حكاية منقذ تشيلسي – موزيس الذي فقد عائلته بسبب حرب الأديان

الإثنين، 07 نوفمبر 2016 - 11:29

بقلم : إسلام محمود

فيكتور موزيس

تشتهر قارة إفريقيا بالكثير. الأنهار والغابات الواسعة. الأحجار الكريمة. والحروب الأهلية التي أراقت الدماء وتسببت في المجاعات وحصدت الكثير من الأرواح التي لم تقترف أي ذنب سوى وجودها في بؤرة حروب فأُزهقَت ما بين الاحتلال والصراعات الطائفية.

فيكتور موزيس

النادي : تشيلسي

أن تكون طفلا نشأ في تلك الظروف في إفريقيا فهي مأساة، لكن أن تكون طفلا عائدا لبيتك في الظهيرة لتجد والديك ملقيان على الأرض. غارقين في دمائهما. جدران منزلك الصغير ممتلئة بالثقوب جراء طلقات نارية عديدة فتلك كارثة ومشهد لن يمكنك محوه من مخيلتك ما حييت. وهنا تبدأ حكاية فيكتور موزيس.

عهد جديد

ننتقل لصيف 2016. وقع اختيار تشيلسي الإنجليزي على الإيطالي أنطونيو كونتي ليكون مدربا للفريق اللندني مع بداية الموسم خلفا للمدرب المؤقت جوس هيدينك وأعلن عن ذلك أثناء يورو 2016، قوبل الأمر بتهكم من وسائل الإعلام التي انتقدت أسلوب المدرب الدفاعي وخطته المعتادة 3-4-3 وكيف يمكن أن تنجح في الدوري الإنجليزي في وجود عباقرة التكتيك الحديث كبيب جوارديولا ويورجن كلوب.

رضخ المدرب الإيطالي للضغوط الإعلامية في البداية ولعب بطريقة 4-5-1 المعتادة في الدوري الإنجليزي. والنتائج كانت جيدة بتحقيق الفوز في 3 مباريات متتالية ثم تعادل أمام سوانزي قبل السقوط أمام ليفربول وأرسنال. دربي لندن مع المدفعجية كان جرس إنذار لكونتي وكارت أخضر سمح له بتطبيق خطته ولو على سبيل التجربة.

في اللقاء التالي مدرب يوفنتوس وإيطاليا السابق يعود لطريقته المفضلة. 3-4-3 كلاسيكية. كل اللاعبين في مراكزهم المعتادة إلا اسم واحد فقط أثار الاستغراب هو النيجيري فيكتور موسى، بطل حكايتنا أو كما تنطق في إنجلترا فيكتور موزيس.

موزيس عاد لتشيلسي بداية الموسم من إعارته الثالثة والتي كانت في وست هام. شارك في 50 دقيقة فقط موزعة على الـ5 مباريات الأولى ولم يشارك في لقاء أرسنال. سجل هدفا في شباك بيرنلي وهو لاعب يعتبر احتياطيا ومفيد للمداورة في أفضل الظروف واستغرب البعض عدم خروجه لإعارة جديدة خصوصا في سن الـ25.

كونتي كان له رأيا آخر فأشرك موزيس –المهاجم والجناح في الأصل- كظهير أيمن ولاعب ويجان السابق لم يخيب. 5 لقاءات بـ5 انتصارات منها سحق للثنائي مانشستر يونايتد وإيفرتون برباعية وخماسية دون رد.

16 هدف دون اهتزاز الشباك. تألق هجومي وصلابة دفاعية ذهبت بتشيلسي لصدارة الترتيب في الجولة الـ11.

هدف موزيس أمام بريستول روفرز

"موزيس كان مفاجأة سارة لأننا اعتدناه كجناح هجومي. في بداية الموسم أخبرت النادي أنني أود أن أشاهده يلعب لأقيمه وفقا لمنظوري الخاص ولم يخيب ظني كلما اعتمدت عليه. أظن أنه يلعب بشكل رائع ودوره مهم للغاية في خطتي. أطلب من أظهرتي الكثير دفاعيا وهجوميا لذا يجب عليهم أن يمتلكوا المهارة واللياقة المطلوبة وهو يمتلكهم بالفعل". – أنطونيو كونتي.

موزيس نفسه كان متفاجئا من تألقه والإشادات التي تلقاها من جمهور تشيلسي ومن مدربه ومن زملاؤه اللاعبين برغم أداؤه القوي ومرونته التكتيكية التي سمحت لمدربه الإيطالي بتطبيق خطته المحببة التي نجحت نجاحا منقطع النظير.

"كونتي الآن يعطي الجميع فرصة حتى الصغار منهم. إيمانه بي يعطيني المزيد من الثقة. لا نرغب في تكرار ما حدث الموسم الماضي لذا يعمل الجميع بجد. نتحدث كثيرا وندعم بعضنا حال ارتكبنا الأخطاء.

لم ألعب في هذا المركز من قبل. أينما يطلب مني المدرب اللعب سألعب. أستمع لتعليماته وأنفذها في الميدان. أود أن أصبح أفضل في كل مباراة. كلما لعبت لقاءات أكثر في هذا المركز كلما زادت خبرتي وتطور أدائي.

كونتي يحذرنا بشكل يومي في التدريبات من الهفوات الدفاعية ويطالبنا بالتركيز في كل لحظات اللقاء. الأمور تسير بشكل جيد مؤخرا لكن لا ينبغي أن ننجرف بعيدا لتحقيق الفوز في عدة لقاءات وأن نستمر في التحسن". – فيكتور موزيس.

الصدمة والهروب من جحيم الحرب

عودة للماضي. سنة 2002 وبالتحديد في مدينة كادونا النيجيرية. الحرب الطائفية بين المسلمين والمسيحيين والصراعات الدينية نتج عنها الكثير من الضحايا دون ذنب. اثنان من هؤلاء الضحايا كانا القديس أوستين موزيس وجوزفين. والد ووالدة فيكتور موزيس. صدمة مروعة لطفل في الثانية عشر أن يفقد والديه بتلك الطريقة لكنه نجا من الموت بأعجوبة وبعدما استطاع أقاربه توفير مبلغا كافيا من المال فر إلى إنجلترا هربا من جحيم الحرب لتتبناه أسرة إنجليزية في جنوب لندن وتنقلب حياته رأسا على عقب.

"لعبت كرة القدم في صغري دون حذاء. فقط مجموعة من الأطفال الحفاة يركضون خلف كرة مهترئة في شوارع نيجيريا. لكن الكرة ساعدتني على الاستقرار في موطني الجديد"- موزيس بعمر 16 سنة.

تميز فيكتور في كرة القدم منذ الصغر، لعب في مركز قلب الهجوم والتحق بفريق كريستال بالاس بعمر 14 عاما بعدما شاهده كشافو الفريق مع نادٍ للهواة لكن لعدم وجود ناد لتلك الفئة العمرية أرسل بالاس موزيس لمدرسة تدعى "ويج فيت" تعد ضمن الأكثر تكلفة في لندن ليكمل دراسته ويلعب لفريق المدرسة الذي عقد شراكات كروية مع أندية لندنية مثل كريستال بالاس وتشارلتون وتشيلسي. تألق موزيس جعله قائدا للفريق الذي فاز بكأس المدارس لتلك الفئة العمرية، المباراة النهائية كانت أمام فريق جريمبسي الذي يرتدي القمصان الحمراء. ويج فيت فاز باللقاء بخمسة أهداف سجلها جميعا موزيس لدرجة جعلت صحيفة جريمبسي المحلية تنشر تقرير المباراة بعنوان "موسى يشق البحر الأحمر مجددا".

"موزيس أفضل مهاجم رأيته في تلك الفئة العمرية. إنه قوي وسريع ويسجل عندما يريد. يملك عقلية لاعب محترف بالفعل. إذا سجل 4 أهداف وأضاع فرصة واحدة فتلك الفرصة ستصيبه بالأرق طوال الليل ليفهم كيف أضاعها ويخبر نفسه أنه لن يفعلها مجددا. سيصبح لاعبا كبيرا" – كولين بيتس – كشاف ولاعب سابق لتشيلسي.

وفي سن السادسة عشر لعب موزيس مباراته الأولى مع الفريق الأول لكريستال بالاس في دوري الدرجة الأولي الإنجليزي "تشامبيونشيب" كما فاز بالحذاء الذهبي عام 2007 في مشاركة مع منتخب إنجلترا تحت 17 سنة بعدما توج بلقب هداف البطولة. وإجمالا لعب موزيس 69 لقاء بقميص كريستال بالاس سجل خلالهم 11 هدف قبل أن يضطر بالاس لبيعه لويجان بسبب ضائقة مالية.

"بناء على المهارة التي يمتلكها وعمله الجاد فأنا اتطلع لمشاهدته يلعب في الدوري الإنجليزي" – نيل وارنوك بعد انتقال موزيس لويجان.

حلم تحول لكابوس

موزيس لعب مع ويجان سنتين. 80 لقاء سجل خلالهم 9 أهداف مما لفت أنظار تشيلسي الإنجليزي الذي قرر ضمه في صفقة بلغت 16 مليون جنيه إسترليني. وقتها اللاعب الصغير كان من أفضل المواهب الصاعدة في الدوري مما جعل منتخبي نيجيريا وإنجلترا يتصارعا لجعله يلعب بقميصهما قبل أن يختار موطنه الأصلي ليمثله دوليا.

"أينما كان والداي الآن فينبغي أن يكونا فخورين بي، أن ينظرا إلي بأعين فخورة تملأها السعادة. لقد كانت رحلة طويلة للغاية منذ أن تركت نيجيريا. أرغب في مواصلة العمل الجاد وأن أكون قويا داخل الملعب وخارجه. أشكر الله على ما وصلت إليه حتى الآن. الانتقال لتشيلسي هو حلم أصبح حقيقة. ربما إذا واصلت العمل بهذا الشكل سألعب بقميص برشلونة يوما ما". – موزيس بعد انتقاله لتشيلسي.

43 لقاء –الأكثر هذا الموسم- و11 هدفا لم تكن كافية لموزيس الشاب للبقاء في تشيلسي ومواصلة حلمه. وفي ظل وجود لاعبين مثل إيدين أزار وأوسكار وويليان في مركزه فكان الحل هو الإعارة. والإعارة في تشيلسي بشكل كبير تعني أنك لن ترتدي قميصه الأزرق مجددا كما حدث مع الكثير من الصغار الذين يتألقون حاليا في أندية كثيرة في الدوري الإنجليزي.

إعارة أولى لليفربول وهدفان في 22 مباراة، ثم لستوك سيتي و4 أهداف في 23 لقاء وأخيرا في وست هام وهدفان في 26 لقاء هي حصيلة السنوات الثلاث الأخيرة لموزيس.

وبرغم أدائه الجيد مع تلك الفرق لم يتقدم أحدها بأي عرض رسمي لضمه بشكل نهائي –ولا يستمر- موزيس في صفوف تشيلسي.

أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا

"سعيد بعودتي. لعبت بشكل جيد في موسمي الأول في تشيلسي لكنني لم أحصل على فرصة بسبب تعاقب المدربين.روبيرتو دي ماتيو ورافاييل بينيتيث لم يستمرا كثيرا. كما أن جوزيه مورينيو لم يتحدث معي أبدا بعد قدومه وعلمت في قرارة نفسي أني لست ممن سيعتمد عليهم في خطته وقررت الرحيل.

"انتظروا المزيد مني. ألعب منذ فترة كبيرة لكنني أشعر أني بدأت للتو. حان الوقت لأثبت أقدامي كلاعب من الطراز الرفيع في فريق منافس. سأظل أقاتل طالما آمن مدربي بي". – موزيس بداية موسم 2016\2017 مع أنطونيو كونتي.

هدف موزيس في ليستر سيتي

3 أهداف وصناعة هدف و7 فرص ودقة تسديدة تبلغ 83% هما حصيلة موزيس الهجومية، دفاعيا فهو يفوز بـ55% من تدخلاته الأرضية والهوائية. يمرر بدقة 80%. يسترجع الكرة بمعدل 3 مرات في المباراة ولا يرتكب أخطاء. عدد الأهداف الذي سكن شباك تشيلسي بوجود موزيس أساسيا هو صفر. كما أن الأرقام لا تعبر عن اداؤه بشكل كامل.

"هو أعظم قصة نجاح لتشيلسي هذا الموسم. كونتي طلب منه أن يلعب في غير مركزه بمسؤولية أكبر. في مباراة مانشستر يونايتد رأيت موزيس في منطقة جزاؤه أكثر من منطقة جزاء الخصم. يعود للتغطية الدفاعية ويفوز بالتدخلات أرضا وجوا كأنه مدافع منذ الأزل. مركز الظهير في خطة 3-4-3 لا يتطلب فقط لياقة كبيرة لكنه يحتاج للذكاء. ينبغي أن تعرف ما هو الوقت المناسب لتشارك هجوميا وتصبح جناحا وما هو الوقت المناسب للارتداد الدفاعي لتصبح ظهيرا. موزيس يؤدي هذا الدور بشكل رائع الآن". – ماريو ميلكيوت ظهير تشيلسي وويجان السابق.

ملخص أداء موزيس أمام مانشستر يونايتد

لاعب منتخب نيجيريا بدأ للتو في مباشرة حلمه اللندني مع تشيلسي، ومن يعلم ربما يحقق حلمه الأكبر باللعب بقمي برشلونة ليجعل والديه الذين يراقبانه من السماء أكثر فخرا.

“ He, who perseveres conquer” أو "من يثابر يغزو العالم" – شعار مدرسة ويج فيت التي بدأ فيها موزيس مشواره الكروي.

التعليقات