مدن كرة القدم: السويس

الثلاثاء، 08 نوفمبر 2016 - 17:03

بقلم : خالد وهبة

السويس لم تبتعد عن كرة القدم حتى في الحرب

زيارة واحدة فقط ستكفيك للتعرف على العلاقة الخاصة بين طائر الغراب وهذه المدينة التي يغزوها بكثافة مخيفة لسبب غير معلوم، لكن غروب الشمس في منطقة بورتوفيق على القنال ليس كغروب الشمس في مدن ومناطق كثيرة داخل الجمهورية المصرية.

مع وجودها شرقي الدلتا، أقصى غرب خليج السويس، كتب عليها أن تكون مناضلة بالفطرة والحارس الأمين لبوابة مصر الشرقية نظرا لموقعها الاستراتيجي الفريد. نحن الآن في مدينة السويس!

خلال القرن الماضي، لم تعرف العاصمة، القاهرة، أو حتى الإسكندرية وهي ثاني أكبر المدن المصرية، أية معارك كبرى لوجودهما بعيدا عن مناطق الاشتباك في الشرق حيث مدن القناة. بورسعيد، الإسماعيلية، والسويس بالتأكيد.

تاريخ المدينة مع الحرب والمقاومة يعود لحرب فلسطين في 1948. لم تكن السويس هي المستهدفة هذه المرة، بل كانت نقطة انطلاق العسكريين والمدنيين نحو الأراضي الفلسطينية التي تم الاعتداء عليها. لم تكن مجرد نقطة عبور عادية، بل كانت نقطة الارتكاز والتنظيم والدفع بالفدائيين إلى الأرض المحتلة.

ان وجود السويس في وسط معسكرات الاحتلال البريطاني كان مصدر ازعاج بالغ، حتى بعد اندحار القوات العربية وهزيمتها في حرب 48، ثبتت المدينة على موقفها وبدأت رحلة الصمود حتى عام 1973 على مراحل مختلفة.

في نوفمبر 1951 انسحب الكثير من المصريين العاملين في معسكرات الجيش البريطاني من مواقعهم في القناة ووصل عددهم في السويس فقط إلى 9000 عامل. في ذات الوقت، قرر 1200 يوناني من المقيمين في مصر ترك العمل تضامنا مع العمال المصريين.

ما حدث خلال ديسمبر 1951 ويناير 1952 أو ما عرف لاحقا بـ "معارك السويس" كان بداية لعصر جديد ستمر به الجمهورية المصرية. معارك ضارية مع الانجليز أشهرها معركة "كفر أحمد عبده".

كل ما فات يعكس ما مرت به السويس خلال ظروف الاحتلال والحرب ووجود العمال الأجانب في هيئة قناة السويس بكثافة أو شركات البترول، الا أنه أظهر أيضا أجمل ما فيها عن طريق كرة القدم، التعايش. لقد ساهم الأجانب بشكل كبير في انتشار كرة القدم في السويس سواء كانوا جنود الاحتلال أو موظفي مرفق القنال أو غيرهم من الجاليات الأجنبية الأخرى.

شُيّد أول ناد اجتماعي رياضي في السويس بضاحية بورتوفيق على الجانب الغربي من القناة، أسست هيئة قناة السويس هذا النادي وكان اسمه (يونيون سبورتيف) وأقيم في الأساس من أجل موظفي الشركة الذي كان أغلبهم من الفرنسيين، بالإضافة إلى جنسيات أخرى وبعض المصريين. ثم بدأت كرة القدم تغزو المدينة.

قبل أن يتحرك جمال عبد الناصر والضباط الأحرار في طريق عزل الملك فاروق وإجلاء الانجليز كان عدد الأندية في السويس قد وصل إلى ما يقارب 22 ناديا تشكلت هوياتهم باختلاف أصولهم.

فبالإضافة إلى نادي يونيون سبورتيف كان هناك أندية مثل البوليس، المعمل، السماد، النوبة، الاتحاد النوبي، الاتحاد اليوناني الذي كان يضم خريجي المدارس اليونانية في السويس، نادي يونان السويس الذي كان مخصصا للعاملين في حوض بناء السفن، نادي الجالية الفرنسية الخاص بالعاملين في مرففق القنال، النادي المختلط الذي تشكل من أبناء الجالية المالطية وموظفي البنوك من المصريين وكان مديره واحدا من كبار خواجات المدينة (الخواجة كولماكس الجواهرجي).

هناك أيضا أندية الجالية الإنجليزية والجالية الإيطالية، نادي الشباب القبطي، النهضة، الأولمبي الرياضي. وفي 1942، أي قبل ظهور الضباط الأحرار على الساحة بحوالي عشر سنوات، تم دمج ناديي النهضة والأولمبي ليظهر نادي اتحاد السويس.

أما أول نادٍ رياضي شامل فقد تأسس في 1947 بفضل جهود أحد موظفي شركة البترول، علي افندي فايز، مع بعض الرياضيين الشباب ومجموعة من طلبة المدارس وكان اسمه "نادي الطلبة" الذي تحوّل فيما بعد إلى نادي السويس الرياضي، في 1948 تحديدا. ضم هذا الكيان بين جنباته ألعاب كثيرة بجوار كرة القدم منها المصارعة والملاكمة والكرة الطائرة والتنس.

هل تعرفون أغنية "اه يا لاللي" من تراث القنال والسمسمية؟

ظهرت هذه الأغنية للمرة الأولى بعد هتاف جماهير السويس الرياضي في المدرج "اه يا لاللي يا لاللي يا لاللي.. يابو العيون السود يا خلّي". هتاف كان موجها في الأصل للاعب حسن دنقل فرج الذي كان "اللالي" هو اسم شهرته، وكان من أمهر لاعبي خط القناة في ذلك الوقت وأسطورة رياضية في السويس إلى وقتنا هذا.

كان مميزا أيضا بربط منديل حول رأسه مما جعل مظهره فريدا للغاية داخل الملعب.

ان الاندماج الذي نتج عنه ظهور نادي اتحاد السويس وتحوّل نادي الطلبة إلى السويس الرياضي سيكون هو الفصل الثاني من حكاية المدينة الساحلية مع كرة القدم، فكلاهما تأسس بهوية مصرية خالصة وبعيدة أيضا عن الشركات والمؤسسات مما جعلهما يكتسبان مكانة كبيرة في المدينة. اتحاد السويس كان قد شارك في الدوري العام المختلط في بداية الأربعينيات، أما الظهور الأول للسويس الرياضي جاء متأخرا قليلا حيث شارك للمرة الأولى في موسم 1957/58.

غادر الانجليز مصر وفقا لبنود اتفاقية 19 أكتوبر 1954 التي تعرف باتفاقية الجلاء، كما تفككت قاعدة قناة السويس التي كانت في ذلك الوقت أكبر قاعدة عسكرية في العالم حيث ضمت حوالي 80 ألف عسكريا باختلاف رتبهم.

تبع ذلك بالتأكيد رحيل الكثير من الأجانب الذين عملوا في معسكرات الاحتلال بمدن القناة الثلاث: بورسعيد، الإسماعيلية، والسويس. لتشهد السويس بذلك مرحلة جديدة في علاقتها بكرة القدم بعد تفكك أغلب أنديتها التي ظهرت للعلن بفضل الأجانب الذين اقاموا بالمدينة خلال فترة الاحتلال، ويتحول الأمر لصراع محلي خالص بين اتحاد السويس والسويس الرياضي.

في كل مدن كرة القدم يوجد صراع واحد على الأقل بين الناديين الأكثر شهرة داخل أي مدينة. لا يختلف الأمر كثيرا في السويس التي شهد سكانها على صراع رياضي-اجتماعي بين ناديي السويس الرياضي واتحاد السويس.

هناك خلفية اجتماعية للصراع بالطبع، لدينا نادي اتحاد السويس الذي كان مقره في قلب المدينة، حي الأربعين، ويعتبر نوعا ما وجهة الطبقة الفقيرة من المدينة وعمال المصانع. في المقابل، كان نادي السويس الرياضي قبلة للأغنياء نظرا لموقعه الجغرافي بحي السويس الذي يقع على البحر.

الغريب في الأمر أن السويس خلال أكثر فتراتها السيئة أثناء الاحتلال والحرب عرفت حالة سلام وتعايش بين كل الفئات المختلفة كليا عن بعضها كما ذكرنا سابقا، إلا أن كل هذا قد تهدم ليكشف عن الوجه التنافسي لكرة القدم.

ظلت المدينة تعاني خلال السنوات الأولى من ستينيات القرن الماضي ويمزقها هذا الصراع الطبقي قبل أن يكون صراعا كرويا، امتد الأمر لأعمال شغب داخل وخارج الملاعب بين جمهوري الفريقين مما استلزم قرارا راديكاليا من الحكومة المصرية.

هناك الكثير من عمليات الاندماج التي تمت بين أندية كرة القدم المختلفة في التاريخ، لكن دمج عدويين لدودين لينتج عنهما كيانا واحدا هو أمر غريب بعض الشيء، لكنه حدث في السويس بجميع الأحوال.

قرر وزير الدولة للشباب والرياضة بنفسه دمج اتحاد السويس والسويس الرياضي، وأعلن أيضا عن مجلس إدارة مؤقت لهذا النادي الجديد في 22 مايو 1967. مرحلة جديدة تماما تبدأ الآن في المدينة بعد اختفاء الصراع الكروي داخلها، في المقابل، ظهر لنا نادي منتخب السويس الذي نعرفه الآن في 2016 ليصبح الممثل الوحيد للمدينة الذي يجتمع خلفه كل الطبقات الاجتماعية.

وعلى الرغم من ظهوره للعلن في 1967، الا أن تاريخ إشهار النادي يعود للعام 1923 وهو العام الذي أنشئ فيه نادي اتحاد السويس.

احتاج النادي الجديد لسبعة أعوام حتى يظهر في الدوري الممتاز خلال موسم 1974/75 نظرا لحالة المدينة خلال الفترة ما بين انشائه وحتى المشاركة الأولى.

بداية من نكسة يونيو 1967 وحتى حرب أكتوبر 1973، عرفت السويس حالة من عدم الاستقرار الدائم وتهجير الكثير من سكان مدن خط القناة وصل عددهم خلال تلك الفترة إلى مليون مهاجر. في أجواء وأوقات مثل هذه، لا مجال للعب كرة القدم بالتأكيد.

على الرغم من أجواء الحرب، ظل سكان المدينة يمارسون كرة القدم في شوارع المدينة الخالية.

عندما استعادت مصر السيطرة كليا على خط القناة بفضل خسارة إسرائيل في الحرب، وعادت الأجواء للاستقرار مع كل صباح ينتهي، عاد النشاط الكروي وعاد منتخب السويس للظهور من جديد في موسم 1974/1975. كان سكان المدينة في حاجة ماسة للإيمان بشيء بعد أوقات الخراب والدمار وكانت كرة القدم بمثابة طوق النجاة متمثلة في منتخب السويس.

لم يظهر أي منافس تقليدي للفريق داخليا، فقط أندية مملوكة لشركات مثل غزل السويس، أسمنت السويس، وبتروجيت الذي يلعب حاليا في الدوري الممتاز. الا أن كل هذه الأندية لعبت في الدرجة الأولى خلال الفترة التي كاك يقبع فيها منتخب السويس في الدرجات الأدنى.

هبط النادي إلى الدرجة الثانية بعد نهاية موسم 1999/2000، وتظل اللقطة الأسوأ في هذا الموسم والتي لا ينساها أنصار منتخب السويس حتى اليوم هي مباراة الإسماعيلي التي خسرها فريق مدينة السويس 5-1. مباراة عادت بالفريق للدرجة الثانية ولم نره منذ هذا اليوم.

لا توجد مباراة تصف حب المدينة لكرة القدم أكثر من هذا اللقاء الذي شهد مدرجات السويس بكامل طاقتها الاستيعابية، هناك أيضا مباراة الفريق ضد كروم جناكليس في الدرجة الثانية التي شهدت نفس المشهد الرائع للجمهور.

ان ما حدث في ظهر السابع عشر من أغسطس عام 2000 عقب خسارة منتخب السويس من الإسماعيلي تمخض عنه عداوة كروية جديدة، عداوة مع مدينة الإسماعيلية وفريق الإسماعيلي الذي تسبب مباشرة في مغادرة ممثل السويس من الدوري الممتاز.

نجد أن كل زيارات الفريق في الدرجة الثانية لمدينة الإسماعيلية لمواجهة أي من فرق المدينة يصاحبها دوما هتافات عدائية قد يصل بعضها إلى هتافات قد تكون متطرفة لها علاقة بظروف المدينة خلال الحرب.

الا أن ما حدث عقب هذا اليوم أيضا لم يصرف الجماهير عن المدرجات، ظلت الجماهير تملأ مدرجات ستاد السويس في كل موسم معبرة عن حبها لفريقها ومساندته له، وعندما وصلت حركة الأولتراس في مصر كانت مدينة السويس من الملتحقين بالركب في عام 2010 عندما أسس بعض العشاق مجموعة "فدائيو السويس" التي ظهرت للمرة الأولى في سبتمبر 2010.

وربما يختصر شعار المجموعة كل ما نتحدث عنه من علاقة المدينة بالحرب وكرة القدم: روح المقاومة عادت من جديد.

(ساهمت كتابات ومؤلفات عديدة للكاتب والمؤرخ حسين العشي في كتابة هذا المقال)

التعليقات