أنا لويس سواريز (2) - أيام صعبة.. وصوفي التي فتحت باب أوروبا

الإثنين، 22 أغسطس 2016 - 11:27

بقلم : محمد الفولي

يمرر ويصنع ويسجل الأهداف، هذا ليس كل شئ، فهو يصنع الحدث أيضا. إنه العضاض..

لويس سواريز.. المهاجم الأفضل في العالم كما يصنفه البعض، لديه من حكاياته أسرارا أخرى يرويها بنفسه.

في تلك السلسلة، سيستعرض لكم FilGoal.com أهم ما ورد بكتاب لويس سواريز الذي كتبه بنفسه.

قصة حب

تعرفت على صوفي عبر صديق مشترك وأنا مجرد فتى صغير يلعب في صفوف الشباب بناسيونال . كنت دائما ما أحيي والدها لأترك لديه انطباعا جيدا وأعتقد أنها كانت تفكر دائما: "لماذا يلقي هذا الفتى دائما السلام على أبي؟".

في تلك الفترة كنت أقل خجلا مما أنا عليه الآن، ولكن الأمر لا يقتصر على الخجل فقط. حينها لم أكن أمتلك أي شيء بل واعتدت على أن أطلب من ويلسون بيريز، أحد الاداريين في ناسيونال، اقتراض بعض النقود. تحديدا 40 بيزو هي تكلفة السفر لملاقاة صوفي.

اعتدت طلب مكافآت غير رسمية قبل المباريات من الاداريين.. "20 بيزو إذا ما سجلت هدفا؟". هذا المبلغ كان كافيا لرحلة ذات وجهة واحدة. كل ما يهمني كان الوصول إليها. العودة كان أمرا سأقلق بشأنه لاحقا. كان الاداريون يضحكون ويمنحوني بعدها نقود السفر من مونتفيديو إلى سوليمار حيث كانت تقطن.

كان يجب أن أبتكر طرقا للحصول على النقود في أي مكان. لم يكن بامكاني مطالبة والدتي أو أشقائي، وإن كانت أختي الكبيرة تساعدني بقدر استطاعتها. أتذكر أنه كان هناك رجل يقوم بجمع بطاقات الهاتف المستعلمة وإذا ما كان لديك واحدة فإنه يعطيك نقودا ويحصل عليها.

هكذا أبقيت عيناي مفتوحتين دائما وكنت أفحص كل كبائن الهاتف للبحث عن بطاقات الهاتف وبيعها لهذا الرجل وفي بعض الأحيان كانت أمي تساعدني بهذا. كانت أياما صعبة وكان من السهل على والدي صوفي أن يرفضا هذا الفتى المتشرد.

حينما يصبح عمر ابنتي 13 عاما، إذا ما جلبت لمنزلي فتى يكبرها بعامين من حي فقير، لن يعجبني الأمر كثيرا، ولكن ما حدث أنهما قبلاني بل وكنت أعجبهما بشكل كبير.

كانا يقدران ما أفعله من أجل ابنتهما. ذلك الفتى الذي لم يمتلك أي نقود ولكنه كان يسافر من مونتفيديو لسوليمار بأي طريقة من أجل ملاقاة ابنتهما. أعتقد أنهما كانا يدركان أنه في بعض الأحيان كنت أضطر للسير للعودة.

صوفي كانت من أنقذتني من نفسي. قبل تعرفي عليها اعتدت دائما على السهر لوقت متأخر دون الاعتناء بالتدريبات. في ذلك الموسم الذي كان عمري فيه 13 أو 14 عاما سجلت ثمانية أهداف فقط في 37 مباراة وناسيونال كان يفكر في الاستغناء عني بسبب سهراتي الليلة المتكررة.

كان ويلسون بيريز من أقنعهم باستمراي وصوفي هي من أجبرتني على التخلي عن السهر الليلي والتركيز في مسيرتي. حينما أصبح عمري 16 عاما كان كامل تركيزي منصبا على الكرة، لولاها لما توقفت عن تلك السهرات الليلية والاختلاط بأولئك الناس الذي لا يجب أن تختلط بهم.

أيام صعبة

عالمي كان مختلفا بصورة كبيرة عنها. رحلت عائلتي من سالتو لمونتفيديو وأنا في السابعة وانفصل والداي وأنا في التاسعة. قضيت أغلب أوقاتي في الشارع. والدتي كانت دائما مشغولة بوظيفتها كعاملة نظافة في محطة حافلات (تريس كروسيس) ووالدي رودولفو حضر بعض مبارياتي ولكنه لم يتمكن أبدا من الذهاب معي للتدريبات.

كان يعمل لساعات طويلة. كان في الأساس جنديا ولكن بعد خروجه من الجيش اضطر للعمل في أي مكان. عمل في البداية بمصنع للبسكويت وكبواب. في بعض الأحيان لم يكن يمتلك أي نقود لايجار مكان للاقامة لذا كان يقضي ليلته في المبنى الذي يعمل به.

أعرف مدى الصعوبات التي واجهها والدي وأمي وأقدر كل ما فعلاه من أجلي أنا وأشقائي. ولكن نشأتي كانت عبارة عن نصف فوضى ونصف خراب مقارنة بتلك التي تخص صوفي. لم أكن أبدا تلميذا مجتهدا أو أهتم بالدراسة، لذا فإنها حاولت مساعدتي، ولكن حياتي كانت تتعلق بكرة القدم.

الكابوس والحلم الأوروبي

ازدادت صعوبة كفاحي من أجل مقابلتها حينما وصل إلي نبأ أن عائلة صوفي قررت الانتقال لأوروبا لبدء حياة أخرى. شعرت بأن العالم ينهار من حولي. لم تكن هذه أول مرة أشعر فيها بهذا الانهيار. شعرت به حينما رحلنا من سالتو لمونتفيديو وسخر مني الجميع بسبب لكنتي وأخرى حينما انفصل والداي. المرة الثالثة كانت في 2003 حينما رحلوا إلى برشلونة.

كيف سأتمكن من الذهاب لبرشلونة من أوروجواي إذا ما كنت أنجح في جمع ما يلزمني للسفر من مونتفيديو إلى سوليمار بشق الأنفس؟ اتصلت صوفي بعد رحيلها. كانت حزينة للغاية وقالت لي "إذا لم تأت في نهاية هذا العام، لن نرى بعضنا مرة ثانية".

بفضل وكيلي في الك الفترة دانييل فونيسكا تمكنت من الذهاب لزيارتها. كنت أقل لاعبيه أهمية ولكنه سدد لي ثمن الرحلة وأعطاني شقيقي الأكبر 60 دولارا. لم أكن أدرك مدى صغر المبلغ. سافرت في ديسمبر 2003 وشعرت بأنني أثرى رجال العالم. لم يدم هذا الشعور كثيرا، ولكن في تلك العطلة أدركت ما يجب عليه فعله: اللعب في أوروبا من أجل التواجد بالقرب من صوفي.

الوفد الهولندي والحمار

وصل ممثلون عن جرونينجين الهولندي في 2006 لأوروجواي لمراقبة لاعب يدعي الياس فيجيروا، ولكنهم قرروا تمديد اقامتهم ليوم أخر لمشاهدة مهاجم عمره 19 عاما ويدعي لويس سواريز.

لم يكن سواريز هو خيارهم الثاني ولكنه لم يكن موجودا في الأساس بقائمتهم، ولكن أثناء تواجدهم في أوروجواي حدث البعض الكشاف جرادس فوهلر والمدير الرياضي يانس نيلاند عن كونه لاعبا جيدا.

شاهدوا تلك المباراة التي لعبت فيها أمام ديفينسور سبورتنيج وسجلت فيها هدفا وقدمت فيها مستوى طيب للغاية، دون أن أدرك في الأساس أن أحدهم يتابعني أو أسمع في الأساس عن نادي يدعى جرونينجين، ولكنه كان بالتأكيد أقرب لبرشلونة من مونتفيديو.كانت تلك ضربة الحظ التي انتظرتها.

خضت قبلها طريقا طويلا وقاسيا بالقطاعات العمرية المختلفة في ناسيونال الذي كان على وشك طردي لولا تدخل ويلسون بيريز ووقوف صوفي بجانبي حتى خضت مباراتي الأولى وعمري 17 عاما في مارس 2005.

في مبارياتي الأولى مع الفريق الأول كنت أهدر كما كبيرا من الفرص. الكثير منها في الحقيقة لدرجة أن البعض أطلق علي لقب "الحمار" و"المعوق"، فيما أن المدرب مارتين لاسارتي لم يتوقف عن الدفاع عني. طلب من الجماهير الصبر وأخبرني بألا أيأس.

أتذكر أنه في مباراة أمام ريفر بليت خلقنا 13 فرصة للتهديف وأنا أهدرت تسع منها لتنتهي المباراة بالتعادل السلبي وحملني الجميع الذنب: الفتى صاحب الـ18 عاما يركض كثيرا ولكنه غير قادر على هز الشباك، ولكن كنت أنظر للموضوع بصورة إيجابية، إذا ما كنت أهدر الفرص فهذا يعني أنني من أصنعها. في بعض الأحيان ألتقي الآن مع مشجعين تقول "كنت أسبك وأهتف ضدك وأقول أنك لن تسجل أبدا".

المهم أنني سجلت لاحقا والأهم أنني سجلت في تلك الليلة بمرمى ديفينسور حينما تواجد ممثلو جرونينجين لتكون هذه أول خطو نحو مغامرتي الأوروبية.

المتاهة

لم تكن مسألة توقيع العقد سهلة؛ سافرت في البداية لمدريد مع وكيلي دانييل فونيسكا وأحد لاعبيه وهو خوان ألبين الذي كان على وشك التوقيع لخيتافي الإسباني. ظللت وحيدا في الفندق لمدة يومين حتى تمكنا من انهاء الأمور ثم سافرنا إلى أمستردام واقترب الانضمام لجرونينجين.

كان النادي الهولندي هو الخيار الوحيد قبل السفر ولكن حينما تقترب الصفقة من الانتهاء يظهر المزيد من الوكلاء ووكلاء عن وكلاء لتخرج عقبات جديدة جعلت النادي يرفض اتمام الصفقة لأنه لم يكن يرغب في سداد مبلغ ما. قالوا لي أن الأمور انتهت ولكن هناك فرصة للانضمام لخيتافي لأن المدرب برند شوستر كان يبحث عن مهاجم.

الأمور كانت تبدو أفضل. حسنا لن أكون في برشلونة بجانب صوفي ولكن على الأقل سنكون في نفس الدولة، ولكن بمجرد أن بدأت في تقبل هذا التغيير أخبروني بأنه جدت في الأمور أمور وأن صفقة انتقالي لجرونينجين ستتم.

كانت سبعة أيام تضمنت السفر من مدريد لأمستردام عدة مرات. لا أعرف كيف كان سيكون رد فعلي لو توقفت الصفقة على 60 ألف يورو ولكن في النهاية مع اتمام الأمر شعرت براحة كبيرة.

في يوليو 2006 بعد هذه الخطوة الكبيرة في مسيرتي سافرت إلى برشلونة. كانت عائلة صوفي غير موجودة بالكامل وفي العودة نحو هولندا لم أكن وحيدا. اصطحبتها معي دون أن تصدق أننا نفعل هذا حقا. كان من المفترض أن تعود في الأسبوع التالي كما أخبرت والديها ولكنها لم تعد أبدا.

في جرونينجن

كانت كرة القدم الهولندية رائعة ورويدا رويدا بدأت في التأقلم على الملاعب ولكن بعد مشكلة صغيرة مع المدرب في سبتمبر 2006. كانت مباراة بكأس اليويفا أمام بارتيزان الصربي وأخرجني المدرب يانس في منتصف الشوط الثاني. كنا سنتعرض للاقصاء.

خرجت من الملعب غاضبا دون أي شعور بالرضا. كانت تمطر. مد لي يده من أجل التحية ولكن رفضت وأشحت بيدي غاضبا، بينما كان رد فعله هو القاء المظلة التي كان يحملها للاحتماء من المطر.

لم يكن أحدا معجبا بما حدث ولكن لم يدم الأمر كثيرا في المباراة التالية كنا نواجه فيتسه ارنهم ونتقدم بهدف نظيف ولكنهم قلبوا النتيجة إلى 3-1. بعدها وضعنا الثاني في الدقيقة 82 من ركلة جزاء كنت السبب فيها ثم أضفت هدف التعادل في ظل تبقي دقيقة على النهاية وفي النهاية سجلت هدف الفوز.

انفجر الملعب فرحا وأثناء ركض الفريق عقب اللقاء لتحية الجماهير قمت بهذا الأمر راقصا وأنا أحمل مظلة المدرب وبابتسامة عرضية على وجهي. مباراة المظلة غيرت كل شيء. بدأت ألعب بصورة أكبر وبدأ الكل يشعر بالسعادة بما أقدمه.

تعلمت هناك أيضا شيء لم أعتد عليه وهو عدم السقوط في المنطقة مع أقل لمسة. كرة القدم في أوروجواي مختلفة. كان الجميع يتقبل سقوطي داخل المنطقة مع أقل احتكاك. كانوا ينتظرون هذا. في هولندا كنت أحصل في البداية على ركلات جزاء غير صحيحة ولكنهم في النهاية توقفوا عن احتساب حتى الركلات الصحيحة لي. نفس الأمر تكرر في إنجلترا.

يجب أن أشكر جرونينجين على كل ما قدمه لي ووضعي على الصعيد الدولي لأنه حينما سافرت إلى هناك ظننت أنني سأكون منسيا في المنتخب. لم يكن هناك أحد في أوروجواي يعرف شيئا عن النادي.

أتذكر أنه حينما جاء لي عرض الانضمام لهم، كان أول ما فعلته هو الذهاب نحو جهاز البلاي ستيشن حيث اخترت اللعب بهذا الفريق ونظرت للقائمة ولم أر اسم لاعبا واحدا أعرفه. كان من ضمن تلك الأندية التي لا تسمع عنها أو تعرف حتى كيف ينطق اسمها.

ظننت لهذا السبب أنه لن يعرف أحد في المنتخب شيئا بخصوص هذا الفريق ولكن كنت مخطئا. حينما سافرت إلى هولندا بدأت أرى أخباري على الإنترنت. "لويس سواريز يسجل هدفا مع جرونينجين". ظني الثاني كان صحيحا وفي عمر التاسعة عشر استدعاني المنتخب.

في نهاية الموسم كنت سجلت 15 هدفا ولفت هذا الأمر انتباه أندية أكبر رأت أنني المهاجم المناسب لها. بكل تأكيد يشعر أي لاعب بالولاء للفريق الذي يلعب له، ولكن في نفس الوقت هناك شعور أكبر بالولاء لمسيرتك وذاتك.

الانتقال لأياكس

كانت صفقة انتقالي نحو أياكس معقدة. دفع جرونينجين مليون ونصف مليون يورو من أجل ضمي وأياكس عرض عليهم خمسة ملايين يورو بجانب ستة أو سبعة أضعاف راتبي، ولكن النادي لم يرغب في رحيلي واضطررنا للذهاب لمحكمة التحكيم الرياضي.

قال لي المدرب "لويس.. أنهم لا يرغبون في بيعك ولكن سأحاول مساعدتك"، فأجبته بأن هذه هي فرصة حياتي وأنني أرغب في الانتقال لأكبر نادي في هولندا وأعتقد أنه تفهم الأمر جيدا. اضطررت للانتظار خمسة أيام لمعرفة قرار المحكمة ومواصلة التدريبات في النادي لنفس الوقت.

لك أن تتخيل ما كانت تقوله الجماهير. شعرت بأنني غير قادر على القيام بشيء وحصلت على اذن بالذهاب للمنزل وفي الخامسة عصرا بأحد الأيام اتصل بي وكيلي فونيسكا وقال لي "المشكلة انتهت. سيبيعونك بسبعة ملايين ونصف مليون يورو. جهز حقائبك للذهاب لأمستردام".

حينما يرحل لاعب عن ناديه في هولندا، دائما ما يكون هناك حفل لوداعه وربما مباراة ولكن الجماهير بدلا من أن يقولوا لي "وداعا" دعوني بـ"المرتزق".

في العام التالي حينما عدت لمواجهة جرونينجين مع أياكس كان هناك لافتات كثيرة ضدي وأخرى تحمل علامة الدولار وحدث اقتحام للملعب وأصيب 20 شخصا وتأجلت المباراة. لعبت المباراة بعدها بأربعة أيام سجلت هدفا ولكن لم أحتفل.

أتذكر أنه حينما وصلت لجرونينجين لأول مرة قلت لصوفي أنهم سيصنعون تمثالا لي ولكن الأمر انتهى بيننا باحراق قميصي. على أي حال في 2007 أصبحت مقيما في أمستردام معها ورزقت بابني الأولى ولاعبا لأحد أكبر الأندية الأوروبية.

--

كانت هذه الحلقة الثانية من سيرة لويس سواريز، يمكنكم مطالعة الحلقة الأولى من هنا

التعليقات