جوارديولا وطرق أخرى للفوز – (10) كواليس طرد بيب لرونالدينيو.. وحكاية إنيستا

الأربعاء، 20 يناير 2016 - 11:26

بقلم : محمد الفولي

تمثل التحدي الأول الذي واجه جوارديولا في ضرورة قيادة "ثورة تصحيح" داخل الفريق، ولكن قبل تناولها يجب إلقاء الضوء على جزء كتبه بيب بنفسه في سيرته الذاتية (أهلي) التي نشرت منذ حوالي عقدين.

قال جوارديولا حينها: "لا يوجد أي مدرب أو لاعب يمكنه ضمان النجاح في بداية الموسم لأنه لا توجد أساليب سحرية، واذا ما وجدت فإن كرة القدم ستصبح سهلة مثل التسوق".

وتابع "وفي منزلن ذلك النادي العظيم، الجميع لديه لبذل كل ما لديه من جهد ليصبح برسا غير قابل للهزيمة، وقبل كل هذا يجب معرفة ما هو حقا المرغوب فيه وما هي نوعية اللاعبين الذين توجد حاجة إليهم لتحقيق هذا الغرض".

التطهير ورونالدينيو

ترجم جوارديولا هذه الكلمات التي كتبها في سيرته الذاتية بعد اعتزاله الكرة حينما بدأ في تدريب برشلونة بالأصرار على نموذج اللعب المميز لبرسا والاستغناء عن خدمات رونالدينيو وديكو ولاحقا إيتو.

ربما يفكر من يطلق عليهم "جماهير الكنبة" بأن قيادة فريق مليء بالنجوم وأفضل لاعبي العالم يعد مهمة سهلة مثل اختيار فقط الأسماء الكبيرة في مباراة بأحد ألعاب الفيديو جيم، ولكن التعامل مع نفوس وشخصيات وأشكال مختلفة من الغرور والاعتزاز بالنفس في كامب نو وتحت أنظار وسائل الاعلام يعد تحديا هائلا يصعب تخيله، خاصة بالنسبة لرجل عمره 37 سنوات في تجربته التدريبية الأولى بالليجا.

كان يجب على جوارديولا فرض ما يرغب فيه من البداية لذا فإنه لم يتأخر في مؤتمره الصحفي الأول لتقديمه عن قول هذه العباراة: "نحن نفكر في فريق قائم دون تواجدهم، هذا هو ما توصلت إليه بعد تحليل تصرفاتهم خلال الوقت الذي قضوه في الفريق، بجانب مسائل أخرى ملموس".

وأضاف "هذا الأمر من أجل مصلحة الفريق، اذا ما حدث لاحقا وأن استمروا، فسأفعل المستحيل ليصلوا لما أرغب في أن يصلوا إليه".

حينما اجتمع جوارديولا مع رونالدينيو كان الحوار قصيرا وواضحا.

تقبل البرازيلي الأمر لينتقل بعدها بأسابيع لميلان الإيطالي مقابل 21 مليون يورو مع العلم بأن برسا كان رفض في الموسم السابق عروضا وصلت لـ70 مليون يورو لضمه، فيما أن ديكو انتقل لتشيلسي مقابل 10 ملايين يورو رغم أن مورينيو كان يرغب في ضمه لإنتر ميلان الإيطالي.

كان بيب يثق في قدرته على نقل نواياه للفريق الذي سيصنعه بنفسه على الرغم من أن برسا كان أنهى الليجا في الموسم السابق بفارق 18 نقطة عن ريال مدريد، حيث اعتبر أن الخطوة الأولى يجب أن تكون "تطهير" الفريق ممن تناسوا قيم النادي، وهو الأمر الذي راق للكثيرين داخل النادي ودعموه فيه.

انتظر حتى أعتزل

كان إنيستا من ضمن المؤيدين خاصة وأنه كان منذ الصغر معجبا بصورة كبيرة بجوارديولا حيث يقول: "حينما كان عمري 14 عاما شاركت في بطولة نظمتها (نايك) وفزنا وسلمنا بيب الجائزة ".

وأفصح إنيستا "بيب قال لي(أهنئك وأتمنى رؤيتك في الفرق الأول ولكن انتظر حتى أعتزل)، كان مثلي الأعلى وقدوتي، إنه يمثل قيم البرسا بداية من اللعب الهجومي ومرورا باحترام الزملاء والجماهير".

خلال الصيف الأول جوارديولا على رأس الجهاز الفني لبرشلونة تعاقد الفريق مع داني ألفيش وكاسيريس وبييكيه وكيتا وهليب لضخ دماء جديدة في الفريق، فيما أن رحيل ديكو ورونالدينيو تسبب في تغير محوري مؤقت في وضع إيتو.

إيتو حينما رأى أكبر خصمين له خارج النادي رفض كل العروض التي قدمت له وامتثل لأوامر مدربه الجديد، لأنه كان يشعر بأن هذه فرصته لكي يصبح المرجعية الحقيقية لهجوم النادي الكتالوني.

وكان السبب وراء هذا الاعتقاد هو أن الأرجنتيني ليونيل ميسي كان لا يزال مجرد فتى صغير، كما أن بيب لم يكن تعرف عليه بصورة كاملة.

لا يمكن نسيان حينما قال جوارديولا في مؤتمر تقديمه: "لا يمكننا أن نجعل ميسي هو مرجعية الفريق الهجومية الآن، لا أعتقد أن هذه فكرة جيدة بالنسبة له أو للنادي".

أبناء النادي

بالعودة لتحليل خطوات "ثورة التصحيح" التي قادها جوارديولا يظهر أن رحيل ديكو ورونالدينيو كان مدفوعا من قبل جوارديولا ليوزع أكبر قدر من مسؤولية القيادة على أبناء النادي الحقيقيين الذين يمثلون قيمه وهم بويول وشابي وإنستا، فيما أن ميسي في المقام الأول سيكون دوره ثانويا على أن يتم زيادته بروية ودون تسرع.

صعد جوارديولا بيدرو رودريجز من الفريق الثاني كدليل أخر على نواياه في الاعتماد على أبناء النادي، بخلاف حاجته التكتيكية له لأنه كان يرغب في لاعب يتمتع بخصائصه: جناح قادر على فتح الملعب والركض في المساحات ويتفهم ضرورة بذل كل ما لديه في كل دقيقة بالتدريب والمباريات.

صعد بيدرو للفريق الأول مصحوبا بسرجيو بوسكيتس الذي كان أظهر موهبة كبيرة في الموسم السابق مع جوارديولا في الفريق الثاني، هذا بخلاف تفهمه لدور لاعب الارتكاز واظهاره الالتزام المناسب بابتعاده عن قصات الشعر السخيفة والأوشام.

باختصار كان جوارديولا يرى في بوسكتس مشروع مستقبلي يحمل الشخصية المناسبة للسير على خطى شابي وبويول كقائد للفريق.

كان اللقاء الأول بين جوارديولا وفريقه بالكامل في معسكر الفريق بمدينة سان أندروز الاسكتلندية بأحد قاعات المؤتمرات بالفندق الذي أقامت البعثة فيه أثناء الأسبوع الأول بفترة الإعداد.

الخطاب الافتتاحي

كان بيب يشعر بالتوتر قبل القاء خطابه الأول والافتتاحي أمام الفريق ولكنه تمكن من السيطرة على الأمر وقال للاعبيه "كل ما أطلبه منكم هو 100% من مجهودكم".

وتابع "لن أسعى لتأنيب أحد اذا ما أخطأ في تمرير الكرة أو تشتيت الكرة بشكل يكلفنا هدفا شريطة معرفتي بأنه كان بالفعل يقدم كل ما لديه، يمكنني مسامحة أي خطأ ولكن لن أتهاون مع أي شخص لا يضع قلبه وروحه مع برشلونة".

كان من ضمن المستجدات الهامة التي أدخلها بيب على الفريق بخلاف لم شمله كعائلة هو جعل كل ما يحيط به قائم على أساس الاحتراف.

وكانت البداية من معسكر سان أندروز لذا فإن جلب معه فريقا من المتخصصين في كل المجالات كان يتضمن مساعدين فنيين ومعدين بدنيين ومدربين شخصيين وأطباء واخصائيي تغذية وعلاج طبيعي ومحللين فنيين ومساعدين للاعبين ومسؤولين للإعلام وكلهم من أهل الثقة.

كانت مراقبة وتقييم حصص التدريب والمبارايات عملا مجهدا وتفصيلا سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي، ولكن أهم شيء في ذلك الفريق الكبير أن جميعهم كانوا يحملون جينات برشلونة في دمائهم حيث يقول شابي هرنانديز حول هذا الأمر "الجميع كان برشلونيا ويقدم كل ما لديه لنتشارك في النهاية النجاح".

كان تيتو فيلانوفا الذراع اليمنى لبيب من أهم عناصر هذا الفريق، بخلاف كونه محللا استثنائيا للفريق والمباريات، فإنه أدهش الجميع بعمله الاستراتيجي وكان عنصرا حاسما في صعود البرسا (ب) من الدرجة الثالثة للثانية (ب)، حيث كان تفاهمه مع جوارديولا هو السبب الرئيسي وراء اعتماده عليه حينما تولى تدريب الفريق الأول.

يقول جوارديولا عن تيتو: "حينما أحدثه عن مسألة، اذا ما ظل صامتا أعرف أنه يتوجب علي اقناعه، اذا لم تتغير ملامح وجهه، فهناك احتمال كبير أن أكون مخطئا"، لذا فإن دور فيلانوفا في معسكر الاعداد باسكتلندا كان هاما للغاية خاصة وأن طبعه الهادىء كان سببا في حل سوء تفاهم حدث بين بيب وبويول أثناء أحد التدريبات.

بيب الديموقراطي

خلال ذلك المعسكر الذي شكل بداية العلاقة بين جوارديولا ولاعبيه، كانت نية بيب ارساء طابعا ديمقراطيا داخل المجموعة وتقبل المبادرات والمقترحات لتنشيط ذهن اللاعبين لاستقبال الأفكار الجديدة، ولكنه أيضا اضطر لارساء مجموعة من القواعد التي يجب على الجميع احترامها.

وكان من ضمن هذه القواعد عدم السماح باستخدام أي لغة سوى الاسبانية والكتالونية داخل المجموعة، هذا بخلاف تبادل الأماكن داخل قاعات الطعام لتجنب تشكل "عشائر صغيرة" داخل الفريق بناء على الجنسيات تتسبب في عزل بعض اللاعبين عن غيرهم.

يقول الفرنسي اريك ابيدال حول هذا الأمر: "لم أكن أعرفه حينها ولا أعرف طريقة عمله، الشهر الأول كان صعبا، لأنني والد ولدي ثلاثين عاما ويفترض أن الطريقة التي تتحدث بها للاعب شاب صعد حديثا للفريق ليست مثل تلك التي تتحدث بها مع لاعبين مخضرمين".

وحكى أبيدال "جعلنا بيب نتبادل أماكن الجلوس في قاعة الطعام لكي نختلط مع باقي الزملاء في الفريق، بل وجعلني أتحدث الإسبانية مع هنري حينما كنا نتواجد مع المجموعة، ذهبت لأتحدث مع الرئيس (جوان لابورتا) لأخبره بأن هذا الأمر لا يمكنني التسامح معه، وأخبرته بأنني أرغب في الرحيل".

وأضاف "لابورتا طلب مني التحلي بالهدوء لأن هذه شخصيات، أتذكر أنني لاحقا أصبحت أمزح مع جوارديولا بخصوص هذا الأمر".

استمرت هذه القواعد بعد انتهاء المعسكر الاسكتلندي بل وأن بيب أضاف عليها عناصر أخرى مثل تغيير تصميم مطعم الفريق داخل المدينة الرياضية للنادي بشكل يجعل كل اللاعبين يجلسون معا لأن جوارديولا كان يرغب في أن يشعر اللاعبون بأنهم موظفون في النادي وليسوا مثل نجوم هوليوود.

بخلاف هذا قضى جوارديولا على العادة الإسبانية بتجميع كل الفريق في فندق قبل المباراة بيوم حيث قال حول هذا الأمر حينها: "الناس لا تقضي اليوم الذي يسبق الذهاب للعمل محبوسة داخل فندق، ولا نحن أيضا، أنا أحكم على اللاعبين الموجودين أمامي بناء على أدائهم وليس حياتهم الشخصية".

وأضاف "أنا لست رجل شرطة، أنام في العاشرة ولست في حاجة لمراقبة خطوات لاعبي فريقي، لهذا أفضل أن يكونوا في منازلهم وليسوا محبوسين داخل فندق ".

من جانبه يضيف شابي "بالنسبة لي كان من أهم المستجدات التي أدخلها بيب، التدريبات المغلقة والقضاء على مسألة معسكر الفندق، التدريب في المدينة الرياضية منحنا الهدوء وقدرة أكبر على التعايش، وجعلنا هذا الأمر نأكل معا بعد الحصص التدريبية بخلاف الاهتمام بنظامنا الغذائي".

وأضاف شابي "أعترف بأن الأمر في البداية كان صعبا ولكن ما ان اعتدت على الأمر وأدركت أنه من أجل مصلحتي تقبلته، نفس الأمر يمكن قوله على معسكر الفندق، حيث أنني في البداية كنت أشعر أثناء تواجدي في المنزل خلال اليوم الذي يسبق المباراة بأحاسيس غريبة، ولكن مر الوقت وفهمت السبب وراء الأمر، حينما يقل عدد المعسكرات يقل مستوى التوتر والضغط وتكون في حالة ذهنية أكثر صفاء".

--

يستعرض FilGoal.com كتابا جديدا.. "طريقة أخرى للفوز" الذي يحكي حياة المدرب الإسباني بيب جوارديولا منذ طفولته وحتى رحيله عن برشلونة.

هو واحد من انجح الكتب الرياضية في السوق الإسباني وترجم لعدة لغات، ويقدم الكثير من القصص والحكايات عن مسيرة جوارديولا ولاعب والصعوبات التي واجهها بجانب شرح الكثير من الجوانب الفنية والتكتيكية في مسيرته التي قادته ليصبح واحد من أبرز المدربين في الوقت الحالي، هذا بجانب حوارات مع المدرب نفسه وعدد من لاعبيه ومنافسيه.

وألف الكتاب الصحفي الإسباني المخضرم جييم بالاجيه، صاحب الخبرة الكبيرة في المجال الرياضي بالعمل مع كل من (سكاي سبورتس) و(آس) و(تيليجراف) و(بليتشر ريبورت).

اقرأ الحلقة الأولى.. (اضغط هنا)

اقرأ الحلقة الثانية.. (اضغط هنا)

اقرأ الحلقة الثالثة.. (اضغط هنا)

الحلقة الرابعة.. (اضغط هنا)

الحلقة الخامسة.. (اضغط هنا)

الحلقة السادسة.. (اقرأ هنا)

اقرأ الحلقة السابعة (اضغط هنا)

التعليقات