جوارديولا وطرق أخرى للفوز – (16) سبايدرمان يواجه "صديقه" الاستثنائي

الإثنين، 01 فبراير 2016 - 15:56

بقلم : محمد الفولي

ملعب فينوورد، 14 مايو 1997 .. إنه نهائي كأس الكؤوس الأوروبية بين برشلونة وباريس سان جيرمان والفريق الكتالوني حينها كان تحت قيادة الإنجليزي بوبي روبسون.

تبادل الفريقان السيطرة على مجريات المباراة ولكنها في النهاية حسمت لصالح البرسا بهدف للبرازيلي رونالدو..

كان كل شخص يحتفل على طريقته، وبيب اللاعب حينذاك يوزع الأحضان كل من يجده في طريقه. من ضمن هؤلاء كان يوجد البرتغالي جوزيه مورينيو، حيث ركض جوارديولا نحوه مبتسما وعانقه بحرارة.

في تلك الفترة، كات مستقبل مورينيو يتعلق بالعمل داخل جدران برسا كمترجم ومساعد مدرب، لذا فإن الاحتفال كان مليئا بالسعادة.

ظل كل منهم يهز جسد الآخر من الفرحة بالتتويج كما لو كانا طفلان صغيران تلقيا هدية من بابا نويل، ولكن أعياد الميلاد لا تدوم كثيرا، كما أنها لا تأتي صيفا!

كان هذا هو الموسم الأول لجوارديولا ومورينيو معا، حيث قضيا ثلاثة مواسم أخرى في نفس الصف قبل رحيل البرتغالي في عام 2000.

بعدها بسنوات ووسط سلسلة من مبارايات الكلاسيكو المتوترة المليئة بالأحداث المؤسفة ذكر بيب مورينيو بهذه المعرفة حينما قال: "أرغب فقط في تذكيره بأننا كنا معا لمدة أربع سنوات، هو يعرفني وأنا أيضا، وهذا الأمر أضعه في الاعتبار".

يقول بيب دائما لمن أحوله "أنا لست سوبر مان"، وهو صادق في هذا، إنه في الحقيقة أشبه بـ"سبايدرمان"، حيث أنه لم يولد خارقا ولكنه أصبح كذلك على الرغم من كل مخاوفه والظروف الصعبة التي مر بها..

أصبح بيب "سبايدرمان" بفضل شباك التمرير التي يصنعها وتكتيكه وطريقة لعبه التي تجعل خصومه يسقطون بسهولة.

شرير ماكر

يحتاج كل بطل طيب لمواجهة شرير ماكر وسيء، هذه هي الحبكة الدائمة.. هذا هو ما تمليه أصول صناعة الأبطال الخارقين وغالبا ما يكون العدو يربطه شيء بماضي البطل.

كل هذه المواصفات كانت تتوافر في مورينيو.

مع جوزيه هناك الذكاء والدهاء وطباع شخصية تتعارض تماما مع تلك التي تخص المدرب الكتالوني، لذا فإن مواجهات "سبايدرمان" وغريمه الاستثنائي كانت بطعم أخر، لأن كل منهما قبل بدوره الذي غذته شخصيته والاعلام من حوله.

"الفلاش باك" هو كاشف الألغاز وسيد الأدلة في عالم السينما والأبطال الخارقين وأيضا في المستطيل الأخضر، لذا يجب العودة إلى الفترة التي وصل فيها بوبي روبسون لبرشلونة عام 1996. حينها كان مورينيو صاحب الـ33 عاما في انتظاره بالمطار واصطحبه في السيارة لكامب نو.

فلاش باك

كان مورينيو معجبا بروبسون ووظيفته في الحقيقة لم تكن فقط مترجما بل مرشدا ومساعدا لمساعدته على الاستقرار في ناديه الجديد ومدينة برشلونة كما فعل في سبورتنج لشبونة وبورتو.

لم يكن يرغب أحد في تفهم طبيعة عمل مورينيو بل وأنه أثناء حقبة بورتو كانت بعض القطاعات تسميه "المترجم"، على الرغم من أنه مع روبسون كان ينظم بعض التمرينات، ولكن بعد قليل من المقاومة في البداية، تقبل اللاعبون البرتغاليين تعليمات ذلك الشاب الذي كان يبدو بلا خبرة لأنهم أدركوا في النهاية أنه "رجل كرة قدم".

خلال حقبة روبسون في برشلونة لم يتمكن المدرب الإنجليزي أبدا من إتقان الإسبانية وكان يحتاج لمورينيو الذي ساعده داخل وخارج الملعب.

ووفقا لبعض لاعبي برشلونة الذين كانوا يتحدثون الإنجليزية فإن جوزيه أثناء ترجمة تعليمات روبسون كان يقولها بدقة أكثر منه بل أنها في بعض الأحيان كانت تتضمن معلومات إضافية!

أما مقاطع الفيديو التي كان يعرضها البرتغالي وتبرز نقاط قوة وضعف الخصوم كانت مقبولة بشكل كبير، فيما أن علاقته الطيبة برونالدو ساعدته في اكتساب ثقة أغلب من في الفريق.

في تلك الفترة تعرف مورينيو على جوارديولا كقائد بالفطرة وقرر الاقتراب منه واكتساب ثقته وتقديره وهو ما تمكن منه، حيث كان الثنائي يقضي الكثير من الساعات معا يتحدث بالإسبانية والكتالونية في كل ما يتعلق باللعبة.

يقول بيب حول هذا بنفسه: "كنا نتحدث عن كرة القدم والشكوك التي ربما تطرأ في ذهن أي منا ونتبادل الأفكار، ولكن لا أنظر لهذه المحادثات كشيء عمل على تحديد علاقتنا، لقد كان مساعدا للسيد روبسون وأنا مجرد لاعب".

فاز روبسون في موسمه الوحيد مع برشلونة بثلاثة ألقاب (كأس الملك وكأس السوبر الإسباني وكأس الكؤوس الأوروبية)، ولكن على الرغم من هذا فإنه لم ينجح في اقناع النادي وغرفة الملابس التي كانت بدأت في نهاية الموسم تدير نفسها بصورة تلقائية.

أوصى المدرب الإنجليزي قبل رحيله خليفته لويس فان جال بالإبقاء على مورينيو، حيث أدرك الهولندي سريعا أن مورينيو ليس مترجما فقط ومنحه قدرا من السلطات الذي ربما لم يكن يخصه وهو تدريب الفريق في بعض الوديات وتوجيه بعض النصائح التكتيكية.

مورينيو المتغطرس!

يقول فان جال عن مورينيو في تلك الفترة: "كان شابا متغطرسا لا يحترم السلطة كثيرا ولكن هذا الأمر أعجبني فيه، لم يكن خاضعا، اعتاد أن يعارضني حينما كنت أظن أنني على حق، في النهاية أدركت أنني أصبحت مهتما برأيه أكثر من باقي الجهاز الفني".

رغم هذا ظل مورينيو هو "المترجم" بالنسبة للصحافة الكتالونية وهذا هو كان اللقب الذي يستخدمه الرئيس جوزيب لويس نونييز لوصفه، وهو الأمر الذي لم ينسه أو يغفره مورينيو لأنه يراه أحد أشكال عدم الاحترام.

حينما رحل فان جال عن النادي في عام 2000 لم يتم تجديد عقد مورينيو وانطلق ليبدأ مسيرته كمدرب في بلاده، وباقي القصة نحو صعوده كمدرب ناجح أمر معروف حتى تلك الرواية التي ذكرناها سابقا بخصوص كونه قريبا من تدريب الفريق الأول لبرشلونة، ولكن كفة بيب هي من رجحت في النهاية.

أول مواجهة

كانت أول مواجهة بين بيب ومورينيو على المستطيل الأخضر في ملعب سان سيرو بدور المجموعات بدوري الأبطال عام 2010 حيث كان البرسا حامل اللقب يواجه إنتر ميلان في الموسم الثاني للبرتغالي بالنادي الإيطالي.

انتهى اللقاء بالتعادل السلبي الذي لم يعكس الأداء المميز للنادي الكتالوني، ولكن حينما التقى الفريقان على ملعب كامب نو في الإياب قرر جوارديولا ترك ابراهيموفيتش وميسي على الدكة واللجوء لبدور وهنري ليفوز النادي الكتالوني بهدفين نظيفين.

تصريحات مورينيو بعد الهزيمة كانت متزنة حيث قال: "برسا لعب بشكل رائع"، ولكن البرتغالي في الحقيقة كان توصل في الحقيقة إلى ما يجعل فريق بيب جيدا لهذه الدرجة وسجل الملاحظات التي اعتبرها ستكون مفتاح النجاح.

كان بيب ومورينيو على موعد مجددا في نصف نهائي دوري الأبطال في نفس الموسم، وهو موقف مثالي لمورينيو الذي كان يتحول لاخصائي في المبارايات الإقصائية التي تقام بنظام الذهاب والعودة، حيث تضمنت استراتيجيته كالعادة تسخين الأجواء في المبارايات من قاعة المؤتمرات الصحافية لزيادة العداوة والتوتر.

بركان

قبل مباراة الذهاب انتقل برشلونة السفر لميلانو برا بسبب السحب البركانية القادمة من أيسلندا وتسببت في إيقاف الملاحة الجوية، في الوقت الذي كان فيه إنتر مستعد تكتيكيا لمواجهة البرسا عن بداية الموسم ليفوز بثلاثة أهداف لواحد.

لم تنته المباراة عند مورينيو حيث واصل اللعبة في المؤتمر الصحفي حيث قال "الخسارة دائما ما تكون مؤلمة، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين لم يعتادوا عليها"، ولكن جوارديولا كان يعرف ما يسعى البرتغالي خلفه حيث قال "أحترم مورينيو كثيرا ولكن لا أفكر في خسارة ثانية واحدة من وقتي في الرد على هذا النوع من التعليقات".

كان بيب يحتاج لأن يركز فريقه في مباراة العودة على أرض الملعب، ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح، فيما أن مورينيو كان يعرف بحكم خبرته أن البرسا لا يشعر بالراحة حينما يواجه شكوكه الداخلية وفي التعامل مع المشاعر التي تفقده التركيز.

لم تفرغ جعبة مورينيو من الطلقات، حيث قال في المؤتمر الصحفي الذي سبق لقاء الاياب "نحن نلاحق حلما، برشلونة؟ لا. إنهم يسعون وراء هوس اسمه لعب النهائي في سانتياجو برنابيو.. المباراة؟ حسنا نحن معتادون على رؤية لاعبي برشلونة يسقطون أرضا من أقل لمسة وبكل سهولة".

جاء الرد من جوارديولا في مؤتمره حيث قال "الوصول لنصف النهائي شرف، سأستمتع بهذه المباراة بكل تأكيد وأرغب في أن يتعامل اللاعبون مع المواجهة على أنها حفل، نحن لا نلعب ضد انتر، بل أنفسنا.. نحن مؤسسة مثالية، فزنا وخسرنا بعض المرات في أخر 20 شهر، ولكننا دائما حافظنا على احترامنا".

كان مورينيو اختار أرض معركته والقواعد التي ستلعب بها المباراة ونجحت طريقته لأن فريقه دافع بصلابة وجدارة على الرغم من طرد تياجو موتا بعد تداخل مع بوسكيتس.

فعلى الرغم من هدف بيكيه وذلك الأخر الملغي لبويان تمكن إنتر من العبور ليأتي احتفال مورينيو الشهير داخل كامب نو وصدامه مع فالديز وفتح رشاشات المياه عليه، ولكنه لم يأبه لكل هذا، ففي النهاية كانت هذه هي "أفضل هزيمة" في حياته، حيث تأهل للنهائي وأقصى بيب وحقق انتقامه الأول من برشلونة.

كانت الأيام تحمل المزيد من المواجهات والصدامات بين الثنائي، خاصة وأن مورينيو بعد تتويجه بلقب دوري الأبطال انتقل ليقود الغريم التقليدي لبرشلونة: ريال مدريد.

التعليقات