تأثير سيميوني – (5) برود الألقاب وعشق الأتلتي والمدرب الغبي

الأحد، 05 يونيو 2016 - 14:43

بقلم : محمد الفولي

أعاني من أمر غريب لم يكن يحدث معي سابقا. حينما كنت لاعبا كنت أنفجر محتفلا اذا ما سجلت هدفا على عكس ما يحدث الآن وأنا مدرب، خاصة في الأهداف التي تعني التتويج بالألقاب. أصاب بحالة من الشلل وأشعر بفراغ كبير.

هذا ما حدث معي بعد الفوز بدوري أوروبا في مايو 2012 وكأس السوبر الأوروبي في أغسطس من نفس العام مع أتلتيكو. الجنون سيطر على كل العالم. هذا أمر طبيعي. احتفل اللاعبون والجمهور بكل سعادة بينما كنت أسير لمراقبة الاحتفال. شعوري في تلك اللحظات هو أن هناك لحظة استنثائية تهرب مني ولن تتكرر إلا بمرور الكثير من الوقت، ولكن حينما تنتهي المباراة وتظهر على شاشة الملعب كلمة البطل، فإن أصحاب البطولة هم اللاعبون وليس المدرب. حينما أراجع أبرز لحظات مسيرتي كمدرب أرى أنني أهضم الانتصار ببرود كامل. حدث هذا مع استوديانتيس ويحدث مع أتلتيكو.

حينما نذهب لنحتفل خارج الملعب في ميدان نيبتونو مع جماهير الأتلتي. يختلف الأمر بالنسبة لي وأخرج كل ما لدي. الفارق في تلك اللحظة هو أن من يتواجد في تلك اللحظة مع اللاعبين والجمهور هو سيميوني الانسان وليس سيميوني المدرب.

عشق الأتلتي

أحمل عشق أتلتيكو مدريد بداخلي. رحيلي عنه حينما كنت لاعبا كان أمرا صعبا. كن أدرك أن الأمور قاربت على الانتهاء وأنه في يوم من الأيام سأودع النادي كلاعب، ولكنني كنت أعي في نفس الوقت أنه سيأتي يوم أجلس فيه على مقاعد الادارة الفنية في فيسينتي كالديرون.

لم أحب أبدا فكرة منح شخص ما منصب إداري لما كان عليه كلاعب. كنت أرغب في الوصول مجددا لأتلتيكو عن استحقاق وليس كبادرة شكر، ولكن هذا لا يعني أن مسيرتي داخل النادي لم تلعب دورا في فوزي بالمنصب.

في أوروبا يبدأ المدربون عملهم مع الأطفال: تسعة أعوام ثم 12 وهكذا.. وأنا كنت أرغب في خوض مهنة التدريب وأدرك بشكل جيد أنني لن أصل لادارة الفريق بسرعة. كنت أعلم أنني سأعود ولكن بعد العمل في أماكن أخرى لكي تضعني الادارة نصب عينيها. ستكون هناك حاجة لمدرب صاحب خبرة. لهذا اكتسبتها.

كانت لدي قناعة كبيرة أيضا بأن عودتي للنادي ستتزامن مع وضع صعب يمر به الفريق، لأنه بصورة منطقية اذا ما كانت الأمور تسير على أفضل صورة فلم سيفكرون في من الأساس؟ هذا هو قانون كرة القدم.

بجانب خبرتي المكتسبة كنت أدرك أن مسيرتي معهم كلاعب ستجعلني أمتلك أفضلية على باقي المرشحين. حينما وصل سيميوني المدرب كان الجميع يفكر في سيميوني اللاعب، ويدعم هذا عملي في فرق أخرى. حينما تواصل أتلتيكو معي كان عقدي لا يزال ساريا مع راسينج. الانتخابات كانت تقترب ولم أر مستقبلا مشرقا وقررت الاستقالة. كان هذا في ديسمبر 2011 وجاءت اللحظة التي انتظرتها منذ رحيلي عن أتلتيكو كلاعب.

اللاعب والمدرب الغبي

اذا ما كان هناك فريق يرغب في الانتصار فعليه الالتزام بأسلوبه. ما يهمني في مجموعة اللاعبين وهو التزامهم جميعا. اذا ما سار العمل الجماعي بشكل جيد سيسير الفريق بشكل جيد وسيصبح حل المشكلات الصعبة أكثر سهولة. اذا ما كانت هناك مجموعات صغيرة داخل المجموعة الكبيرة فإن القلعة ستنهار. إذا ما كنت مدربا غبيا فلن يسير فريقك كله في نفس الطريق. يجب أن يكون الاحترام قائما وتفهم خصائص كل واحد من لاعبيك. عليك أن تتدخل حينما ترى أحد لاعبيك يخرج عن خط السير المطلوب.

عمل المدرب هو اشعار كل عضو في فريقه بأنه مهم من أجل تحقيق الهدف المطلوب. المباريات تبدأ بـ11 لاعبا وبعدها يمكنك ادخال ثلاثة غيرهم. بعدها يتبقى حوالي 10 لاعبين لا يشاركون وبالطبع قد يشعروا بنوع من الاستياء.

اللاعبون الذين لا يشاركون مهمون بقدر من يلعبون. البطولات لا يفوز بها 11 لاعبا فقط، بل الفريق المتكامل. اذا لم تكن قويا ومتجانسا لن تحقق الانتصار. التجانس الذي أتحدث عنه لا يعني سعادة كل اللاعبين. يجب تقبل أنه في بعض الأحيان لا يمكن أن يصادق هذا ذاك ولكن يجب عليهما أن يسيرا معا في نفس الطريق. المهم هو الطريق والاتجاه الذي يفكر فيه الفريق ككتلة واحدة.

يجب أن يدرك الجميع أنه لا يوجد أحد أهم من المجموعة ككل، حتى نجم الفريق لا يمكنه التفكير في هذا. اللاعب الأول والمهم يحتاج للفريق لتطوير لعبه ولكي يستمر في كونه الأفضل، لهذا أصر على اشعار كل اللاعبين بأهميتهم. الموسم طويل وفي النهاية سيلعب الجميع، بعضهم أكثر من الآخر، ولكن أغلبهم سيلعب.

في أتلتيكو لدينا مثال على بوليدو وسيزما وكلاهما لم يلعب كثيرا ولكن في التدريبات تشعر بالرضا حينما تراهما. يدركان صعوبة مهمتهما في ظل وجود ميراندا وجودين وفيليبي لويس ولكنهما يواصلان الاستعداد. يجب أن تعامل الجميع سواسية. أشعر بالاستياء حينما أسمع البعض يقول أنه يجب التقرب بصورة أكبر للاعبين الذين لا يشاركون عن باقي الفريق.

الضحايا

لا أتفق مع هذه النظرية. بهذه الطريقة تحولهم لضحايا وهم ليسوا بضحايا. يجب أن تتصرف بشكل طبيعي مع أي فرد في فريقك سواء كان يلعب أم لا. اللاعبون أذكياء وليسوا أغبياء وسيدرك حينما يراك حوله بصورة أكبر. أنا لم أحب أبدا أن يخصص لي مدرب ما مزيدا من الوقت لأنني لا ألعب كثيرا، كنت أقول له "عاملني كشخص عادي وحينما ترغب في الاستفادة مني فلتفعل هذا".

يجب على المدرب إبقاء الحماس والدافع لدى لاعبيه الذين لا يشاركون بصورة منظمة, يجب أن يجعلهم يتفهموا أن وجودهم له أهميته حتى ولو لم يكن بصورة مكثفة. جملتي الرئيسية في هذه الحالة تكون "كيف سيكون أفضل موسم بالنسبة لك؟ ذلك الذي لعبت فيه كل المباريات وفريقك أنهى الموسم في مركز متأخر؟ أم الموسم الذي لعبت فيه 20 من أصل 38 مباراة وسجلت ثمانية أهداف وفزت باللقب؟". هذه الطريقة لا تفشل أبدا لأن اللاعب دائما ستقع عينه على الاختيار الأخير.

--

هذه كانت الحلقة الخامسة من كتاب "تأثير سيميوني – استراتيجية التحفيز".

الكتاب هو سيرة ذاتية يحكيها سيميوني ويترجمها FilGoal.com للمهتمين برحلة التشولو الملهمة.

اقرأ الحلقات السابقة

تأثير سيميوني – (1) كيف تقنع لاعبا بطيئا بأنه سيحقق لقبا لا ينسى

تأثير سيميوني – (2) ركنية روبن كازان و"حكاية" ما قبل النوم

تأثير سيميوني – (3) درس من لاعب والحظ والحكام والنظام

تأثير سيميوني – (4) الشغف وبداية الرحلة

التعليقات