوجرام لكل مليمتر، وهي النسبة التي كانت موجودة في نتائج فحوصات بيب.

كان لهذه المعلومة الجديدة دورا حاسما في العملية القضائية الشائكة التي خاضها جوارديولا ووضعت قوته الذهنية قيد الاختبار حيث كان يكرر عبارة واحدة أمام الصحافة الإيطالية في الوقت الذي استغرقته تلك المعركة "أنا مقتنع بأنني سأفوز".

وكان بيب عوقب بالإيقاف لأربعة شهور، ولكنه كان عازما على السير في الطريق الذي سيؤدي في النهاية للبراءة حيث لم يقبل أبدا بالاتهامات الموجهة ضده. وقال: "لا يمكن للنظام القضائي الإيطالي أن ينظر حتى في وجهي، أعرف أنني بريء".

وهل أحتاج لمنشطات؟

أصدرت محكمة بريشيا في مايو 2005 حكما بغرامة قيمتها ألفي يورو على بيب مع السجن مع إيقاف التنفيذ لمدة سبعة أشهر لأنه لم يكن لديه سوابق ولكن الضربة كانت قوية بالنسبة لجوارديولا الذي قال "هل تعتقدون حقا أنني في حاجة لمواد ممنوعة للعب ضد بياتشينزا؟".

في النهاية وفي أكتوبر 2007 بعد أن كان بيب رحل عن بريشيا واعتزل لعب كرة القدم من الأساس برأت محكمة الاستئناف بيب من أي تهم بعدما ثبت علميا أن نتائج الفحوصات التي كان يرتكز عليها الاتهام كانت تخلو من المصداقية.

وقال بيب في تعليقه على هذا الموضوع حينما سأله عنه الصحفي رامون بيسا: "أغلقت هذا الملف وسأحتفظ به في صندوق الذكريات، لا أرغب في الحديث عن الموضوع، ولكن اذا ما كان هناك أحد يرغب في التحقيق، فكل شيء مسجل ويمكنه تحليله كما يشاء".

كان بيب في قرارة نفسه يشعر براحة كبيرة خاصة وأنه كان يشعر بأن الأمر بمثابة لضربة لسمعته، ولكنه في النهاية تمكن من تبديد الشكوك وتطهير صورته من أي شوائب.

--

يستعرض FilGoal.com كتابا جديدا.. "طريقة أخرى للفوز" الذي يحكي حياة المدرب الإسباني بيب جوارديولا منذ طفولته وحتى رحيله عن برشلونة.

هو واحد من انجح الكتب الرياضية في السوق الإسباني وترجم لعدة لغات، ويقدم الكثير من القصص والحكايات عن مسيرة جوارديولا ولاعب والصعوبات التي واجهها بجانب شرح الكثير من الجوانب الفنية والتكتيكية في مسيرته التي قادته ليصبح واحد من أبرز المدربين في الوقت الحالي، هذا بجانب حوارات مع المدرب نفسه وعدد من لاعبيه ومنافسيه.

وألف الكتاب الصحفي الإسباني المخضرم جييم بالاجيه، صاحب الخبرة الكبيرة في المجال الرياضي بالعمل مع كل من (سكاي سبورتس) و(آس) و(تيليجراف) و(بليتشر ريبورت).

اقرأ الحلقة الأولى.. (اضغط هنا)

اقرأ الحلقة الثانية.. (اضغط هنا)

اقرأ الحلقة الثالثة.. (اضغط هنا)

الحلقة الرابعة.. (اضغط هنا)

الحلقة الخامسة.. (اضغط هنا)

التعليقات