حكاية ناجلزمان - مورينيو الصغير الذي رفض "الجنة" من أجل المجد مع هوفنهايم

الأحد، 06 نوفمبر 2016 - 12:38

بقلم : إسلام محمود

جوليان ناجلزمان

كرة القدم لا تعترف بالعمر، يمكنك أن تتألق في سن الأربعين أو تبدأ مشوارك كنجم في السادسة عشر، الأمر كان مقتصرا على اللاعبين حتى مدة ليست بالقصيرة قبل أن يغير بيب جوارديولا وجيله من المدربين الشباب الصورة المأخوذة عن المدرب بأنه يجب أن يكون صاحب خبرة وسيرة ذاتية طويلة وشعرا أبيض لينجح. الأمر اختلف الآن وتكفي الموهبة وإمكانية النجاح في المستقبل لتضمن لك الوظيفة.

إذا نظرت لجدول ترتيب الدوري الألماني هذا الموسم ستجد بايرن ميونيخ على قمته بالطبع، ليس الأمر بجديد، الغريب أن ريد بول لايبزيج الصاعد هذا الموسم وهوفنهايم الذي يصارع الهبوط دوما يحتلان المركز الثاني والثالث في الدوري، بلا هزيمة حالهما كحال البطل البافاري، هوفنهايم قد يجذب انتباهك أكثر إذا عرفت أن مدربه هو الأصغر بتاريخ الدوري الألماني وعمره 29 عاما فقط!

لاعب ميونيخ 1860 السابق الذي انتهت مسيرته في الملاعب مبكرا بسبب الإصابة وكتبت له إصابة أخرى مسيرة جديدة كمدرب محطم للأرقام التاريخية هو بطل حكايتنا اليوم.

حلم انتهى قبل أن يبدأ

مدافع واعد. من مواليد غرب ألمانيا. تحديدا مقاطعة لاندشبيرج، يدعى جوليان ناجلزمان يلعب في فريق الناشئين تحت 17 عاما في فريق ميونيخ 1860، تدرج في الفئات السنية حتى حان وقت الرحيل فوقع على عقد ينضم بموجبه للفريق الثاني لأوجسبورج عام 2006 ليبدأ رحلته الحقيقة لكن القدر لم يمهله كثيرا فتعرض لإصابة في الركبة قرر بعدها الاعتزال مبكرا بعمر 20 سنة. قصة كروية قصيرة حزينة لكنها كانت شرارة البداية.

ناجلزمان كان زميلا للألماني كريستيان تراش والأمريكي فابيان جونسون لاعبا فولفسبورج وبوروسيا مونشنجلادباخ الحاليين.

"في البداية لم أرغب في فعل أي شيء يتعلق بكرة القدم مرة أخرى، كنت في قمة تعاستي لإنتهاء مسيرتي قبل أن تبدأ بهذا الشكل".

مدرب بوروسيا دورتموند الحالي توماس توخيل كان وقتها مدربا لأوجسبورج وقرر الاستقادة من قدرات ناجلزمان. إن لم يكن داخل الملعب إذا فخارجه وعينه في طاقمه التدريبي كملاحظ ومحلل لأداء الخصوم ونجح في مهمته الجديدة.

"كانت تلك بدايتي في عالم التدريب، تعلمت منه الكثير، لا أعتبره كأبي فعلاقتنا كانت قائمة على المنفعة المتبادلة لأنني كنت مساعده لكنه صاحب التأثير الأكبر في مسيرتي". – ناجلزمان عن توخيل.

ناجلزمان قرر وقتها الاتجاه للتدريب بالفعل ومثلما كانت بدايته كلاعب شاب مع ميونيخ 1860 كانت بدايته كمدرب مع فريق تحت 17 لميونيخ 1860.

عمل ناجلزمان كان محط الأنظار للعديد من الكشافين، عمل لم يعتبره هو بالشيء المميز لكن ذلك لم يكن رأي المسؤولين في هوفنهايم.

الفريق الصغير الذي صعد للدوري الألماني للمرة الأولى بعد انتهاء مسيرة جوليان بعامين. تحديدا عام 2008. وخطف الأضواء من الجميع باحتلاله الصدارة حتى فترة الأعياد قبل أن يتراجع للمركز السابع بقيادة المدرب المميز رالف رانجنيك. تبدأ قصته مع ناجلزمان بتوليه تدريب فريق تحت 16 سنة عام 2011. ثم الفرصة الكبرى عام 2012 بعد إقالة المدرب ماركوس بابل وتعيين فرانك كرامر بديلا له.

أول قرارات كرامر كانت ضرورة وجود ناجلزمان كمساعد في طاقمه. أمر لم يرفضه جوليان بالطبع ليصبح أصغر مدرب مساعد في الدوري الألماني في ديسمبر 2012 في سن الـ25.

"عندما اتصل بي كرامر ضحكت بشدة وظننته يمزح في بداية الأمر، لم آخذ عرضه أبدا على محمل الجد" - يتحدث ناجلزمان عن تجربته كمدرب مساعد للمرة الأولى.

كرامر لم يستمر سوى 28 يوما قبل أن يرحل ويخلفه ماركو كورز الذي استمر بدوره 4 أشهر قبل أن يرحل هو الآخر ليأتي ماركوس جيسدول الذي أنهى الموسم مع الفريق. ناجلزمان احتفظ بمنصبه حتى نهاية الموسم الذي نجا فيه هوفنهايم من الهبوط بأعجوبة.

"كانت تجربة إيجابية للغاية فلم أشهد أي أزمات كروية من قبل مثل الصراع للبقاء" – ناجلزمان عن صراع الهبوط مع هوفنهايم.

جنة بافاريا أم تجربة هوفنهايم؟

إدارة هوفنهايم رأت شيئا مختلفا في ناجلزمان فقررت منحه الفرصة ليصبح الرجل الأول مع فريق تحت 19 عاما لكن شابا مميزا مثله كان من المتوقع أن تكون المنافسة عليه شديدة. وبالفعل تلقى ناجلزمان عرضا من بايرن ميونيخ لتدريب فريق تحت 23 سنة. العملاق الألماني رغب به بشدة لدرجة أن كارل هاينز رومينيجه وماتياس سامر قابلاه بنفسيهما بالإضافة للإسباني بيب جوارديولا مثله الأعلى لإقناعه بتولي المهمة لكنه رفض جنة بافاريا وفضل العمل بعيدا عن الأضواء ليقبل عرض هوفنهايم.

لم يخيب الشاب صاحب الـ26 عاما وقتها الظنون بل فاق كل التوقعات حتى توقعاته الشخصية نفسها ليحقق الدوري الألماني للفئة السنية تحت 19 سنة عام 2014 والمركز الثاني خلف شالكة في 2015.

"ناجلزمان مدرب صغير ومجتهد، فضولي وجيد في المراقبة والاستطلاع، لقد حقق نجاحات منقطعة النظير في تدريب الناشئين وأنا سعيد بتطوره وأؤمن به" – توماس توخيل عن ناجلزمان.

تيم فايتسا حارس هوفنهايم السابق والذي أصبح مصارعا في WWE مؤخرا أطلق على ناجلزمان لقب "مورينيو الصغير" نظرا لتشابه بدايته مع بداية الاستثنائي في سن مبكرة.

الفرصة الحقيقية جاءت في فبراير 2016. الهولندي هوب ستيفينز مدرب هوفنهايم يمر بوعكة صحية ومشاكل في القلب ويقرر اعتزال التدريب والفريق يصارع الهبوط. إدارة النادي وجدت نفسها في مأزق لتعويضه لكنها كالعادة لجأت للعناصر الداخلية ووقع الاختيار على ناجلزمان ليقود الفريق ليصبح أصغر مدرب في تاريخ الدوري الألماني. 28 عاما هو عمر لاعب كرة قدم في قمة عطاؤه وليس عمر مدرب يقود فريقا في البوندزليجا.

الأمر الذي وصفته الصحافة المحلية في المدينة بالجنون والعته ووصفته صحف أخرى بأنه بالتأكيد مزحة من إدارة هوفنهايم!

"قررنا تعيينه لأنه يستطيع القيام بالمهمة على أكمل وجه، لا تنخدعوا بصغر سنه فإنه مدرب خبير" – ألكساندر روسن المدير الرياضي لهوفنهايم.

إدارة هوفنهايم كانت تعد ناجلزمان بالفعل ليكون المدير الفني للفريق الأول مع بداية موسم 2016-2017 لكن القدر الذي أنهى مسيرته كلاعب مبكرا قرر مصالحته ببدأ مسيرته كمدرب مبكرا. ديتمار هوب مالك النادي لم ينتظر كثيرا وقام بتجديد عقده في 1 يوليو لمدة 3 سنوات.

"ناجلزمان مدرب رائع لدرجة تجعلني أتسائل إلى متى يمكننا إبقاؤه بعيدا عن الفرق الكبرى". – ديتمار هوب مالك هوفنهايم.

عاشق جوارديولا فيلسوف هو الآخر

يرى جوليان في بيب جوارديولا مصدرا للإلهام. ما فعله مع برشلونة لم يمكن عاديا أبدا وأتيحت له الفرصة لمراقبته عن كثب في 3 سنوات قضاها مدربا لبايرن ميونيخ.

مثلما يفعل بيب. فإن ناجلزمان يعتمد على الضغط العالي ومباغتة الخصوم والاستحواذ على الكرة الذي جعل هوفنهايم في المركز السادس بنسبة 53.7% في المباراة. كرة ممتعة ذكرت جماهير هوفنهايم بما فعله رالف رانجنيك مع الفريق في 2008 وتم وصف طريقة رانجمان بأنها تجمع بين روعة الماضي وإشراق الحاضر.

"أحب مهاجمة الخصوم بالقرب من مرماهم لأن طريقك للمرمى يصبح أقصر إذا استحوذت على الكرة في مناطق الخصم، بالإضافة لإعجابي بطريقة لعب فياريال وكيفية تطويرهم للاعبين الشباب، كما أحب برشلونة وأرسنال وما فعله معهم أرسين فينجر.

أركز كثيرًا على طريقة لعبنا عندما لا تكون الكرة في حوزتنا لكني لن أشجع لاعبي على فقدان الكر بالطبعة، في كرة القدم اليوم انت بحاجة للتفكير في حلول عندما تكون ولا تكون الكرة بحوزتك.

خطتي؟ 10 أمتار فقط هي الفرق بين 4-4-2 و4-2-3-1، لن ترى فريقا ينتظم بهذا الشكل في الملعب سوى عند صافرة البداية وربما 7 أو 8 مرات طوال المباراة". – ناجلزمان في مقابلة صحفية.

المدير الفني الشاب لهوفنهايم عليه أن ينظم وقته بشكل جيد ويقسمه ما بين مهام عمله كمدرب ودراسته، فناجلسكان حتى الآن لم يحصل على رخصة التدريب النهائية ولن يحدث ذلك قبل مارس القادم لكنه حصل على استثناء من الاتحاد الألماني لكرة القدم ليدرب هوفنهايم حتى حصوله عليها.

لكنه حصل بالفعل على بكالوريوس في العلوم الرياضية، كما حصل على الرخصة التدريبية فئة A بدرجة امتياز.

"يهتم بالتفاصيل في كل شيء. لا تتوقع منه أقل من الكمال" - مدرب فيردر بريمن فيكتور سكربينيك.

"قياسا على مهارته كمدرب فإن هوفنهايم سيصبح أقل من مستواه بكثير في وقت ليس ببعيد، ربما سيحظى بمقابلة أخرى مع بايرن ميونيخ" – هوب ستيفينز.

صغر سن ناجلزمان لم يكن عائقا له في السيطرة على غرفة الملابس أو اللاعبين أبدا. في هوفنهايم هو الخامس في ترتيب الأعمار بعد القائد بنيامين شفيجلر والمهاجم المخضرم كيفين كوراني والحارس ألكساندر شتولز ولاعب الوسط يوجين بولانسكي.

"ليس قريبا منا في التفكير فقط لكنه يستطيع اقناعنا بكل ما يريد بفضل معرفته وشخصيته القيادية وخفة ظله أثناء التدريبات" – شفيجلر عن مدربه.

أداء هوفنهايم المميز تحت قيادة مدربه الشاب خطف الأنظار وألجم أفواه المشككين خصوصا الصحافة التي هاجمته في البداية. فبعد وصف قرار تعيينه بالجنون والمزاح نشرت صحيفة كيكر الشهيرة تقريرا عن هوفنهايم قالت فيه أنهم يستطيعون تمييز رائحة دوري أبطال أوروبا والذي يقترب من هوفنهايم.

ناجلزمان ربما يكون هو الشيء الكبير القادم في ألمانيا. الجميع يترقب وينتظر ما الخطوة القادمة لنجم التدريب الشاب. بايرن ميونيخ؟ منتخب ألمانيا؟ ربما أبعد من ذلك فطموحه لن يتوقف ولا يسعنا سوى الانتظار.

"30% من التدريب يعتمد على التكتيك، الـ70% الباقية هي مهارات اجتماعية. كل لاعب له طريقة معينة لتحفيزه ويجب أن تصل لها بشكل معين. جودة اللاعبين الذين تملكهم قد تضمن لك أن تظهر بشكل مميز إذا كان تكتيكك جيدا لكن هذا لن يحدث إلا إذا تم إعدادهم نفسيا بشكل جيد قبلها.

أحب تجربة طرق جديدة في التدريبات وفي الملعب. أنا مثل الخباز أقوم بخلط المقادير وأضعها في الفرن وأنتظر الناتج في النهاية". – جوليان ناجلزمان.

التعليقات